(قصيدتان إلى أمي في سمائها، وقطرة حب في محيط حبها)
أحمد الشيخ علي *
(1)
أبدية أو أكثر قليلا .. #
المسافة بين خطوتيك.. أبدية أو أكثر قليلا..
عرفتك تماما،
منذ وجدت وجهك عالقا في تويج زهرة لم تتفتح بعد.
عرفت أنك محكومة بأقصى نومي
وهذا يعني أنك ستطلقين يديك
حتى تصيران ريحين
تركضان في اتجاهين مختلفين…
عرفتك تماما،
بينما كانت الشمعة تلتفت بأغنيتها
كان لوجهك سحابه ومطره
وكانت الحدائق في عينيك غائرتين كجرح.
***
الأمهات ينسللن بعيدا
وتبقى خيوطهنّ منظومة بالعبق
تبقى ثيابهنّ واقفة في الليل،
ويبقى صوتهنّ ينظف الشبابيك الدامعة،
والزوايا التي تخطئها العيون…
الأمهات يقبّلن سنواتهن على عتبة البيت
ويبتعدن بهدوء.
هكذا تفعل الأمهات دائما…
***
أمي غادرت وحدها، ولم تقل كلمة..
كانت بحرا،
عندما التفتت بوجهها عني …
تقاذفتني أمواج من الوشم
ورمت بي على كفّها.
كانت بحرا لم يخطر ببال السفن أبدا
كانت تضع إصبعها على جبيني
وترسم حصانا؛
فيحتشد البيت بالصهيل…
ترسم حمامة؛
فينتشر الريش على الأرائك والخزانات…
ترسم تفاحة؛
فأقع في بئر بعيدة من الغواية…
***
هذه المرة عرفتك تماما،
بين خطوتيك تقف الأبدية حائرة
كما كنت لحظة وجدت وجهك عالقا في ثنية وريقة الوردة،
هذه التي سأغرسها غدا..
هذه التي ستطلع ..
هذه التي لم تتفتح بعد.
***
(2)
إنها تطرز.. #
منذ رأيتها عشية ذبلت وجوه الزائرين
على مقربة من دلاء الماء
وهم يرتعشون لخضرته الشاحبة،
كانت ترمقني كيف أشعر بالخوف..
تتفتح عيناها كما الزنبق في بركة صمت
فيشرق نورهما مليا.
كنت أتلعثم في خطوتي
ويدي مشدودة إلى يدها
بينما نعبر البلاط في باحة الذهب.
لا لغز أكثر خطرا من الحب،
هذا ما تعلمته بعد أربعين سنة
كانت ماهرة في لعبة الصمت
تقول كل شيء ولا تحرك شفتيها
لست أسمع سوى آهة رخوة تتسلق روحي ببطء
……………
إنها تطرز أيامها على قماش وجعها الثمين
ولا تترك لإبرتها أن تطيش في الغابات التي تبتكرها على هوامش أحلامها.
إنها تطرز بخيط واحد
لا لون له
وجوها ملونة لا حصر لها،
ودائما
تهمل عن قصد
وجها مائلا للسؤال.
أنا سؤالها الأبدي
وهي إجابتي المؤجلة دائما..
أمي تفتح صرة ثيابها
فيخرج الليل رأسه مضمخا بالقرنفل.
الليل سماء كاملة في شراشفها،
تطرزه نجمة نجمة،
وتقوله بهمس
حتى لا تجفل الطيور في أعشاشها
كل ليل تطرزه
تترك على أسراره كفها
ولا تأذن لها أن تفيض
تطرز الليل،
وتطرز النهار على الهواء
بينهما كنت أتقلب،
فيما أغنية تداعب وجهي.
لا أفتح عينيّ،
ولكنني أراها..
أمي
تطرز الأغنية
وتنثرها على منامتي.
***
أضف تعليق