كوداك..

علي بن نخي

.

بدأت أتعرّف على وجهي والفضل يعود، إلى رغوة الحلاقة وعلبة الشفرات التي اشتريتها مطلع هذا العام. كنت أجفّف الماء عن ملامحي، تذكّرت صديقتي التي نالت الماجستير في الصيدلة، حين أسرّتْ لي ذات مرّة: “إن داهمك حزنٌ أو يأسْ، جرّبْ أن ترتدي بيجامةً جديدة، ستشعر كما لو أنّك إنسانٌ آخر”. مبتعدًا عن المغسلة، صرت أقلّب هذه المعادلة: كم بيجامة تلزمني، يا ترى، كي أبقى فرحًا طوال العام؟

وجهي رطِبَ، وثمّة طبقةٌ لزجةٌ على ذقني. لقد خلّفنا وراءنا الشهر السابع، ونحن الآن في الأسبوع الأوّل من آب. مقود السيّارة ما زال يلسع، يتعيّن عليك أن تشغّل المحرّك، وتنتظر في البيت عشر دقائق أو يزيد، ريثما تبرد. وأنا، تتملّكني رغبةٌ في تصوير الشمس، والقيظ، والغروب، في اقتناص تلك الأشياء الذهبيّة التي تتلألأ، وتتكسّر في مخيّلتي.

الصيدلانيّة تعيش رضيّةً مع زوجها وابنها الوحيد. يخيّل إليّ أن لا منغّصات، سوى عثراتٍ عابرةٍ، لطالما وجدوا لها حلاًّ في مطلع كل الشهر. لا بدّ أنّها تبدّد أموالها على شراء البيجامات التي تمنحها السعادة، هي وزوجها الذي عرفت أنه موظفٌ في احدى شركات النفط.

عندما بدأ الكلب يلحس أنفي ونظارتي في الفناء، وعندما جاء ساعي البريد بشحنة الكتب الجديدة، فضضتها، وقرأت العناوين مرّةً إثر مرّة. لمست الأغلفة، تفرّست الفهارس التي كنت قد قرأتها من قبل، مررت على عناوين القصائد والقصص، وصفحات من رواياتٍ وفلسفة. حينها، تراجعت قليلاً، واقتعدت المصطبة الخشبيّة، وكانت إلى جانبي عدّة البستانيّ، وكان إزائي السّلّم الفضّي.

أيجدر بي أن أُغمض؟ أن أعمى، كي احتفظ بالأحزان التي تتماوج في الظهيرة؟ أن أكتنز النّحيب الخفيّ الذي يتسرب في الشوارع؟ لم بكى الشعراء الليل، وكيف تأتّى لهم أن ينسوا النهار؟ الرعب النهاري، الصمت والعجلات التي تدور، كيف! كيف نسوا البيجامات الجديدة، والأدوية، وآبار النفط، وكاميرتي التي ستجيء في الشحنة القادمة؟

أنا أحمّض الصور في غرفة معتمة، غرفةٍ لا يدخلها سواي، مفتاحها موس الحلاقة. لكنّ هذه الغرفة ليست في ذقني، إنه مكشوفٌ، ولا يصلح لتحميض الصور. الغرفة كامنةٌ في كوّةٍ مهجورةٍ، وتحديداً في عظمةٍ ناتئةٍ في مؤخّرة رأسي. تلك العظمة التي أخبرتني صديقتي الصيدلانيّة، بعد بحثٍ سريعٍ في غوغل، أن اسمها: الناشزةُ القذاليّةُ الخارجيّة!

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑