-نصوص في نص –
*أحمد الشيخ علي*
(عن الحب أو عدمه
عن الحياة أو الموت
عن كل ذلك وغيره
عن الأم وكفى)
أوشك أن أكتب شيئا،
وأريد شيئا آخر..
لم يكن الأمر يسيرا دائما
ما نفعله أحيانا
غير ما ننوي فعله.
ذلك أننا نتعدد…
*
أنا مثلا
لست أنا ساعة يمر صوتك
بينما أصغي إلى الكناريا
تتهجد صباحا.
لست أنا،
حين أستيقظ
ومازالت قبلتك ندية على شفتي..
وعبقك في قميصي.
لست أنا،
منذ ذلك اليوم
الذي عدت منه
ولم أعرف الطريق أبدا…
*
لم أكن أعرف
أن الطرق سبب للتيه أيضا…
الوصول ليس غاية،
إنه نتيجة ربما.
كلنا سنصل بالتأكيد إلى حيث نصل،
وليس أكيدا
أننا نصل
إلى حيث نريد؟
*
الأمر شائق
كأنني في لعبة،
المتاهة طرق تتقاطع.
وهكذا الطرق،
تتقاطع دائما.
فهل أنا في متاهة لم اخرج منها؟
هل كان عليّ أن أدخلها فحسب؟
هل أنا خارج المتاهة..
أم فيها؟
*
كيف لي أن أترك كل شيء خلفي
وأعود؟…
كيف لي أن أعود؟
*
تنتابني موجة من سخرية
وتسابقني دمعة..
أريد،
ولا أريد..
في الوقت نفسه..
لم كل هذه الأضداد؟
*
على مقربة من نفسي
أقمت عمرا كاملا،
تأملت نفسي كيف تتشقق عن جوهرها
كانت بذرتها بيضاء
وكان جوهرها من دم وحبر.
*
نفسي التي استطالت كثيرا
لم تأبه لوجودي على مقربة منها،
لم تسعفني بنظرة عابرة
أو كلمة.
وذات ليل
كان نهار يستحم على جرفه
رأيت نفسي تتسلل بعيدا..
لست موقنا،
هل ذهبت نفسي مع الليل
أم النهار
الذي يستحم على جرفه!
*
كنت أحتمل شيئا من الوديعة
التي تركها أبي:
(كتاب ومسبحة وشمعة)…
الكتاب مزقته
وأحرقته على قارعة حلمٍ بارد…
والمسبحة علقتها في رقبتي طويلا،
حتى صارت عينا في صدري
وفي موجة عشق،
انفرطت دموعها حتى أغرقتني.
أما الشمعة
فقد أقمتها تذكارا
لنفسي التي تسللت بعيدا
ونسيت أين هي الآن،
لم أوقدها بعد
وقد اشتد بي الظلام.
*
أنفاسي تتردد في قعر العالم
هنا،
في هذه الغرفة
حيث يتردد الليل دائما
أتردد أنا أيضا
كما لو كنت
كرة
معلقة
بخيط
تتردد في فراغ مديد.
*
أن أكون حيا الآن،
ذلك ما أحسبه حقيقة
ولكنني لا أملك من هذه الحقيقة
سوى أسطورة
وبضعة أقمار،
ونهر يتلفّت حيث تشتدّ به الريح…
الحياة هي النهر..
أم الريح؟
*
أتأمل يدي كيف تزيح الوجوه
وجها وجها..
تساقطت سنوات العالم،
كيف سأبيّن
أن العالم:
محض ما أعرف من الوجوه؟
*
الأمر ليس أكثر من نظرة.
أفتح عيني..
فتندفع سلالات مجهولة
من ساعات
لا حصر لها،
بعقارب وبناديل وأجراس
بوجوه وعيون وأفواه
بأجنحة وسلاسل..
ومعها يندفع وميض ساطع
ثم يهدأ كل شيء.
*
ماذا يعني كل هذا الصمت؟
الممر الذي قطعته
بين أمي
وهذه اللوحة الرخامية
التي ستتوسدني ذات يوم
ليس أكثر من برهة صمت…
متى كان للكلام معابره؟
كلما أحرك لساني
ينتابه عشب يابس،
ويملأ الشوك حنجرتي.
*
في الخلف دائما
تتكثر نسوة بعباءات حائلة
مثلما يتكثر ليل طفل..
رويدا.. رويدا..
ويتكدس في الهواء
أنين عميق..
كما لو يخرج من ناي كونيّ.
أنا قبالة ذلك،
وما بيننا نهر يجري،
نهر من حكايات سائلة
لا تمس أقدامه التراب…
في أي ضفة من النهر أنا؟
وهل لنهر عائم في الهواء
ضفة،
لأقف عليها؟
*
لست أعني أنني مسافر
وقد نشرت أشرعة..
وأطلقت حلمي
حمامةً في لازورد الوقت
لست مسافرا،
ولست مقيما أيضا،
كل ما أراه وقد فتحت عينيّ
ذلك الذي تلاشى
وتبدد
واختفى
على مرآتي،
كل ما أراه:
وجهي..
يتسرب مع موج لازوردي
تتقاذفه مرايا الوقت.
*
وردة تطلع من شق في جدار…
الشق فراغ غامض
وامتلاء..
أيضا.
في هذا الشق تكمن أسرار
وتفاصيل لا تدرك
إنها حياة ملتبسة…
أطرق مليا،
بينما الوردة تنوس
وهواء لا يرى
يمرر أجنحته على عيونها.
الوردة بألف عين،
عمياء
ومغلوبة..
إنها تفصيل عابر
في هذه الشقوق
التي تتسع في جدار روحي.
*
يوشك حصان يحمحم في البراري
أن يعيد ما كنت أجهش به
الحصان الذي يثير الأودية
ويركل بقوائمه الحصى هناك،
كان يركل غيما في رأسي
ويتصعّد في سماء لا نهائية
تفتحت بين يديّ
وأنا أورّق أغنية مطوية في منديل
تركته حبيبة عمياء
على شاهدة قبر.
*
من يدري؟!
كل حبيبة عمياء.
كل حبيبة التفت عنها حبيبها
وصار شاهدة،
عمياء ومحتشدة
بأغنيات مجنونة
ومطر نافق
ومنديلها مطرز بأسلاك شائكة..
وهياكل عظمية
مسفوحة بحرائق مدن بلا أسماء.
من يدري؟!
كل حبيب قبر..
التفت عن حبيبته أم لم يلتفت!
*
ثمة التفاتة تحين ليبدأ شيء ما
شجرة تنحسر عن قبلة مقشرة
بينما المطر يستدرك
عناقا مرتبكا
على مقربة من الحب.
حمامتان تلوذان في الذكرى..
وأطفال يمتطون السكاكر
ليصلوا إلى رغيف العشاء…
من الحكمة أن أرسم الذكرى
لا على ورقة
ولا على شجرة
ولكن هناك..
على ذلك الأفق الذي لا ينتهي…
وكلما نظرت صوبه
سأجد الشجرة
تنحسر
عن قبلة،
وأجد المطر
يستدرك عناقا مرتبكا..
وفي ذبالة من نهار
أطفال يبيعون مرحهم
ليشتروا إغفاءة ونصف خوف…
*
الحب يتعدد
ولكنه واحد..
كل حب، مهما بدا مختلفا
فهو خلاصة لما يملأ أرواحنا
منذ أول قبلة
تمهر بها الأمهات وجودنا القليل.
وما تدرّ به صدورهن
فتتوهج أعيننا لحظة
قبل أن نستكين برهة،
ثم نطوف
بعيدا.. بعيدا..
في غيابات لا تنتهي من الحب…
غيابات من الطفولة أيضا،
غيابات من الخوف.
*
بين الحب والخوف طفولة لا تنتهي
ذلك ما أصدقه عبثا..
ذلك أن الحب هو الطفولة
أما الطفولة فهي الخوف!
وما عدا ذلك فليس مدعاة لأتأمله.
يمكنني أن أرسم شرفة سرية
على صفحة الغروب
وأفتحها على سعتها
وأتأمل الوهج البرتقالي
يبرد مندغما في زرقة الليل…
هناك سأعرف
لا على سبيل الشك
ولا على سبيل اليقين
أن الحب والطفولة والخوف
شيء واحد..
ذلك أنني
لن أرى من شرفة الغروب السرية تلك..
سوى وجه أمي.
*
أبتعد أو أقترب..
لا فرق،
المسافات بعض شغفي في استعادة أخطائي.
ما الذي يعنيه أن أكبر مثلا؟
وما زلت أدس وجهي في صدر أمي
لأسرق نفسا حافلا بالأمان؟!
سنوات طويلة مضت
منذ نشرت أمي جناحيها
وحلقت نحو سماء أخرى..
سنوات طويلة
وأنا أكرر وجه أمي في النهارات..
أكرره في الليالي،
وحين يباغتني الخوف
تحيطني بتنويمة من صوتها
وتبتسم لي
راسمة قبلتها الخالدة على وجهي.
أمي بعيدة جدا..
بيننا عوالم من الشك واليقين
بيننا طرق ومتاهات
بيننا معابر مطلسمة بالحقائق وممهورة بالأساطير
بيننا زمن معتم
وأنوار تخطف الأبصار
بيننا كائن (المجهول) الذي يترصدني دائما،
كما ترصدها من قبل.
وبيننا ستار شفيف..
وتنهيدة..
وإذ تمد يدها وتمرّ بها على رأسي
أعود إلى فراديسها
وأبحر في عينيها بعيدا
كأنني أعرف إلى أين…
أمي..
أقرب البحار وأبعدها!!!
أن تنظر إلى نفسك مليا
ولا تدرك أنك رقاص يتأرجح دائما..
ذلك يعني أنك أعمى!
العمى طريق آهل بالعصيّ
ووصول ناقص
ربما ليس بشكل قاطع
ولكنك ستدرك ذلك..
*
لست أعمى تماما،
إنما وصولي ناقص
يحق لي أن أطلق أسئلتي
ويحق لي أن أنتظر جوابا
بل يحق لي
أن أدع الأسئلة تهاجر أعشاشها،
وتضيع على غير هدى في الجهات..
ويحق لي أن أدع الأجوبة ورائي
تتضور محوا!
الثمرة التي ستفيق عن زهرتها
نصف يقين ونصف شك..
نصف عمى ونصف بصيرة
وما بينهما رقّاص يتردد دائما..
ذلك أنا
ذلك ما قصدته.
كلما مرض قلبك
ستدرك أنك من عالم آخر.
المرضى قلوبهم
من عوالم لا تشبه هذا..
*
القلب تفاحة الوليّ
تفسد معجزتها
لحظة تدخل هذه الغرفة
التي ندعوها (العالم)..
هذا القبر
الذي تعلق عليه الحبيبات العمياوات
أغنياتهن المطويات في مناديل مطفأة
بعيون مفتوحة سعة المعجزة
ولا يبصرن شيئا.
لقد فسدت المعجزة.
***

أضف تعليق