كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

مسرحية

عماد البليك

الشخصيات:
العقيد: سيد القصر والحاكم
براد: الوزير الأول في القصر
ميمون: الحارس الشخصي للعقيد
سفيت: رئيس وفد التجار

يجلس العقيد في حديقة القصر، بجواره اثنان من معاونيه، الوزير الأول براد والحارس الشخصي ميمون، وأمامهما طاولة فيها  مجموعة متنوعة من المعقمات داخل حافظات بلاستيكية، كمامة براد بيضاء من النوع ثلاثي الطبقات غالي الثمن، في حين كمامة ميمون من النوع الرخيص، زرقاء اللون. العقيد بلا كمامة، لكنه يجرب المعقمات هل روائحها طيبة أم لا!
يبتدر العقيد الكلام:
– ماذا بشأن هذا الوباء هل أعددتم العدة؟ هل أنتم جاهزون؟ المهم بالنسبة لي أن يكون هناك تقريرا يوميا عن الوضع، أريد كل التفاصيل الدقيقة، خاصة الجوانب الاقتصادية، المال يهمني جدا، تعرفون أنني أحب الدنانير التي تلهب حماسي لكي أقوم بفعل الخير لأوزع منها على شعبي المسكين، يا لبؤس هذا الشعب، الذي لم يعرف إلى الآن كيف يكون حرا.
يضحك العقيد بصوت مرتفع.. يستمر في الحديث، لا أحد يقاطعه، يكون قد اشتم معقما جديدا بعد أن مسح صفحتي يديه:
– حاولت أن أزرع فيهم معنى الحرية، لكنهم لا يتعلمون.. العبد يظل عبدا، والسيد يظل سيدا.. أدخلنا لهم منهج الفلسفة في المدارس لكن لا أحد يريد أن يتفلسف، همهم في الأكل والشراب والنكاح، يا لبؤسهم.. أغبياء وجبناء.
يسمح العقيد للوزير الأول بالكلام بإشارة منه:
– تعلم سيدي العقيد المبجل، أن الشعب طيب وحنون، ينقصه قليل من الجنون ليفهم معنى الحرية.
يضحك هنا العقيد كثيرا.. يضرب على كتفه الأيسر فالأيمن:
– نعم.. نعم، أعرف ذلك.. أفهم هذا الشعب جيدا يا وزيري العظيم، أنت الذي ساعدني في صياغته، مثل إلياذة أو نص أسطوري، هائل.
الوزير الأول:
– ثقافتك تعجبني يا أيها العقيد الاستثنائي، أنت سيد العلم والفلسفة والمعرفة الإنسانية الخالصة، الله وحده يعلم أنه قد خلقك فريدا لكي تكون حبيب هذا الشعب المسكين.
يتململ الحارس الشخصي، يبدو أنه يريد أن يذهب إلى الحمام..
يواصل الوزير الأول موجها الحديث له:
– لا تتبول على ملابسك أيها الغبي، هيا افعلها وتعال.
يلتفت إلى العقيد:
– عفوا سيدي، هذا الحارس ميمون، نموذج حي لهذا الشعب الذي لا يتصرف حتى في بوله، يريد لك أن تستأذنه.
يذهب الحارس، يتكلم العقيد:
– لا تضع وقتي في الثرثرة الفارغة، أخبرني عن الوباء.
الوزير الأول:
– الوضع مسيطر عليه إلى الآن لا حاجة لإغلاق الحدود، ولا لفعل شيء غير عادي، دعنا نرى ماذا يفعل العالم ونقلدهم كالعادة.
يريد الوزير براد أن يضحك، لكن عيني العقيد ترمقه بغضب هنا، يتوقف. يسمع لسيده:
– نحن نرى ما يدور في الدنيا، لكن لنا سياستنا وعقلنا أيها الراشد؟ أنت الآخر لا تريد أن تكون حرا مثل الشعب؟! أن تعرف كيف تفكر وحدك دون الحاجة لسماع الآخرين من حولك. لا تكن لهم صدى.
– ما القرار إذن؟
يصمت العقيد قليلا، يتكلم:
– آمروا الشعب بأن يواصل حياته كالعادة، خصصوا لهم مزايا لدخول الأسواق والحفلات الجماعية السينما، كل مكان، دعوهم أن كان هناك وباء يسرعون في نقله لبعضهم البعض.
– لكن سيدي التقارير لا تفيد بأن هناك إصابات بين شعبنا!
– عن أي تقارير تتحدث؟ هل تخدعني؟ أنا أعرف ما تدبرونه من أرقام تتلاعبون بها.. هذا التقرير الذي أمامي جاء به وزير الصحة لكي يقول لي إنني مسيطر على الوضع، إنه حمار لا يفهم هذا الوزير، لا يريد أن يكون حرا.
– سيدي إنه يخاف!
– يخاف! ممن؟
– منك بالطبع..
– غريب! هل رأيتني أقتل أحدا أو انفيه من الأرض أو أدخله السجن، هل حدث أن فردا من شعبي كمم فوهه ومنع من التعبير عن الرأي؟
– لا حاشاك يا سيدي، فأنت المبجل صانع الحرية والأحرار.
– لا تخدعني أنت أيضا، لم ننجح إلى الآن في صناعة الأحرار، لقد فعلنا ما بوسعنا لكن الشعب لا يريد أن يتحرر، يريد أن يعيش على الأوهام، إنه مريض نفسيا هذا الشعب المسكين.
– أنت تعرف العلة إذن، دعنا نجرب الدواء؟
– الدواء في هذا الوباء.. ليموت نصف هذا الشعب وليبقى النصف الثاني كي يعيش حرا أبيّا.. سوف نعزف وقتها الموسيقى الوطنية ونقول لهم أنكم أبناء هذا الشعب العظيم الذي يعيش تحت كنفه عقيده الحامي والرائع. ما رأيك في كلمة رائع؟ هل تليق بمقامي؟!
يصمت الوزير الأول، لا يدري بماذا يرد.. يختلط رأسه بالأفكار، فالعقيد، مضطرب الفكر، لا تستطيع أن تتنبأ بفكره..
يتكلم العقيد:
– هل أنهيتم نشر قصصي الأخيرة وأشعاري للشعب المسكين، أريدها أن توزع على الجميع بلا مقابل، وأن تكون في مجلدات فخمة الطباعة، كل المكتبات في كل الأحياء يجب أن تكون بها نسخ من أدبي الرائع..
يسمع صوت الحارس الشخصي قد عاد من المبولة:
– سيدي، سيدي.
– نعم افضح ماذا هناك؟
– لا شيء فقط وفد من كبار التجار يريد مقابلتكم في الحال إن أمكن.
يصفق العقيد يدا بيد، يكلم نفسه:
– كبار التجار.. آه.. لقد تعبت منهم هؤلاء الذين يحبون الأموال مثلي، الفرق أنني مهما بذلت من المال لا أرى نفسي سعيدا في حين هم يعيشون في غاية الهناء، ليتني تاجرا ولست حاكما.
يمازحه الوزير الأول:
– سيدي المبجل. أنت الحاكم والتاجر والآمر والناهي.
– نعم، نعم.. لكن آفتي التفلسف وحب الفنون والآدب، هذا ما لا يفهمه التجار، ما يعوقني أن أكون مثلهم.
– أبدا سيدي، أنت أكبر منهم بعلمك وفهمك وأدبك الخالد، أموالهم سوف تذهب مع الزمن، لكن التاريخ سوف يبقي على سجلك العظيم من النصوص والروائع الشعرية والقصص والخواطر الجميلة.
يرمق العقيد وزيره الأول بغضب لا يريد مزيدا من الثرثرة.. يشير للحارس بأن يدخل الوفد.. الذي يتقدمه السيد سفيت ضخم الجثة، الذي يرتدي عمامة هائلة تكاد تلاصق السقف.
يتكلم الوزير الأول:
– مرحبا بوفد التجار أمام المقام العالي العقيد، تفضلوا بطرح قضيتكم.
لم يعجب العقيد أن يتحدث براد قبله، تغافل الأمر، تكلم سفيت:
– الوضع غير جيد سيدي، الناس تموت في البلاد من هذا الوباء، ونحن لا نعرف كيف نبيع بضائعنا، لقد كسدت الأحوال! رجال العسس لا يرحمون أحدا كل عدة أمتار توجد نقطة للتفيش على الناس، فحص المرضى بهذا الأجهزة المخبرية الغريبة، لا نعرف أي تاجر استوردها، الغالب إنها مهربة، ماذا يفعل وزير التجارة سيدي المبجل؟
قاطعه الوزير الأول مرة ثانية، عاد للكلام:
– هل جئتم لشكوى معينة أم لعرض حال؟ دع وزير التجارة وشأنه فهو يعرف كيف يقوم بواجبه، ماذا في جعبتكم؟!
يتأوه سفيت بصوت مرتفع في وضع قد يغضب العقيد، لكنه لا يهتم، يواصل:
– رأس الأفعى هذا الوزير، إنه بات يسيطر على كل البلد، ويعطل أحوالنا.
الوزير الأول:
– هذا مفهوم بخصوص الأجهزة المخبرية تعني تلك التي تقيس الحرارة، لكن ماذا بشأن بقية الأمور، ما علاقته بالحظر المسائي أو الأمور الطبية..
يكاد سفيت يجن، يعدل عمامته الكبيرة، يخبر الوزير بصوت مرتفع غاضب:
– نحن جئنا لنكم العقيد المبجل، من فضلك لا تتدخل.
يشير العقيد إلى وزيره براد بأن يصمت.. يفهم الإشارة.
يتكلم العقيد:
– نعم.. أفهم الوضع… لقد قررنا إقالة وزير التجارة.. ماذا تريدون بعد ذلك؟
– لا شيء.. شكرا.. شكرا… سيدي..
يذهب لتقبيل يد العقيد، يوقفه حيث يزيحها جانبا، في حين يتراجع سفيت، يكون أحد التجار المرافقين قد همس له في أذنه بكلام ما..
يتكلم سفيت موجها خطابه للعقيد:
– سيدي هناك أمر آخر.. أتمنى أن تخصص لاتحاد التجار الليبرالي الدفعة الأولى من اللقاحات إكراما لنا من لدنك، وتعويضا عما فعله وزير التجارة.
– لكم ذلك، أيها الوزير الأول نفذ قراري الثاني بعد إقالة الوزير، بأن تخصص توريدة اللقاحات لسفيت وجماعته.
يخرج الوفد، يريد الوزير الأول أن يتكلم بشيء ما.. لكن العقيد له كلام:
– كل ذلك يجري وأنا لا أعلم عنه، لماذا لم تخبروني بما يجري في شوارع بلدي؟ بقصص القياس الحراري؟ وألاعيب هذا الوزير؟
– سيدي.. القصة كلها ملفقة.
– نعم! ماذا تعني؟
– إنهم يكذبون لمصالحهم، فالوزير الذي أصدرت حكما بشأنه الآن من أنبل البشر وهو زاهد في كل شيء.
– أتعنى أنه من الأحرار، المتفلسفين؟
– تماما سيدي.. إنه حر ونزيه.
– لماذا لم تخبرني وهم معي؟
– لا يمكن لي أن أقاطعك سيدي، أنت لا تريدني أن أتدخل ولا يحق لي..
– لكنك تكلمت..
– نعم.. نعم..
–  المهم كيف نعالج الوضع الآن.
– ليس من شيء. لندع الأمور تسير كما هي عليه، ولنرى كيف سيموت النصف الثاني من الشعب وربما الثالث ليبقى الربع الأخير عسى أن يكونوا أحرارا.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.