مفارقات..

(نصوص قصيرة جدّا)

فتحي الرحماني

1/ لمّا.. ولمّا:
لمّا بدأتْ تتثنّى، انكسر عُودها.
ولمّا اشتدّ ساعده، رَمَوْهُ.

2/ رحمة من السّماء:
بسبب حظّه العاثر،
صعقه برق خريف عندما طلبت له أمّه رحمة من السّماء.

3/ توأم:
البُويضة المعتدّة بنفسها، المزهوّة في رحم أمّي، تُريد أن تتكاثر،فانقسمت، وأنجبت توأما.
فكُنّا أنا وأختي مختلفين في كلّ شيء.

4/ خديعة:
أحسّ أنّه تعرّض لخديعة كبرى. لم يفهم ما حلّ به. لم هو في ذلك المكان بالذات؟ مَن استدعاه؟ ولم لبّى أصلا هذه الدعوة؟
لم يعرف السّبب الذي جعل كلّ تلك الحُشُود تتقاطر إلى ذلك المكان؟ هل كانوا كلّهم من المدعوّين؟ ومَن دعاهم؟
وجوه يعرفها. وأخرى لا يعرفها. تفحّصها. قلّب نظره فيها.
كلّها مثله تُحسّ بأنّها تعرّضت لخديعة كبرى.

5/ فيزياء:
قرأ معلومة مثيرة تقول “الكون بصدد التوسّع”، وأخرى أكثر إثارة تقول ” كلّما توسّع الكون تمطّط الزمن”.
استثنى نفسه من هذا الكون. إلاّ هو. يتمدّد زمنه كلّما ضاق صدره.

6/ لُثغة:
لولا تلك اللّقمة الحارّة الساخنة العجلى التي امتدّت إليها يدي وسبقتُ إخوتي إليها في يوم ذي مسغبة، فعقدت لساني، ما كان لمعلّمي أن يصفعني عند كلّ راء، وأن يُلزمني الصمت. وما كان لمسؤول الشركة أن يُسقطني من حساباته في آخر اختبار. وما كان لشيخي أن يُفتي بنقص في عبادتي ومناسكي وصلاتي.
وأنا أعذره، فـ”ربّي” غير ” لَبّي”. وهو لا يفقه قولي.

7/ سُلالة:
قالوا لي أنّ أبي سعى جاهدا إلى تحسين سُلالتنا.
لكنّي ورثتُ عنه عرج رجله اليمنى، ونُتُوء وجنتيه، وخوفه المرضي من المرتفعات، وارتفاعا في ضغط الدم، ورغبة جارفة في تحسين السُّلالة.

8/ طريق سريعة:
كلّ يوم ومنذ عشر سنوات، يقف هذا الرّاعي الصغير عند ذلك الحدّ الفاصل مع الطريق السريعة، ويُوقف قطيعه ليمنع عنه شرّ هذه الطّريق، وفي قرارة نفسه هو لا يعرف كيف هي سريعة؟ ولا لماذا هي كذلك؟ ولا يعلم من أين تبدأ؟ ولا إلى أين تتّجه؟
وعندما أفهموه أنّ الدولة هي التي شقّت تلك الطريق، أدرك بطئه وسرعتها.

9/ آلة:
رغم جمالها الأخّاذ، وتفاصيلها المُثيرة التي أذهلت الجميع، كانت نظراتها باردة وعيناها جامدتان، وصوتها يخرج متقطّعا رتيبا “أنتم تقفون أمام أفضل روبوت بشري تمّ تصنيعه حتّى الآن”.

10/ عكس عقارب السّاعة:
أخمد جرس المنبّه ذلك الصباح. سكت رنينه ولم يخمد صوته “تِكْ ..تُوك ..تِكْ…”
فكّر – وهو يتأمّل المنبّه- أن يقف في وجه عقرب الدّقائق. وجدها طويلة وقاسية. تلمّس عقارب الساعات. لم يُحسّ فيها نبضا ولا حركة. الساعات تمضي بطيئة. وقد تمضي ساعات ولا تمضي الساعة.
أيسر الحلول أن يبدأ بتلك الصغيرة الضئيلة، عقارب الثواني. هي الحلقة الأضعف. فربّما الثواني غير مرئيّة وغير مؤثّرة. لا يجب أن يتركها تجتمع لأنّ اجتماعها يعني دقائق. والدقائق قويّة بما يكفي لتصنع من وقته ساعات.
قدّر أنّه لو دفع أيّ عقرب إلى الوراء، فسيكون الكون أكثر تناغما، وستتناسب حركته ودورانه، والمثير أكثر أنّه ربّما قد يستعيد أوقاته الضائعة.
ضغط على العقارب بإصبعه. أدارها إلى الخلف. توقّفت عن الدوران…
ولكن ظلّ صوت رتيب ينبعث من المنبّه دون انقطاع ” تِكْ..تُوك..تِكْ..تِكْ..”

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑