زورقٌ في هامش..

بقلم: علي بن نخي

-١-
على الرّغم من قرب بغداد من الكويت، إلّا أنّني احتجتُ السّفر إلى أستراليا لزيارة العراق. فتح الكُتُبِي صباح مخائيل بَرْخو غطاءَ بئرٍ في “گراجه” الذي صيّره مكتبةً، وأراني قبرَ جان دمو. ثمّ صاحَ بي بلهجةٍ عراقيّةٍ مُميّزة، “في كتابين لازم تاخذهم”، قطّب جبينه، “علي، هذنّي جايين على عقلك”، ثمّ صمت، وأخذ يشربُ من كوب الشاي.
“اسمعني، تاخذهم وماريد فلوس” كان الكتاب الأول “خزائنُ اللّيل” للشّاعر حسين علي يونس، أمّا الثّاني فكان للشّاعر جمال علي الحلاّق “فنّ الإصغاء للذّات” .

-٢-
أهملتُ الخزائن سنةً تقريبًا، كنت منشغلًا بالدِّراسة حينها وقراءاتٍ أخرى، كنت مهووسًا آنذاك بالمدرسة الانطباعيّة؛ مونيه وإِيساك ليفيتان. اليوم، أضحكُ على ذاك الهوس رغم أنّي مازلت أحنُّ إليه.

-٣-
في ظهيرةٍ ماطرةٍ تسلّلتْ حلزوناتٌ كثيرةٌ إلى شقّتي وأذكرُ أنّي حملتها بطرفِ “فنّ الإصغاء للذّات”. ثم فتحتُهُ وقرأتُ هذه الجملة: “الصّمتُ محكمةٌ، وأنا المُتّهم”.
دفعني الصمت إلى إكمال القراءة، يقول جمال: “الدخولُ إلى الكتابةِ أشبهُ ما يكونُ بصافرةِ إنذارٍ هائلة، صخبٌ لا يهدأ، وشبابيكٌ تُفتحُ بأيادٍ كثيرة. الكتابةُ ليست الكلماتُ التي تنهمرُ، بل القلقُ الذي وراءَ انهمارها، والفكرُ الذي يحاولُ تماماً مثل زلنطحِ (باشو)، أن يتسلق جبل فوجي. سيرتبكُ المُنفتحُ كلّما فكّر في نطق الحقيقة، لأنّ المحيط لم يتهيأ بعد للإصغاء إليها، ومع هذا، فإنه في النهاية يضعُ رأسهُ تحت المطرقة.”
أغلقتُ الكتاب، وتأكدتُ أنّ هذا الذي يدعى صباح ليس بائع كتب فحسب، وتأكدت أيضًا، أنّني أنتمي بطريقة ما إلى جمال، وشعرتُ بنمرٍ يفتح فكّيه في رأسي. دفعتني العتمة إلى المشي مع كلبي فاوست في الحقل المجاور، ثم بدأتُ أفكّرُ في حسين.

-٤-
أفكّر في القصيدة التي خُطّتْ على ظهر الخزائن: “في قلبكِ لبثتُ مختفياً. كنتُ أعرفُ أنكِ مغادرة، لذا وضعتُ السمكةَ التي خلقتُها من اليأسِ في سلةٍ، وتأملتُ عينيكِ التي صرّتْ فيها البوابات”
بدأتُ قراءة قصائد حسين لأصدقائي العرب والأجانب، أساتذة الجامعة، ومن ألتقيه صدفة في المقهى، أو في المصعد الكهربائي، أو في وسائل النقل العام.
هكذا رافقني حسين في ملبورن. وهكذا اكتشفت العراق من زاويةٍ جديدة.

-٥-
في زمن القحط، سالتْ دماءٌ كثيرةٌ، وعند أطراف المكان، عثرتُ على شجرةِ تينٍ يانعة. أُلوّحُ لكم، وظلالُها تسقطُ، ارحلوا عني؛ لستُ إلا أثرًا لأثرٍ ولدَتْهُ الآثار.

-٦-
ما أثارني في الانطباعية، خروجُها عن الشّكل، عن الواقعِ المعطى. من خلال انعكاساتِ الضّوء ورصد تَمَظْهُر الاشياء والعالم في لحظة المشاهدة. وجدتُ في هذا البعد معادلةً أخرى، طريقةً لتجاوز الحقائق المسبقة.

-٧-
في ذلك الوقت، كنت أشعر بمغاليق حجبت عني كل شيء؛ ما أعرف وما لا أعرف، وعندما عثرت على مفاتيحها، ضحكت. حدوسٌ متنوّعة، في جيوب أصدقاءٍ لا أعرفهم؛ أعني حسين وجمال، مونيه وليفيتان، والكُتبي صباح. يعلّمنا بيرغسون أن الحدس مفتاح الزمن الداخلي.

-٨-
أتقدّمُ
بالموتِ أحتجبُ
أقتربُ من الحدِّ
هكذا أتلمّسُ الأرض
في زمن يتغوّر.

-٩-
نيرانٌ زرقاء، طفولةٌ تختبئُ تحتَ الحجر. يشتعلُ العالم ويشيخ. على المصطبة جلسنا نرقّعُ جرحًا، اقتادنا إلى البئر، دفعتنا الحياة في عتمته، ثم أبصرنا رجلاً على تلّةٍ بعيدة، يحمل صرّةً، يتمايلُ في القيظ.

-١٠-
كيف تُجمعَ الاعمال والحياة سمكةٌ تظهر في موجة لتختفي من جديد.

-١١-
حنينٌ يتذبذبُ في يديّ
أرتجفُ
في كهوفٍ بعيدة بينما أقفُ في الشارع
برأسٍ يحترق يأسي جذمورٌ لم ينسَ التربة الأولى.

-١٢-
يبحثُ الناسك في الأرشيفِ عن نبعٍ، أيقونةٍ، عن نافذةٍ.
هل ترى الى التّين يساقط في الطّلل، فيما يدهسُ الأطفالُ اللّافندرَ في الزّورق الخشبيّ؟
عائدونَ برقصاتٍ عجيبةٍ إلى بيوت الطين الملوّن، يلمّون التّناقضَ في سِلالٍ خوصيةٍ، يُذيبونَهُ في الفجرِ، يذوبونَ في السّر؛ لقد عرفوا أنّ اللّانهايةَ ذاتها قفصٌ.
وها هم ينثرون فتاتَ الخُبزِ للدّجاج.

-١٣-
تسعى الأشياءُ إلى نقائضها، واليوم ظلٌّ
يتكثَّفُ في الحرب، وفي اللاحرب أيضاً.

-١٤-
حتى هناك
في الماوراء
سيطاردنا الجوعُ ذاتُه
بالطريقة التي جُعنا بها
في البيوت.

-١٥-
لا نستطيعُ أن نُجلجلَ السُّلطة دون أن نتلاشى.
أجنحةٌ بيضٌ تنمو، والأرضُ تدور في حوض ماء.

-١٦-
عندما نهجر الخرائب، تحاصرنا القناديل
وضّاءةً وعقيمةً.
متسولٌ إلهي
ينحت النقصان
وبسرعة الساكن ينمو.
نُسُكٌ طاويٌّ، خشخاشة ميتة.

-١٧-
في دلمون، يدفنُ الأهالي أختامَهم. ذلك سرُّ الينابيع.
أنكي، إله الماء، أنكي، إله الكتابة، من أجلِكَ ندفنُ الصّورَ التي نُحب.

-١٨-
حزانى
نرقبُ الوطن
نبتسمُ
سيستقرُّ في القاع
جَنّةً محطمة.

-١٩-
يجلسُ المفهوم على الرصيف
يرتجُّ في عربة حمار
وبين الأزقّة يرتحل.

-٢٠-
انظُرْ إلى أنكيدو ناصبًا أكواخًا من السّعفِ على ضفافِ الفرات. مُوقدَةً، مازالتْ نَارُ الجوقةِ في الثّورة. نارٌ تتموج في الجدران. المدينة التي ببرادتها يُستحثُّ قلب كلكامش، خالدةٌ في خبز الموائد. أسنانٌ تتساقط في المدى. إلمَسْ رطوبةَ الشّارعِ لتبتسم الحانة، وردتها، وتنتحب الأدخنَةُ في الأحراشِ، لترفرف العباءاتُ القديمةُ في السّماء، ناعمةً سوداء.
الغنائمُ وُزِّعتْ، وأنت بخطو التائه بلغت النهاية قبل الجميع. لكنهم سرقوا كلّ شيءٍ، ثمّة زنابقٌ لم يلحظوها، عتمةٌ لم يلجوها، لذلك ولأسبابٍ لا تحصى صيّركَ الشعاعُ عصفورًا.

-٢١-
لستُ موجودًا
وها أنا ذا أترنّحُ صحبة جان
في “الذُّرى الغسقيّة”،
بثيابٍ مُتّسخةٍ وضحكاتٍ عالية،
نبصق على العالم.

-٢٢-
في الهامش، ينتمي الشّاعرُ إلى أثر يتغيرُ. مواطنةٌ كونيّةٌ تتجاوزُ حرّيّة المكان الظاهر، تستمد شرعيتها من بعدٍ مضمر. يعيد الشاعر، هندسة المكان للآخر الغامض في ذاته.
يعمِّرُ الغرباءُ مدينةً لا ترى، فيها المدائن ذائبة. الغرباءُ، بثيابٍ بشريّةٍ، يرحبون ببعضهم. نسبٌ والضيافة قدوم الآخر، ذلك القدوم، التوازن الهشّ.
أدخلني حسين داره وأعطاني خبزًا غيبيًا، ثم مزّق قصائدي.

٢٣
قل ما تشاء، ولكن بلغةٍ مُتيقّظة.
أكتُبْ بالممحاة.
الشّعرُ هناك، لكنّهُ هنا أيضاً في كلّ شيء.
كُن وفيًّا لهامشكَ الخاص.
الجملةُ العظيمةُ أهم.
اللغةُ تتجذّرُ في الصمت.
الأحذيةُ اللاّمعة صلفة.
سرقةُ الكتب التي لا تُقدّر بثمن، فعلٌ أخلاقيّ.
الحياةُ كشفٌ مستمر للزَّيف.
لا تَظهر إلا بالاحتجاب.

٢٤
بذرةٌ عدميةٌ تنمو
والإشارةُ التي غرستَها في الشمس
تلمعُ
بأزيز خلّاق.

٢٥
كبنّاءٍ دفعتُ المجدَ بقصائدكَ إلى وطنه الأم زريبةَ البغال
ثم جلستُ على الرّصيفِ أمامَ كأسٍ مكسور.

٢٦
في الأزقّةِ نحيا، بعيدًا عن الأنهار. الأنهارُ في بعدها الطبيعي، بعيدةٌ جدًا. وفي بعدها المُضمَر تنبجس في اللحظة، من شقوق المكان.

٢٧
هكذا تنهمر الدموع من عين شاعرٍ يصرُّ على أسنانهِ، يضحكُ في طقسٍ محطمٍ، يتجوّلُ بجسدٍ اكتمل رحيلهُ. أقرأ حسين علي يونس.

٢٨
أشذّبُ حنجرتي، لأخطو بصوتٍ خافتٍ، كي لا تختفي الظلال. أدوّنُ منطقَ الصّدعِ، أتلمَّسُ خصوبةَ اللامُنجز.

٢٩
ينامُ الشاعر في قبره، يغيب إيقاعُ موته. إيقاعُ الجنازةِ لا يموت.

ثمة طبيعةٌ أخرى يعلو الايقاعُ هنا، صامتًا.

٣٠
جسدي طاحونة تتكسّر
كيف يستعيد الغناء نزاهتَه؟

٣١
غافٍ على دكّةٍ خشبيةٍ
جاءَك الشِّعرُ،
بيديهِ النحيلتين
بإكليل الغار
توجك.

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑