كناية/ مساحة للحلم وأفق للحقيقة- مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة، تعنى بالخيال والحرية والحداثة والتجريب- رئيس التحرير: حكمت الحاج

الحرب، وما أدراك ما الحرب!

الحرب «II»..

القصيدة: آرثر رامبو
الترجمة والتحشية والتعليق: حكمت الحاج *

«عندما كنت طفلاً صغيرا،
صقلت بعض السماوات رؤيتي،
فتغيرت فيها شتى أنواع الطبائع.
أما الآن، فيطاردني وجهي،
وتوقظني المظاهر،
مع التراكم الأبدي للحظات،
والمسائل اللانهائية للرياضيات،
عبر هذا العالم الذي أحتمل فيه
كلَّ النجاحات البرجوازية المقيتة،
مُحاطًا بتقديرٍ رفيع من أطفالٍ غريبي الأطوار،
وبمودةٍ لا حدود لها.
لكنني مع ذلك أحلم بالحرب،
بحرب عادلة، أو بحرب قوية،
ذات منطق غير وارد بالحسبان.
أحلم بحرب بسيطة تشبه جملة موسيقية».

# التحشية والتعليق:/
أولاً، هذا النص بعنوانه أعلاه موجود ضمن كتاب آرثر رامبو الشعري الشهير بعنوان “الإشراقات”، بيد أن “الإشراقات” ليس مجموعة قصائد بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، بل هو سجل انفجارات وعي ملتبس شقي متشظ، و«الحرب II» هي واحدة من تلك الشظايا التي لا تزال، إلى اليوم، تطارد القارئ كما طاردت صاحبها بشؤم الطالع.
إن عنوان «الحرب» وترقيم القصيدة بـ «II» ليسا تفصيلين عرضيين في “الإشراقات”، بل انهما جزء لا يتجزأ من منطق رامبو التفجيري نفسه.
واضح إن رامبو هنا لا يكتب عن حرب عسكرية بالمعنى المباشر للمفهوم، ولا عن معركة تاريخية محددة. «الحرب» هنا مفهوم شعري–وجودي–معرفي. إننا أمام حرب من نوع آخر، حرب داخل الوعي المعذب نفسه.
في هذا النص، تتحول الحرب إلى صراع بين مستويات ثلاث:
المستوى الأول، الطفولة بوصفها لحظة انكشاف حاد للعالم: «عندما كنت طفلاً صغيرا، صقلت بعض السماوات رؤيتي». هنا لا توجد براءة رومانسية، بل حساسية مفرطة، ووعي مبكر بالتمزق.
ثم، على مستوى ثان، العالم البرجوازي بوصفه نظامًا خانقًا: «هذا العالم الذي أحتمل فيه كلَّ النجاحات البرجوازية المقيتة». النجاح هنا ليس إنجازًا، بل هو عبء أخلاقي وروحي. إنه نجاح مفروض، اجتماعي، مُدجَّن.
المستوى الثالث هو العقل الحديث بآلته الباردة: «التراكم الأبدي للحظات، والمسائل اللانهائية للرياضيات». الرياضيات ليست علمًا هنا، بل هي رمز لنظام كوني تجريدي، لا إنساني، يطارد الذات، يكبلها، ولا يحررها.
الحرب إذن بوصف رامبو هي: حرب الحساسية الباطنية ضد العقل الأدواتي الاستعمالي، حرب الرؤية الشعرية ضد النظام الاجتماعي، حرب الفرد الحر ضد مروضي هذا الفرد. لهذا يحلم رامبو بـ«حرب العدالة أو القوة أو المنطق غير المتوقع». إنه لا يريد حربًا تُدار بالقوانين المعروفة، بل حربًا تُفجّر المنطق نفسه. وهذا هو جوهر مشروع “الإشراقات” : تفجير اللغة، لا استعمالها.
ثانياً: لماذا الرقم «II»؟
الترقيم في الإشراقات ليس ترتيبًا سرديًا ولا تسلسلاً زمنيًا. هو أقرب إلى بنية موسيقية أو شظايا وعي. حين يضع رامبو «حرب – II»، فهو يلمّح إلى ثلاثة أشياء في آن واحد:
1. أن «الحرب» ليست نصًا واحدًا، بل حالة متكررة. الرقم “اثنان” يوحي بأن الحرب ليست حادثة منفردة، بل طور من أطوار التجربة. هناك حرب أولى، ثانية، وربما ثالثة غير مكتوبة. الحرب هنا حالة دائمة، وليست ذروة نهائية.
2. رامبو هنا يعمل على تفكيك فكرة القصيدة المكتملة، ويتعمد كسر وهم «القصيدة الواحدة المغلقة». النص مرقّم كأنه مقطع من متتالية شعرية، لا ككيان مكتفٍ بذاته. هذا ينسجم مع روح ” الإشراقات” كعمل مفتوح، بمنطق أمبرتو إيكو، لا كديوان شعر تقليدي.
3. يتعمد رامبو أيضا الإيحاء بأنه بصدد بنية موسيقية أو علمية للقصيدة. فالترقيم لها يشبه ترقيم النوطات الموسيقية أو القضايا الفلسفية. وليس عبثًا أن يختم النص بقوله: «بسيط كجملة موسيقية». القصيدة نفسها تُقدَّم كحركة ثانية في تركيب أكبر، لا نملك خريطته الكاملة. وهذا تماما ما سيفعله بعد سنوات طويلة، الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين في كتابه “التراكتاتوس” أو “الرسالة المنطقية الفلسفية”.
إذن، رامبو يختار عنوان «حرب» لأنه يكتب من داخل معركة، لا عنها. ويضع الرقم «II» لأنه لا يؤمن بالوحدة، ولا بالخاتمة، ولا بالنظام النهائي. ولو توخينا صياغة ذلك بجملة رامبويّة الروح لقلنا: هذه ليست حربًا تُخاض، بل هي حربٌ تُرى.


استجابة واحدة لـ “الحرب، وما أدراك ما الحرب!”

اترك رداً على Kinaya-كناية إلغاء الرد