أحمد الشيخ علي
همس لنفسه، بعد أن تأكد من خلو المكان من الآذان والعيون الجوالة والطائرة التي تجوب الشوارع والساحات، في محاولة لالتقاط ما يمكن من أفكار هاربة من أفواه الناس.
كانت أفكاره صغيرة ودقيقة لا يحتاج من اجل إطلاقها إلى كبير جهد. قوام كل فكرة كلمة أو كلمتان ليس إلا، وما أن يهمس بها حتى يلتقطها بيده، وبحركة خاطفة يدسها في جيبه.
أفكاره التي يهمس بها لنفسه، لا تخطر على بال أحد مطلقا، دقيقة وبالغة في شفافيتها، حتى هو بالكاد يسمعها، ولا يكاد يراها. يتركها مطمئنة آمنة في جيبه، تتحاور وتختلف أو تأتلف، ولا يمانع أبدا حين تصدر عنها بيانات تدعو لتأسيس حركات معارضة للأنظمة الحاكمة وسياساتها الاستبدادية وأجهزتها القمعية التي باتت تعد أنفاس الناس، ولا تتورع عن زرع عيونها ودس أنوفها وآذانها في أحلامهم، ومصادرة ما تقبض عليه من أفكارهم، والزج بها وبأصحابها في قوارير الماء البلاستيكية الفارغة، وإطارات السيارات المستهلكة، ليعاد تدويرهم أحذيةً وأكياس نفايات وأباريق للمرافق الصحية، وفي أحسن الأحوال ألعابا رديئة أو أطباقا للاستخدام الواحد، وبعد انتهاء صلاحياتهم يعاد تدويرهم مرة أخرى، وأخرى، وأخرى.
أما هو فقد كان مفكرا عظيما، وقائد ثورات لا تعد ولا تحصى، يعرف كيف يتحاشى مفارز التفتيش وكلابها العمياء ذات الأنوف التي لا تخطئ في اقتناص الفقراء والمساكين والحالمين وأصحاب العقول القادرة على إنتاج الأفكار وتدجينها وتربيتها. كان بارعا في المراوغة، ويتمتع بحدس لا نظير له، كان يتنقل مشيا على قدميه، قاطعا مسافات طويلة، متفاديا الأخطار المحتملة، ففي جيبه دائما أفكار مشفرة لو علمت بها آلات السلطة لنسفتها نسفا، وبعثت به إلى وراء الشمس، تماما كما يتردد في الأروقة السرية والمخادع، أو في ما يدور من حوارات مشفرة تستخدم فيها إشارات مبتكرة وتعابير صامتة تختلط فيها لغة العيون وحركات الأيدي التي يمارسها الصم والبكم، مع مراعاة عدم إصدار همهمات أو تأوهات شبقية ذات مغزى دال على نقل ثمار الغريزة إلى سلال العقل. وهنا تكمن عظمته الفكرية، وجدارته في قيادة تظاهراته الاحتجاجية واعتصاماته، وحتى ثوراته التي قد تتجاوز حدود السلمية إلى الكفاح المسلح.
كل شيء كان يحدث بهدوء ومن دون ضجيج. فلا أحد يعلم ما يدور في جيبه، السجالات المحتدمة والاصطفافات والنزاعات، وحتى العراك بالأيدي والأسلحة البيض، والحرائق المفتعلة والاغتيالات، كل ذلك كان يجري في جيبه، حيث تتنامى أفكاره السرية وتتكاثر شعوبها. وكان هو يشعر بسعادة وتتعاظم ثقته بنفسه، لأنه بقي بمنأى عن مخالب الاستبداد وأنيابه.
ما لم يكن يحسب له حسابا أن يبتكر غريمه وسيلة جديدة لبسط نفوذه على الناس، وذلك ما حدث فعلا، فقد كان مارا في شارع مكتظ بالسابلة والمتبضعين وأصحاب المحال والعربات، عندما أحاطت بهم وطوقتهم قوات مسلحة وأسلاك شائكة وكلاب وفرسان على خيول وآخرون هبطوا بالمظلات من طائرات بقيت تحوم فوقهم وتكاد تحتك برؤوسهم، وكانت مكبرات الصوت تطلب من الجميع الإذعان للأوامر والتوقف عن الحركة وعدم مغادرة أماكنهم لأي سبب. لتبدأ على الفور عمليات تفتيش منظمة لم يسلم منها كبير أو صغير، رجلا كان أم امرأة، لقد جرى نخل الناس وجسّهم وتمريرهم في أجهزة كاشفة بحثا عن أي فكرة يمكن أن يحملها أحد، أو يخبؤها في ثيابه أو تحت جلده أو خلف عينيه وأذنيه وبين أسنانه ولسانه.
كانت القوات المسلحة ومن معها من قوات الدعم تعادل إن لم تتفوق على عديد الناس في ذلك المكان، وبسبب الخوف واعتياد الطاعة والتمرس بتنفيذ الأوامر، لم يفكر أحد بشيء إلاه، فقد بقي الجميع مذعنا ومستسلما لما سمع من أوامر مشددة، بينما راح يتحسس جيبه ويفكر بما يجب عليه أن يصنع، وكيف يمكنه أن يتخطى الأسوار المصطنعة من قوات التدخل السريع وأطواق الأسلاك الشائكة والكلاب والأسلحة التي تشهرها في وجوه الناس كائنات حية لها سحنات بشرية، وأخرى آلية بهيآت حيوانية وغير حيوانية، لها صرير وأزيز يصدر عن عجلات ومجنزرات بألوان وأشكال مختلفة.
كان يتلفت في كل الجهات، ولم يدع سبيلا للنجاة بنفسه إلا أقدم عليه، حتى أنه راح يحرك يديه ويرفرف بهما، في محاولة فاشلة للطيران، أو يزحف على بطنه بحثا عن جحر أو نفق يحشر نفسه فيه. كانت أفكاره الصغيرة تكبر وتصغر، تطول وتقصر، تتكور وتنبسط، تتوقد وتنطفئ، وتسيل وتجمد دونما أدنى تقدم لإنقاذ نفسه. فكر بكل ما يمكن ولا يمكن، كانت أفكاره تتقافز من عينيه وشفتيه، وتتساقط على الأرض، وقد تطؤها أحذية القوات المسلحة الثقيلة، أو تسحقها عجلاتهم ومجنزراتهم. لم يكن الوقت ليطول أكثر فقد جرى تفتيش جميع الناس في ذلك المكان الذي بدا أشبه شيء بمصيدة، وصودرت أفكار من كان في حوزته فكرة أو حلم أو راوده حديث نفس، واقتيد إلى حيث ستنفذ فيه أحكام عرفية على مستوى عال من القسوة بما في ذلك الإعدامات الميدانية بحق كل من ثبت عليه جرم التفكير.
لم يتطلب الأمر سوى ساعة أو أقل من ذلك، لينتهي كل شيء، فقد انسحبت القوات، وخلا المكان وتفرعاته من السابلة والمتبضعين وأغلقت الحوانيت والأسواق، وحتى الجثث التي كانت متناثرة هنا وهناك لم يبق منها أثر، إلا هو فقد كان مرميا على الأرض بهيأة جنينية، بلا حول ولا قوة، كان ضئيلا جدا بحجم ذرة من هواء لا ترى بالعين المجردة ولا تلتقطها عدسات المجاهر الفائقة القدرة، كان يرتجف هلعا، تحيط به شعوب من أفكاره غير المنظورة، متخذة هيأته تلك، ومرتجفة بإيقاع يضارع إيقاع ارتجافته.
لقد فكر في كل شيء حتى انتهى به المطاف إلى تلك الحال. ما لم يفكر به، ولم يكن ليدركه مطلقا، أنه محض فكرة لم يفكر بها أحد.
***
أضف تعليق