تنويعات على الغياب..

كريم الهزاع

.

ماتت أمي…
لا شيء جديد أخبركم به.
سوى أن الغياب، كلما مرّ الزمن، أخذ يتكاثر بدل أن ينقص.
ما تزال صور إسماعيل فهد إسماعيل، وناصر الظفيري، وعريان السيد خلف، ومهاب نصر، وعباس منصور، وآخرين، تجلس أمامي في صالة البيت، كأن أحدًا لم يغادر بعد.
للغياب أيضًا جغرافيته؛ ناظم حمدان في اللاذقية، وحميد الأمين الذي مضى نهائيًا إلى الناصرية. وما بين المدينتين، تمتد حياة كاملة من الوجوه والأحاديث والكتب التي لم يعد أحد يكملها.
أعشق القراءة والكتابة.
جرّبت الكتابة في أكثر من شكل، لكنني أميل إلى ما أسميه «الكتابة المفتوحة». أهوى لعبة السرد حين تتنكر في هيئة شذرة، أو مقطع يوميات، أو اعتراف، أو نفثة مقهور، أو حتى جملة تبدو عابرة، لكنها تظل معلقة في الروح سنوات طويلة.
وإن لم أجد ما أكتب عنه، فسأكتب عن حياتي.
ولِمَ لا؟
أليس من حقي أن أجري جردة حساب لخسائري، ولحالات العناد التي أنقذتني، وللتحولات التي صنعتني، وللقلق الذي رافقني، وللأمراض التي حاولت أن تقنعني بأن أتوقف؟
جسدي يحاول كل يوم أن يملي شروطه عليّ.
ألم الأعصاب، والروماتيزم، والسكري، والضغط، وضعف النظر، والأرق… كلها تقول لي: يكفي.
لكن لماذا أصدقها؟
الكتابة أكثر عنادًا من الجسد.
ثم ماذا عن شلة كوبا؟
دخيل الخليفة…
وعلي بن نخي وهو يقرأ نصًا بصوته، أو يبعث عبر الواتساب تحياتنا إلى أدونيس.
وماذا عن تلك المكالمة المستحيلة إلى أمريكا؟
«ألو…
ممكن لوركا؟
أو شاعر من نيويورك…
وليكن والت ويتمان وهو يقلب أوراق العشب…
هل يمكن أن توصلوني إلى منى كريم؟»
هذه أيضًا حياتي.
مثل المرض تمامًا.
الحياة وهي تسخر من نفسها… أو مني، قبل أن أكبر، وتهطل غيمة مستعارة من ماياكوفسكي في السروال.
أريد أن أبكي على كل تلك الأطياف
وعلى الكتب المرصوصة في الرفوف،
التي سأتركها قبل أن أنتهي من قراءتها.
وبما أنني أعرف ذلك جيدًا…
فلماذا أشتري المزيد منها؟
هل لأنني أراهن على أن حفيدًا لي، وليكن اسمه عبدالرحمن الهزاع، أو علي العتابي، سيقف يومًا أمام هذه الرفوف، ويسحب كتابًا كنت أنوي قراءته، ثم يكمل ما لم يسعفني العمر لإكماله؟
أريد أن أبكي…
أن أطلق كل الطيور…
دون أن أنسى باب القفص مفتوحًا.
الموت هو أن لا تعود.
أن لا تحظى بقبلة.
أو تقرأ كتابًا.
أو تكتب جملة.
أو تهذي في السرير.
أو تسمع ضحكة طفل صغير.
«ماتت أمي…»
ومنذ ذلك اليوم، مرت ليالٍ كثيرة كهذه.
أتخيلها وقد اتكأت على عكازها، ومضت إلى قبر والدي المجاور، وسألته عني.
أكاد أسمعه يربت على كتفها ويقول:
«لا تقلقي…
لقد اشتقنا إليه.
سيأتي إلينا قريبًا…
متعبًا كعادته،
رتبي له مكانًا إلى جوارنا،
ودعي بالقرب منه منضدةً صغيرةً للكتب…
فلن يعرف الراحة إلا بينها.»

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑