كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

شفوف..

أحمد الشيخ علي

(1)
القصيدة وأنا خلف لوح زجاجيّ بإطار خشبيّ أسود، كانت هناك خطوط من ضوء وظل لا تمت لنا بصلة. أيضا، نصف بصمة إصبع شاحبة ومنسيّة تشوّش الفكرة.
القصيدة وأنا حبيسان في لوحة سوداء معلقة على جدار أبيض، يبدو تائها، في صالة غارقة بالصمت. وشبه أغنية بلا شفتين، كأنها وجع قادم من وراء بحر، تحرسنا دائما.
(2)
ثمة فكرة راودتني، كنت أخطط لتنفيذها، عندما فعلتْ ذلك القصيدةُ:
كسرت زجاج اللوحة، وتركتني أهرب معها بعيدا…
(3)
سرنا معا أنا والقصيدة في زقاق مظلم، وعند المنعطف، حيث يسيل مصباح على جدار، تأخّرت القصيدةُ خطوتين. التفتُّ إليها، رأيت نافذة لم تكن موجودة من قبل، وكانت حبيبتي واقفة هناك، تلوّح للقصيدة بمنديل أبيض. أيضا رأيتُ القصيدةَ وقد أشعل الضوءُ أطرافها، وتصاعدت مع الهواء شراراتُها الملونة.
كان صوتي يتعثّر وهو يلحق بي.
(4)
ذلك ما تعوّدْنا عليه من قبل، القصيدةُ وأنا، نعبر جسرا على نهر نجده نائما في طريقنا.
ذلك ما تعودنا عليه دائما، نعبر الجسرَ، ولا نرى صورتينا في الماء، كان ظلّانا يستطيلان على الأرض، وخلفنا قمرٌ، نصغي لخطواته، بينما ندندن لحنا عن قمر وحيد يتبعنا، ونهر ينام أسفل الجسر.
(5)
القصيدة توقظني دائما، لا أعرف لها وقتا، ولا يمنعها شيء من العبث بسكينتي. تهمس في أذني، وتملس على وجهي، تموء مثل قطة، وتقلب الزهرية على المنضدة…
أحيانا، تفتح النافذة، وتسمح لغيمة بالدخول إلى غرفتي، والتسلل تحت شرشفي، وربما تأذن لها بما يتيسر من الحب…
القصيدة تجلس على حافة سريري، وتضحك بملء صوتها.
نومي يفرّ مذعورا كعصفور، وتشهق عيناي مثل فنار في عتمة بحر.
(6)
هل ذكرت ذلك من قبل؟
عندما نسير معا أنا والقصيدة، أقدامنا لا تلامس الأرض، كنت أحمل القصيدة، وكانت تحملني أيضا. وعندما نسير معا، يعابثنا الهواء والضوء، وحتى الماء…
تحت أقدامنا التي ترتفع عن الأرض ترقص العناصر، لم نكن نطير، ولم تكن لنا أجنحة، فقط كنا نشبك أيدينا، ونشفّ كما يفعل عاشقان.
***

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.