بقلم: حكمت الحاج *
القصيدة الأولى:/
* سپتمبر 1903 (1904)
قصيدة: قسطنطين كافافي
ترجمة: حكمت الحاج
دعني الآن أخدع بالأوهام،
لكي لا أشعر بفراغ حياتي.
كم كنت قريبًا جدًا لمرات عديدة
كم تجمدت وكم خفت وكم سكت
وأبقيت شفاهي مطبقة بإحكام،
بينما داخلي كان يبكي حياتي الفارغة،
وأشواقي ترتدي ثياب الحداد.
ذاك هو،
أن أكون لمرات كثيرة، قريبًا جدًا
من العيون، ومن الشفاه الشهوانية،
من الجسد الحبيب، الجسد المحلوم به.
أن أكون، مرات كثيرة، قريبًا جدًا..
دعني الآن أخدع بالأوهام
لكي لا أشعر بفراغ حياتي.
القصيدة الثانية:/
* يناير 1904 (1904)
قصيدة: قسطنطين كافافي
ترجمة: حكمت الحاج
آه، انه يناير،
وإنها ليالي يناير،
عندما أجلس وأعيد صياغة أفكاري
وأربطها بتلك اللحظات، لكي أجدك أمامي،
أحاول أن أتذكر ما قلناه أخيرا، وما قلناه أولا.
نعم، إنه يناير،
بلياليه الموحلة باليأس،
حينما يتلاشى الطيف
ويتركني عارياً في وحدتي
– وما أسرع ما يغادر ويذوب –
تسقط الأشجار،
تضمحل الشوارع،
تنهار البيوت،
تنطفئ الأضواء،
ويُمحى في العتمة
جسدك الشبقي المتوهج.
# تعليق وتحشية:/
* بخصوص الإيروسية والشعر الإيروتيكي عند كافافي، عامة، وفي قصيدتيه آنفتي الذكر أعلاه، خاصة:
القصيدتان متكاملتان في توجههما الشعري، وفي إيروسيتهما الواضحة، أو هكذا بدا لي الأمر من وجهة نظري في الأقل كمترجم، إن لم أقل كقاريء، إذ:
يسجّل الشاعر في قصيدة “سبتمبر 1903” لحظة القرب المجهض: “كنت قريبًا جدًا، لكن خوفي كبّلني”.
ويسجّل في قصيدته الثانية “يناير 1904” لحظة الغياب النهائي: “حتى الطيف الذي كان يزورني يذوب ويختفي” .
الشاعر السكندري قسطنطين كافافي يرسم هنا متتالية عاطفية على أجنحة الشعر: من القرب المحبط (سبتمبر) إلى الفقد المطلق (يناير). وما بينهما يتحوّل الإيروس من جسد يُراد امتلاكه إلى ذكرى تتبخر مع انطفاء الضوء.
في هاتين القصيدتين بالذات، الإيروس ليس فعلًا مباشرًا، بل هو مجرد طيف رغبة.
كيف ذلك؟
لو أعدنا قراءة النصين بإمعان فلربما سنلحظ أنه:
في قصيدة “سبتمبر 1903” نلمس الإيروسية في “الشفاه الشهوانية” و”الجسد الحبيب”، لكن هذه الصور محاطة بالندم والخوف. الجسد هنا قريب، ملموس، لكنه يظل محجوبًا خلف التردّد. وسنرى أيضا أنه في “يناير 1904” تتحوّل الإيروسية إلى “شكل إيروسي” يتلاشى ويذوب. أي أنه ليس جسدًا واقعيًا، بل صورة متخيلة تنهار مع الليل والغياب.
صحيحٌ الذي عُرف عن كافافي أنه شاعر إيروسي صريح، لكنه دائمًا كان يكتب بوعي مزدوج، كما يرى بعض النقاد، ومنهم مترجمه إلى الإنكليزية دانيال ميندلسون. فمن جهة، هو يستعيد المشهد الإيروسي بحسية صادقة. ومن جهة أخرى، تراه يُلقي عليه، أي المشهد، ضباب الذكرى، أو يضعه في إطار زمني متداعٍ، بحيث يبدو كأنه حلم أكثر منه حدثًا واقعيًا. وهذا ما جعل إيروس كافافي مختلفًا عن الإيروس الكلاسيكي (الاحتفاء بالجسد) أو الإيروس البورنوغرافي (العرض المباشر لفعل جنسي).
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف سندقق الفرق بين الإيروسي والبورنوغرافي عند كافافي الشاعر؟
الأمر بسيط.
الإيروسي عند كافافي هو انفعال الذاكرة. هو الرغبة التي تتجدد بوصفها ذكرى، أو حسرة، أو اقترابًا لم يكتمل. إنه “شعر القرب المفقود”.
أما البورنوغرافي فيقوم على إلغاء المسافة، على تقديم الجسد عاريًا بلا سياق، وجعل اللذة غاية قائمة بذاتها. وكافافي، حتى في أكثر قصائده مكشوفية وصراحة، لا يجرّد الجسد من بعده العاطفي أو الزمني. الجسد عنده ليس صورة صادمة، بل علامة على الفقدان. بهذا المعنى، تكون إيروتيكية كافافي تظل بعيدًة عن البورنوغرافيا، لأنها تقوم على “الندم” و”الذكرى” أكثر مما تقوم على “المتعة” و”التمثيل المباشر” للَّذة.
# مصدر القصيدتين:/
القصيدتان اللتان قمت بترجمتهما وتقديمهما إليكم اليوم مأخوذتان من:
=قسطنطين كافافي، الأعمال الكاملة، ترجمة وتحرير وتعليق: دانيال ميندلسون، منشورات دار “كنوبف” (2009). وهي أول ترجمة إنكليزية كاملة لأعمال كافافي، حيث يضم المجلد: القصائد المعتمدة والقصائد غير المعتمدة والقصائد غير المكتملة، مترجمة لأول مرة إلى اللغة الإنكليزية من اليونانية مباشرة.
# وهنا لابد لي من أن أشكر جزيل الشكر صديقي الشاعر الكويتي علي بن نخي الذي لم يتوان عن تحدي الصعاب وتوفيره لي النسخة الرقمية من الأعمال الشعرية الكاملة لقسطنطين كافافي بترجمتها الإنكليزية، فَلهُ منّي خالص الامتنان.
(ح.ح)
# ينشر هذا المقال بالتعاون مع مجلة كناية الرقمية الثقافية المستقلة وموقع الحوار المتمدن. كل الحقوق محفوظة.
أضف تعليق