هباؤنا الذي تهندسه الحرب..

أحمد الشيخ علي
إنها تأتي فحسب،
تخرجنا من نومنا الرتيب،
وتلقي بنا في مجارير لا نهائية من الألم.
تأتي بعصفها وأضوائها المشؤومة،
وتنهي مراسم الحب التي بدأناها.
تقطع عشاءاتنا المعدّة بقليل من الاهتمام
ليبقى الجوع رفيقنا الدائم.
تأتي بغتة،
وتجعل صلواتنا تتقرفص في زوايا حجراتنا
مثل قطة وجلة.
تأتي..
فتشهق الطيور في غير مواعيدها،
ويكتسي وجه السماء مسحة من العهر
بألوان مريبة،
بينما نمرض في ثيابنا،
وتبقى تستحكّنا جلود ظهورنا البعيدة.
تأتي
فتنزف عيوننا صورها
التي تظهر عورات المدن المقتولة،
والمرمية على الخرائط
وفي الشاشات التي تعوي لا مبالية بانكسار القمر.
….
إنها تأتي فحسب..
فتنزلقُ الذاكرةُ من جفوننا كما ألواح زجاجٍ،
ونصغي لأسمائنا تتكسر على بلاط معمّد بالدم.
نرى الوقتَ يذرف روحه رملاً أسود
على أرغفتنا الشحيحة،
بينما تشيخُ الجدرانُ فجأةً،
وتسقطُ الشرفات بلا غناء
في أحضانِ المارّةِ،
مثل أراملَ منتحرات.
تأتي..
لتحفر في عظامِنا أبجدياتٍ عصيّة
لها جِرْسُ الألم ونكهة الفجيعة..
لها صرخة شجرة
لا تجد فمها فتخلع عصافيرها وتقف عارية.
أشجارنا العارية هذه، توابيت مؤجلة
بعيون حانية
ترقب هباءنا الذي تهندسه الحرب
نحنُ الذين نسينا قلوبنا مشرعة كأبوابنا،
وجلسنا بوجوه ممحوّة على رصيف العالم..
لا ننتظر أحدا بعد.
