كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

آلةٌ للفراغ ..

بقلم: علي بن نخي *

-١-
دفعتني قراءة “مثلَ عربةٍ تتقدّم”، قصيدة الشاعر العراقي حسين علي يونس المهداة إلى “أدونيس”*، إلى عيش لحظةٍ حميميّة. أقول حميميّة لأنني، في قراءتها، صرت أكتب نفسي. كأنني أقرأ ذاتًا من ذواتي وهي تكتب ذاتها الأخرى؛ إذ لست إلا الشعراء الذين أحببتهم، تلك الفرادات المتشابكة والمتوارية في من سُمِّي باسمي.

مثلَ عَربةِ تتَقدَّمُ..
إلى: “أدونيس”
شعر: حسين علي يونس _
لم يكن يفهمُ ممَّ يعاني على وجهِ الدقّة.
مثلَ عربةٍ تتقدَّم في الطرق الوعرة،
عاش حياةً طويلةً كالدهر،
رأى خرابًا ممتدًّا وعتمةً لا نهايةَ لها.
رأى غيومًا مدلّاةً في الأفق،
تحملُ توابيتَ تحلِّق حولها طيورٌ فضيّة.
وشاهدَ حياةً مرمَّدةً تخوضُ في الكآبة،
ولم يكن يعرف كيف مرَّت الأعوام.

في هذه القصيدة يَشِفّ حسين علي يونس، بعدسةٍ تأملية، عن نسغٍ جوهريٍّ من نسوغ أدونيس؛ الطفولة التي تتقدّم في انثناءات الفعل الإبداعي وتلافيفه؛ في المكان الذي نسكن، في طرق المدن الكبرى وأزقتها، في الأرياف البعيدة، في اللغة التي هي نحن.

إنها الطفولة التي تتوهّج في التجاعيد، والشيخوخة التي ترقّ في الجلد خطوطًا متعرجة وبقعًا داكنة. في هذه المسارب استبطانٌ لحطام لا نعرف كيف، أو من أي مادة، شَعّ وتشكّل.

-٢-
تتحرّك القصيدة بنبرةٍ سرديّة هادئة، سرعان ما تتهجّن بإضاءاتٍ وتوتّرات، لتخفت في النهاية وتندثر. في مرآة المُهدى إليه، أدونيس، تمضي العربة بوصفها آلة حركةٍ وبصيرة، غير أنّ البصيرة والحركة لا تتجلّيان إلا كفاعليةٍ للذات؛ إذ ما لم تسكنها الذات بنبضها ورؤيتها، تظلّ العربة، بما هي آلة، عمياء وساكنة.

تُستعمل العربة، تُدفع أو تُجرّ، لكنّ القصيدة لا تُعيّن الفاعل، ولا تُفصح عن طبيعة هذا الدفع أو الجرّ. كلّ ما نعرفه أنّها تمضي. لذلك يمكن القول إنّ ثمة لا-متعيّنًا يجرّ هذه الآلة أو يدفعها عبر الطرق الوعرة؛ تمضي، ترتجّ، وتشهد.

افتتح يونس النصّ بالإشارة إلى اللا-فهم، وكأنّه، حين يشبّه أدونيس بالعربة، يريد أن يقول إنّ الأخير مضى من دون إرادةٍ ذاتيّةٍ محدَّدة؛ كأنّه متماهٍ مع هذا اللا-تعيّن الذي يحفّز حركته ويشدّه نحوه، فالعربة ليست سوى مجازٍ لهذا الاندفاع الأعمى الذي يتغذّى من الغموض ويجعل اللا-فهم محرّكًا للمعنى.

بعد الجملة الافتتاحية، يتصاعد بناء المشهد عبر أفعالٍ متتابعةٍ (عاش، رأى، رأى، شاهد). هذا التوالي يُمسك بإيقاع القصيدة عبر التكرار، فيعمل كعمود فقري يمنح حسّ ارتجاجَ العربة في انتقالها بالقصيدة من تأسيس اللا-فهم، حيث تتوارى الذات، إلى رؤيةٍ تُفصح عن العالم.

الرؤية في هذه القصيدة عبءٌ بصريّ، فالخراب ممتدٌّ، والعتمة بلا نهاية، والغيوم تحمل توابيت تحوم حولها طيورٌ فضيّة. عبء الطبيعة في اندثارها، عبء الطير وقد انطفأ بلمعة معدنيّة تشبه بريق آلات الحرب وخطب الخلاص. لا خلاص في هذا الانهيار الذي نعاينه في السموّ -الغيوم- ولا في الدفن -التوابيت- فكلاهما يُرجئ الحياة ليُعيد انبعاثها في رمادٍ أو رمدٍ يخوضُ في كآبته.

الأثر هو ما تبقّى، حركةٌ تخفي في نسْجِها الزمن وهو يتبدّد ويتلاشى. وهذا ما يبرّر الخاتمة التي تكثّف التمزّق الذي عاشه أدونيس شعرًا وفكرًا، والذي نعيشه نحن على نحوٍ اعتيادي.

-٣-
إهداء القصيدة إلى أدونيس أحالني إلى ما قرأته في مدوّنته الشعرية، حيث تتكرّر الثيمة ذاتها؛ رعاية الحطام والاحتفاء بالالتباس واللا-اكتمال. إنها سمة في نصّه الإبداعي والفكري، نجدها في ما عبر عنه نيتشه بالانعتاق الديونيسيّ من قبضة الأبولويني، لحظةَ يتدمّر ويتجدّد فيها الإنسان، ولحظة يعلن الجسدُ نزوعه الخاصّ ضدّ أشكال التعقّل النسقي.

هكذا يمكن قراءة أدونيس بوصفه طاقةً تغييريّةً خلاقة؛ فمنذ بزوغ مهيار، بجموحه الريبي، شرع أدونيس في تمزيق أعضائه نثرًا وشعرًا، شكًّا ونقضًا، في حركةٍ تتذبذب بين البيان والمحو، الهدم والبناء، كحال طائر الفينيق حين ينهض من رماده متجهًا إلى نار جديدة.

الرمادُ عند أدونيس مادة خلقٍ وانبعاث، لا بقايا احتراق؛ فهو يقول: “أثقُ بالرماد – حيث الشجرُ ذعرٌ، والحجرُ دخانٌ، والوَهَنُ يرفرفُ على الأرض”، وفي المنطق نفسه يتجلّى الفراغ جمالًا وبذار إمكانٍ لم يتحقّق: “كم سيكون جميلاً آنذاك عُرْيُ الجدران! كم سيكون الفراغُ بهيًّا!”، إنه ينتمي إلى النقص الخلّاق، النقص كطاقةٍ هادمةٍ وبانية، حيث يصبح الكمال ما لا يكتمل، واللاجواب يقينًا منوّرًا. يقول أدونيس: “منذ أسلمتُ نفسي لنفسي، وساءلتُ: ما الفرقُ بيني وبين الخراب؟ عشتُ أقصى وأجملَ ما عاشه شاعرٌ: لا جواب.” من هنا تتبدّى صعوبة الانتماء؛ كيف ينتمي من يتأرجح بين العتمة والضوء؟ “الحياةُ لكي ننتمي للضياء – إلى لا مكان” فالمكان عنده تيهٌ يسكنه مترحّلًا: “هكذا أسكن مترحّلًا، ناحِتًا جغرافيّتي بإزميلِ التيه” وهكذا أرى أدونيس، كائنًا مضادًّا، ينهض من شظاياه، يعيد تزييت جسده بالكِسر والحطام. مقيمٌ في الفراغ، منتمٍ إلى اللا-مكان.
-٤-
تلتقي قصيدة “مثلَ عربةٍ تتقدّم” بأدونيس في انكسار العالم الذي عاش فيه وشظايا العالم التي مرت عبره، أو قل عبر شعره. هذا مؤلم، لكنه ثمن العظمة؛ أن تتمزّق الأرض بجسدك.

ولكي نتبيّن طبيعة هذا التمزّق في الذات الخلّاقة التي تخلّقها أدونيس، يمكن أن نتأمّل نموذجًا من شعره. في المقطع الذي أخترته يظهر الوعي ممارسةً لغويّةً نقضيّة، والقول نفيًا متواصلًا، والذات انقسامًا، والتعبير تشظّيًا، واللغة سيرورة شكٍّ لا تستقر.
يقول:
“أَلكلامُ الذي يَتَفجَّرُ مِنِّي – أَنَا شَكُّهُ، وأنَا نَفْيهُ،
كُلُّ ما قُلتهُ لم أقلْهُ والذي سأقولُ اختلافٌ
وَيُشَبَّهُ لي أَنَّ نَفْسيَ تجتاحُني كلَّ يَوْم .
فلماذا يُقالُ: أُضِلُّ سوايَ وأَهْدي سِواي،
وأَنا ساكِنٌ هَوايَ، ولا بَيْتَ إلاّ خُطَايْ؟
* قلتَ لي، أيّها الدّهرُ، لي قلبكَ
المتقَلِّبُ، لي وَجْهكَ الْمُتْعَبُ،
المُتْعِبُ
فلماذا يقولون: أَنت الُمُبرَّأُ مِن كلّ
إثْمِ، وأنا المذنِبُ؟”

الذات في هذا النموذج كيانٌ متحوِّلٌ يجتاح نفسه، والقيمة الأخلاقية فيه تنبثق -من هذا الاجتياح- توتّرًا معرفيًا. بهذه البنية تتحقّق عند أدونيس تجربة القول كفعل تفكّكٍ يوازي تفكك العالم، وخلقٍ متجدّد يستضيف العالم، يحوله ويبدله ويرعاه.
-٥-
العربة التي لا نعرف من أو ما يحرّكها تمضي، مدفوعةً بطاقةٍ مجهولة، سائرةً إلى ما لا جهة له؛ كأنها المستقبل في ترجرجه وغليانه. يمكن قراءة القصيدة كاعترافٍ وجوديٍّ اتخذ من أدونيس رمزًا لبثّه، حيث تعلن أننا نرى ونمضي في الجسد الذي ينحت حطامه، وفي الحياة التي تنخطف من بين أيدينا من غير أن نعرف كيف أو متى مرّت. كما يمكن أن تفهم القصيدة كومضة احتفاء بمسيرةٍ بطولية خاضها أدونيس، أو كهجاء يائسٍ لعالمٍ يلفظ مبدعيه. غير أنّ المؤكّد، بين هذا التأويلات، أنّ في هذا التنوع والالتباس ما يمنح النصّ توهجًا رغم تقشّفه الجمالي. وأعني بالتقشّف ذلك الخيار الأسلوبي لدى حسين علي يونس؛ لغةٌ شفّافةٌ تحول اليوميّ إلى رمزٍ وتأمّلٍ وجوديّ، سورياليّةٌ كاشفة لعبث الواقع، وبناءٌ يمزج السرديّ بالشعري.

الفارق بين نصِّ أدونيس ونصِّ حسين علي يونس بيّن، ولسنا بحاجة إلى تحليل مقارن لملاحظته، غير أنّ أهمية مثل هذه القصائد تكمن في ما يمكن أن تنبته من أسئلة عن إمكان قيام حوارٍ بين الأساليب وتجارب أصحابها. فما تلمّح إليه قصيدة حسين رغم قصرها يتمثل ما في الاقتباسات التي أوردتها عن أدونيس، والأشدّ إثارةً -في هذا التجاور- هو إمكان قول الشيء نفسه بطرائق متعدّدةٍ تبدِّل جوهره. فالكلمة الواحدة -رماد أو خراب- لا تستقرّ على معنًى واحدٍ عند كلّ سياق وحساسية؛ وإنما تلتزم باضطراب ما تشير إليه من خلال الطريقة-الشكل التي هي العروق والنتوءات الخاصّة، وشبكة العلاقات التي نتموضع داخلها وننطق منها رؤيتنا للعالم.

* قصيدة الشاعر حسين علي يونس، منشورة في موقع مجلة “كناية” الرقمية الثقافية المستقلة، على الرابط التالي:

مثلَ عربةٍ تتقدَّمُ

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.