كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

ثلاث سرائد..

أحمد الشيخ علي

1.
Alzheimer’s
لا أعرف متى بدأت بكتابة يومياتي.
أمر محزن، أن يبدأ أحدنا بالنسيان، فيكون لزاما عليه العودة إلى ما دوّنه من حياته، التي تسربت منه، مثل حبات سكر من كيس مثقوب.
أنا أكثر خيبة الآن، فقد دوّنت كل شيء، تماما كما حدث معي، كل ما كان يمر بي من حياتي كتبته، أفنيت حياتي كلها في كتابة حياتي، كل يوم أقتطع جزءا منها، بحجم يوم كامل، وأضعه في دفاتر مذكراتي الكبيرة، كانت تتكثر تلك المذكرات وتتعدد، سنة بعد سنة، وكنت أتضاءل وأتلاشى يوما بعد يوم. آخر ما تبقى مني ولا أذكر بعده شيئا أبدا، لمحة سريعة خطفت في عينيّ. كنت أغلق الدفتر على عينيّ اللتين أغمضتهما هناك.
ما زاد في خيبتي، أنني كتبت نفسي حتى انتهيت مني، ولم أعد أتذكرني أبدا.
***
2.
ليس مما يحدث دائما

أفتح كتابا وأقرأ فيه، فيحتشد المكان بأناس عديدين لا أعرفهم. أجد نفسي تائها بين وجوههم التي تبدو مرسومة أكثر من كونها حقيقية، وجوه رُسمت بالفحم، وأخرى بأقلام الألوان الخشبية، بعضها تبدو خطوطه متقطعة وقد رسمت بألوان الباستيل الزيتية أو الطبشورية، وأحيانا أجد وجوها مرسومة بفراشي طويلة وألوان مائية تتفاوت خطوطها بين الغامق والباهت، أما الوجوه المرسومة بالألوان الزيتية فتلك نادرة، وغالبا ما أجدها تتساقط على الأرض، بينما أكون منهمكا بقراءة كتاب تاريخي أو رواية من العصر الفكتوري، تتساقط ببطء وصمت مريب، وما أن تصل الأرض حتى ترتد وقد نمت لها أجساد تنتصب شامخة بملامح أشد قسوة من بقية الوجوه التي سبق أن رأيتها.
ليس مما يحدث دائما، أن أجد نفسي غارقا في قراءة كتاب عني، لا يستهويني ذلك بالتأكيد، ولكنني أفعل دونما امتنان، لأن وجوها عديدة هي أنا وغيري في الوقت نفسه، نسخ لا نهائية مني وبألوان وأحجام مختلقة يضيق بها المكان تتشكل أمام عينيّ، وتشاركني بأجساد مديدة ومبسوطة مقعدي وفراشي، وأحيانا تدخل مسامات جلدي، وتحتلني تماما.
***

3.
حرب..

قال بوهن وقد لفّنا ليل عميق لا تضيء سماءه سوى انفلاقات قنابر التنوير العشوائية، ومذنبات الرشاشات الآلية التي تجرح سكينة ضياعنا في مزرعة ألغام لا ندري كيف وجدنا نفسينا فيها:
– لا أمل لنا، الهلاك مصيرنا لا ريب.
قال وقد أسند ظهره النازف إلى آلية متفحمة، أطاح بهيبتها صاروخ حراري، لا يخطئ وجهته أبدا.
كان يرتجف متقرفصا من الألم والبرد والوحشة، وكنت بالكاد أدرك ما حولي.
أخذ نفسا عسيرا، وهو يرجع خوذته إلى الوراء قليلا، ثم أخرج كلماته جافة كأنه يخدش بأظفاره جذع شجرة ميتة:
– ألست خائفا؟
أكمل قوله، وفتح عينيه، منتظرا ما سأقول.
لم أجبه، لكنني تمتمت مع نفسي:
= “كيف لميت أن يخاف؟”.

***

One response to “ثلاث سرائد..”

  1. […] ثلاث سرائد.. […]

    إعجاب

اترك رداً على ثلاث سرائد.. – مُنى جَدوَل إلغاء الرد

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.