بقلم: أحمد الشيخ علي
ما الذي يعنيه هذا الكيان الحجري ذو الأبواب والنوافذ، الذي لا وجود له في الواقع الآن؟
هل يمكن لشيء آخر سواه، أن يمنحني هذا الإحساس بكينونتي وانتمائي، وما يصاحب ذلك من دفء وطمأنينة وألفة وأمن؟
هل يقوى شيء غيره على الانبعاث في وجداني، محملا بأصوات وروائح وصور وخيالات وأحلام وهواجس وانفعالات لا حصر لها…؟
هل يملك شيء ما، هذا القدر من الدلالات والمعاني والمحمولات الرمزية، كما يملك هذا الكيان الميت/ الحي الذي لا يمكن أن يكون محض سياج له باب يسمح لنا لندخله، عبر فسحة مرصوفة بالبلاط المتناظر، على يمينها تستطيل حديقة صغيرة، كانت كبيرة.. حدّ أنها كانت تكفي لضياع (عيدياتنا) وفراشاتنا التي نطاردها في طفولاتنا، وسنوات أعمارنا، تلك السنوات المحملة بالألوان واللغط والسحر…
هل هو مكان، أم زمان؟، ذلك الشكل الهندسي، الذي تتراكب فيه مكعبات مربعة ومستطيلة تتنافذ بشكل متقن…
كنت أحب التجوال في أطلسه وحيدا، أبحث عن كائن طالما أيقظني من رقدتي، ودعاني إلى لعبة ألغازه التي لا تنتهي، فأستجيب مترقبا، وأتبعه بدهشة، مصغيا إلى همهماته وأنفاسه، ولكنني لا أراه، حتى حانت تلك الليلة التي أفقت فيها على صوت امرأة كأنها تنتحب، كانت ليلة قدر صيفية، وكنت نائما في السطح العالي (في بيتنا سطحان)، لم أعرف من أين يصلني صوت المرأة تلك، كنت أرهف سمعي وأفتح عيني على سعتيهما، ولكن هيهات، فقد غار الصوت في أعماق سحيقة من ذلك العالم، ليحل بدلا عنه صوت صهيل خفيف، ووقع حوافر تقترب مني، وإذ نهضت لأعرف ما يجري، لفت انتباهي ضوء يتحرك في الخارج، ومن مكاني حيث وقفت قبالة السلم المؤدي إلى السطح، كنت أشرف على الشارع الموازي لشارعنا، كان ثمة رجلان طويلان بشكل لافت، أبيضان ومنيران بملابس بيض، يحملان صولجانين يشعان بوهج أبيض، توقفا فجأة، ونظرا نحوي، وتهامسا، وقبل أن أعرف ماذا سيفعلان، هبطت السلم سريعا، وما أن وصلت الصالة، حتى رأيته، كائني السري، كان حصانا أزرق، كأنه مرسوم بطبشور على سبورة سوداء، بحركة نشيطة من رأسه نثر عرفه، ونكت بحافره البلاط، محمحما بشيء عرفت منه أننا صديقان منذ وقت طويل، حصاني الأزرق يكبر في المكان الواسع ويصغر في المكان الضيق، ويختفي عندما يباغتنا أحد، ونحن نتجول في غرف البيت، ونختبئ تحت الأرائك الخشبية أو السرير الكبير في غرفة والديّ…
أنا وحصاني الأزرق اكتشفنا أن بيتنا ذاك، بيت الطفولة والصبا، لم يكن بيتا ككل البيوت، كان أكثر من ذلك بكثير، كان عالما لا تحدّه الجدران والسقوف، ولا تستوعبه الأمتار المئتان التي يقف عليها بطبقتيه وسطحيه، كان يافعا، بملاطه المدهون بالبنتلايت الأبيض، وبأشجاره المزهرة التي تتسلق السياج الخارجي، كان هو البيت الأعلى في زقاقنا. إنه بيت يختلف عن كل البيوت التي تحيط بنا وتجاورنا، تلك البيوت المتفاوتة بأشكالها وعمارتها وألوانها، كنت أدخلها كما أدخل بيتنا، كانت قليلة الضوء، وألوان جدرانها مائلة لصفرة ترابية، بستائر رمادية وبرتقالية مشربة بالحمرة والخضرة. أما بيتنا فكانت جدران غرفه بيضا، وستائره مدهشة، تحكي قصة غابة تتلألأ فيها طيور ونباتات ظلية وسماء من ذهب وفيروز…
كنت أفكر ما الذي يجعل بيتنا مضيئا، ومختلفا، ولم أستغرق في تفكيري طويلا، فقد عرفت سريعا أن سر ذلك الضوء هو تلك المكتبة الكبيرة التي استندت بظهرها إلى جدار الصالة، وكشفت عن مئات الكتب الكبيرة والصغيرة، المجلدة والمغلفة، كانت ترمقني كلما دخلت هناك، وتبادلني النظرات والأسرار والهمسات أحيانا.
كانت تلك المكتبة أشبه ما تكون بغواية تعلن عن مفاتنها مع كل نظرة تباغتها أو تتلبث تحفر في جسدها الورقي الملون. المكتبة تلك، ما جعل بيتنا مختلفا.
من تلك المكتبة اخترت كتابا نحيلا، حائلا، بين الرمادي والأخضر السقيم بصفرة وذكرى لون لا أذكره، كان على غلافه الذي يكاد يموت بين أصابعي، ثمة بيت شعري كتب بحبر أسود:
(شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم)
لم أكن أعلم من كتب هذا الكلام، ولم أعرف إن كان هذا شعرا، أو بيتا من الشعر، ولم يخطر في خلدي أبدا أن تكون هذه الكلمات التي علقت في ذاكرتي منذ ذلك الوقت، كنت ربما في السادسة من عمري، لم أتخط المرحلة الدراسية الابتدائية الأولى بعد، لم يدر في خلدي أن هذا البيت الذي سأعرف لاحقا أنه لشاعر متصوف اسمه ابن الفارض، هو البيت الأول الذي سأحفظه من الشعر العربي، وسأحفظ بعد ذلك آلاف الأبيات، وسأتعرف على آلاف أخرى، وسأنسى ما يمكن نسيانه مما أحفظ.
لقد أصلح لي أبي قراءة البيت، وشرح لي ما الذي يعنيه، وكان علي أن أحمل في وجداني البيت الأول الذي سكنته وعشت فيه، كما حملت البيت الأول الذي سكنني وعاش فيّ.
ثمة بيت، فيه مكتبة، وفي المكتبة تلك كتب، كان أحدها يكشف عن نفسه، ويعرّفني أن الكلمات المخطوطة على ظهر غلافه الورقي بيت أيضا، ولكنه بيت شعر.. لم يكن البيت من حجر وخيالات وذكريات فقط، دائما هنالك ما يسعفنا لنطلق عليه صفة او اسما، وأهم ما يصدق أن يكون بيتا في بيتنا ذاك: أمي، نعم أمي هي البيت، وهي أمه، ولم يكن بيتنا آنذاك ودائما سوى (بيت أم أحمد).
أمي هي أول بيت عشت فيه، ربما لا أذكر شيئا من حياتي تلك، لكنني عندما خرجت من بيتي ذاك، وجدت نفسي مع أمي وأبي وإخوتي الذين التحقوا بي، نعيش جميعنا في بيت حجري، أعترف الآن أن سبب بقاء هذا البيت في ذاكرتي هي أمي، بها كان البيت نوعا مستحيلا على الضبط من عصارة الزمان والمكان معا، كان صوتها وما زال يترقرق في روحي، وعطرها الذي لم أصدفه أبدا في أي زمان أو مكان آخر، لمستها، وقبلتها، ونظرتها، وعناقها، وكلامها الكثير الذي تقوله لي والذي لم تقله وجاءني بعد عقود على أكف ملائكية كما لو كنت نبيا، وكما لو كانت أمي هي الربة التي توحي إليّ بما يجعلني أتقلب في كينونتي كما شاءت وكما أنا عليه الآن.
أمي.. حتى غضبها وعنفها وقسوتها وآلامها وشعورها الخفي بالخسارة، كان يترك في نفسي خيطا مرا لكنه لذيذ، أتمثله الآن: أثر رشفة من فنجان قهوة صباحية مع أول سيجارة، بعد ليلة حب.
***
كنت في العاشرة من عمري عندما انتقلت أسرتي؛ أبي وأمي وأنا وإخوتي الثلاثة، إلى بيت آخر في مدينة أخرى، كان البيت الجديد أكبر من بيت طفولتي، كنت أتنقل فيه من غرفة إلى أخرى، ومن لحظة إلى غيرها، أتذوق طعم التعرّف بعينين مفتوحتين، وأكتشف ما يمكن اكتشافه. لم أشعر أنني في بيتي – أول الأمر – لولا أن صالة البيت الكبرى أعلنت عن نفسها، وكانت المكتبة الخشبية تحتل ضلعين واسعين من جدران الغرفة، وكنت مع أبي أرصف الكتب بعناية، وكانني أبني نفسي كتابا كتابا، كنت أتواطأ مع صوتي الداخلي، فأبيّت ما سأقرأ من الكتب، ربما لم ألتزم بمخططاتي تلك، لكنني قرأت بنهم كتبا لا أعرف عددها، كان الكتاب منها يشدني، مرة لشكله، ومرة للونه، ومرة لعنوانه، ومرة لأنني أسأم من كتاب وأبدأ رحلتي مع غيره، كنت أجد نفسي في بيتي من جديد، وكانت أمي أيضا سببا في غرس تلك الألفة مع البيت الغريب الذي وجدت نفسي فيه.
في هذه المدينة، يعيش الأحياء والموتى في مكان واحد، وليس يفصل بينهم سوى جدار يمتد بصلف حتى يبلغ مرتقى الذهب، وهناك تعرفت على (جبل الطور)، و(الذكوات البيض)، و(خد العذراء)، و(بانيقيا)، كما تعرفت على (وادي السلام)، و(الثلمة) و(الحماد) و(الطارات) و(چري سعدة). لقد كنت أشب على مهل في (ظهر الكوفة)، إنها مدينة (النجف).
كان بيتي الأول في (بغداد) العاصمة، أما بيتي الثاني فقد كان (النجف)، المدينة كلها من الصحراء إلى البحر بيتي، بما في ذلك الجبانة الكبرى، المقبرة الأعظم والأقدم التي لم تزل – على حد علمي – تستقبل أجساد المتخففين من آلامهم، منذ أكثر من ألف عام، وستبقى على عهدها ذاك، فهي بيت مفتوح لا أبواب له ولا نوافذ، إنها بيت كل سرّ وعلن في الوقت نفسه، إنها سواد القبر وبياض الكفن، الأسود والأبيض كل ما سيجده الإنسان الذي تنفد دقائقه هناك.
لم يمض طويل وقت منذ تعرفي الصامت على ثنائية الموت والحياة، وتفكّري الطويل بشأنها، فهل هي ثنائية ضدية يعني كل ضدّ منهما سالب الآخر؟، أم هي نوع من الترادف الذي تتشارك فيه الدلالةَ مفردتان متغايرتان، كالأعمى والبصير إشارة إلى فاقد البصر؟ هل تعني مفردة الحياة الخلود؟ أو تتضمن ذلك المعنى على سبيل المجاز؟ وهل تعني مفردة الموت الفناء، أو تتضمن ذلك المعنى مثلا؟ كيف لنا أن نحتمل الخلود العقائدي في من مات وأفناه الزمان، ولم يعد له من أثر سوى ما نحرص نحن الأحياء على تدويمه في عقولنا، ونتواطأ على إقامة شواهده لنثبت حضوره ووجوده، وإن بقوة الرمز وسلطته.
كنت يافعا، وكانت أفكاري غضة، يمكن أن تفصح عن هيأتها، بينما كانت اللحظة تفرض في عمق المشهد قوافل لا تنتهي من النعوش الموشحة بالعلم، العلم الذي يرمز للوطن بألوانه الثلاثة الأحمر والأبيض والاسود، ونجماته الخضر الثلاث، العلم الذي يمثل باحتوائه النعش فكرة الخلود، حيث يكتسي خشب النعش البالي وأعواده الغبية بالقداسة التي تتلازم مع معنى الشهادة، تلك المفردة التي راحت تجر ببأسها وقسوتها آلاف وعشرات الآلاف ومئات الآلاف من العراقيين، وهناك صرت أرى كيف للبيت الكبير الذي هو الوطن، وقد تشظى، وصار ركاما، وعما قليل سيصير غبارا، وكذلك هي الحال مع رمزه الملون: العلم الذي بات يشدّ على شواهد القبور، كيف استحال إلى خرقة بلون الدم اليابس والتراب، ولمن يمعن النظر سيجده هلهلة ليس إلا، فقد اتسعت الشقوق وتهرأت الخرقة، وعما قليل ستختفي النجوم تماما، وتحضر الكلمات، الكلمات التي لم تعد قادرة على أن تقول شيئا، وقد غص الوادي بأبنائه، البيت موحش تماما، لقد استبدلنا البيوت بالقبور، ربما اكتشفنا الحقيقة على حين حرب، فبيتنا الحقيقي هو قبرنا.
***
أن يكون قبرك هو بيتك، فكرة لازمتني منذ عام 1987، كانت الحرب العراقية الإيرانية في ذروة انتهاكها لإنسانيتنا، كان العالم كله مشدودا ليرى كيف ستنتهي جولة الصراع الدموي بين ديكي العراق وإيران، لقد كنت أنظر فأرى العالم الغربي والشرقي، الرأسمالي والاشتراكي، المتحضر والمتخلف الصناعي والنامي والاستهلاكي والمستهلك يحتشد في هذا المقهى الكوني، يصفق ويهتف ويشجع وينتشي لمسيل الدم في هذه الحلبة البائسة، حتى أبناء وجعنا، وجيراننا كانوا يتفرجون بأشداق منفرجة تسيل لؤما وبشاعة بينما كنا نذبح على نطع انهيار الأخلاق، وليس لنا إلا أن نحلم بقبورنا وقد صادر الطغيان بيوتنا.
في ذلك العام اختفى أبي، وبعد عام سنعرف أنه حوكم وهو المدني المستقل بجرم سياسي لم يقترفه، وهذا يعني أننا سنغادر بيتنا، فمنطوق الحكم يقتضي مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة لرجل لم يعدم رأفة بشيخوخته، وأنه سيقضي حكما مؤبدا في السجن، لقد منح الطغاة أبي بيتا جديدا، يشاركه فيه آلاف أبرياء وجناة خلف أبواب موصدة، فقط نحن أهله لا يمكننا حتى زيارته، أي بيت منيع هذا البيت؟! وأما نحن فقد وجدنا أنفسنا فجاة في بيت لا أبواب له ولا سقف سوى السماء.
البيت قائم في محله، لم ندخله منذ أن أخرجونا منه عام 1988، جاء آخرون وسكنوه، وآخرون غيرهم، وآخرون، كل من جاء بعدنا لم يجد البيت، وجد الجدران والأبواب والنوفذ، لكنه لم يجد البيت الذي كنا نعيش فيه، تشاركنا الحياة تحت سقفه مكتبة تنمو، وأحلام وضحكات وظل مديد لأمي…
في ذلك العام، انحنى ظهر أمي، وتقوس حتى صار دائرة، أعني ظلّها. كنت أراها تقف مستقيمة بصبر، لكن ظلها صار دائرة تتسع ما آتتها القدرة على ذلك، كأنها تريد أن تحيطنا بهذا الظل، وتصيّره بيتا، أو ظل بيت فحسب، ولكن لم يكن ذلك ممكنا أبدا، فقد انفرط العقد، وتبدد شيء ما.
أحدنا اختار بعد عامين وبضعة أشهر فقط، أن ينمو له جناحان، ويحلّق إلى بيت اختاره، وهذه العبارة حقيقية تماما لأنها لا تفصح عن الذي اختار الآخر، أخي، أم البيت؟، ما أعرفه على وجه اليقين أن بيته كان بعيدا عن هذا العالم الذي ما زلنا نعاني الغربة فيه نحن الغرباء الذين لا نجد أنفسنا في أوطاننا، حتى لو وجدنا بيوتا، كما فعل أخي الذي لم يكن معنيا ببيوت الأرض وقبورها.
في عام 1991 كان بيتنا الكبير الذي نسميه وطنا يشتعل على أهله، كان العراقيون يلوذون بالتيه عسى أن تخطئهم صواريخ كروز والنيران العدوة والصديقة على حدّ سواء، في ذلك الوقت الذي ضاق فيه المكان وكشف الوقت عن خوائه تبخر أخي، أو انفقأ كما لو كان فقاعة، تماما مثل عشرات الآلاف من الفقاعات البشرية التي انفقأت بلا عزاء. هكذا بكل بساطة يمكن أن تمحو خطايا الطغاة الناس، ولكن من تراه سيمحو خطايا الطغاة؟
كنت أردد أسئلتي، بينما أشعر بالخزي لأن الموت أخطأ رميته، وبقيت أجوب الشوارع والدروب واتأمل وجهي في واجهات المحال المنهوبة وزجاج السيارات المتفحمة وعيون العابرين على وجوههم بحثا عن غد قد لا يأتي.
كانت السماء ملعبا لطائرات ومروحيات تجيد العمى وهي توزع هداياها النارية بلا هوادة، وتتقن حد الدهشة إصابة الشعب، وإغفال الطغاة. وكما بدأت العاصفة عادت وابتلعتها الصحراء، ليطلق الدكتاتور المسعور كلابه وذئابه وضباعه، لتجوس خلال البيوت، ولتنتهب الضحايا الذين اهملهم الموت كما أهملتهم الحياة. وأنا أحد هؤلاء، الذين لم يخفهم بيت، ولم تعصم ملامحهم ثياب، فقد كنت عاريا إلا من جرحي وعاري الذي لم أرتكب فاحشته، كنت أجتر جوعي وغربتي كما تفعل بهيمة سائمة، كنت أتلاشى وأنا أنظر إلى ابناء الوطن وهم يصيرون هامشا على متن من الدم، وحاشية على هامش من المهانة، ويصير الوطن ذيلا مطموسا في آخر كتاب العالم الذي يتشكل كما لو كان مشهدا ساخرا على خشبة المأساة.
كان القدر يعيد مسخرته معي، لأجد نفسي أسقط من (خرج الثورة)، التي خدعت عقولنا والبستنا اقنعة الوهم، لأعلق في أنياب الأفعى التي ستسلمني إلى ذنبها الماكث في آخر اللعبة، وعلي أن أهدر عاما، قبل أن أتلمس في ظلام السجن المسكون بالأفاعي، سلما مهملا نسيه القدر، وأصابت خطواتي الوصول إليه. وكان علي أن أهدر أعواما أخرى من عمري، فقد خرجت من السجن، لأدخل سجنا آخر، إنه سجن نفسي.
كذلك هو الأمر مع أبي الذي أخرجه المرض من زنزانته، ليدخله زنزانة جسده المتداعي، بعد غياب امتد خمس سنوات عن أهله وبيته الذي صادره الطاغية، ومكتبته وأرشيفه ومخطوطاته التي كان يحرص على سكب سنيّ حياته في صحائفها، وجاء الطاغية ليسرقها ويطمسها ويفقأ عيونها. بعد سنوات الغياب الخمس، اختبر أبي صمته وبكاءه اليابس سبع سنوات عجاف أخرى، لينتقل من ثَمّ إلى بيته الأخير، أذكر أنه قبل ليلة من تلك اللحظة، همس في أذني بكلمات ثقيلات، وأسبل دمعة كبيرة على غير ما عهدته، تدحرجت برفق على خده، وتسللت من لحيته وما زالت تتهاوى في روحي منذ ذلك الحين، مضى عقدان ونصف العقد على تلك الدمعة التي كانت تنبض، بينما أقف أنا مترددا بين هويّها الدائب ونظرة الأب المندهشة وقد أدار وجهه نحو السماء، مستبشرا، يلوح على شفتيه شبح ابتسامة غامضة، وعيناه تركضان إلى بيته هناك.
***
أمي لم تستبدل ثيابها السود، لكنها شدّت رأسها بعصابة سوداء مغسولة بخضرة غابة، تكاد تقطر ليلا على صبح شعرها المشوب بالحمرة، والصارخ بالمسك والعنبر والقرنفل والسِّعد، ودخلت في حوار طويل مع أبي الذي لم يعد حاضرا بيننا، كانت تعيد عليه أحلامها، وترتل بين يديه عتبها الدفين لأنه لم يف لها بوعد قطعه، ولم يعد يدرجها في حبرتها اليمانية وكفنها الذي جاء به من بيت الله العتيق، وكتب عليه الجوشنين الصغير والكبير بماء الزعفران، كان ذلك هو الطقس الأكثر وحشة الذي صدماني به، لحظة دخلت عليهما بعد صلاة الظهرين في يوم جمعة من شهر رمضان، كنت في أول أحلامي، وقد بح صوتي بلا سبب، وكبر أنفي، وصغر عليّ سريري. وصرت أكثر طيشا، وأقل صبرا على ضبط هواجسي. كانت أمي مسجاة بين يدي أبي على سجادتيهما، وكان هو يحكم لفها بالحبرة والكفن، مرددا كلمات وآيات وتسبيحات ودعاء عن المغفرة والعفو والرحمة، تجمدت برهة وأنا لا أميْزُ ما أرى، ولم تحرك أمي ساكنا أبدا.
خرج ندائي مفككا وخشنا مثل حشرجة تصدر عن ذبيح، بينما فزت أمي على ذلك الصوت الطائش من بين شفتيّ: (أممممي…).
أمضيت ليلتي تلك أصارع الحمى والكوابيس ورعدة لم تفارقني، كلما تراءى لي كفن، أو صادفني الموت بهيآته العديدات، وطعمه الفج.
***
البيت، من طريف لغة العرب التي قدّر لي أن أكون رهينها، ما تنطوي عليه من علاقات من شأنها أن تشكّل المعاني وتتوسع فيها، ولو عدنا إلى ما في المعجمات من معان لمادة (ب. ي. ت) سنجدها تدل بشكل أو آخر على السرية والتخفي والإضمار والحجب، فالبيت يحجب من فيه عن خارجه، وإذا أراد الإنسان فعلا ولم يفصح عنه يقال بيّت أمرا، وإنزال الضيف ليلا حتى يطلع النهار إنما هو مبيت، ويتلازم الفعل مع ما يضمره الإنسان من مشاعر وأحاسيس وهواجس، فيبيت مسهدا، ومتوجعا، ومتفجعا، ومترقبا، وطاويا، وما يرتهن من نوازع ذاتية يختبرها الإنسان وهو يقضي ليله في حال من الأحوال، وقد أحاط ذلك بسرية قصدها أو لم يقصدها، لكنه اختبرها. والبيت هو المسكن، الذي يستكين فيه الإنسان، ويستكنّ، ويستجنّ، ويتستًر، وهو من ثم ما يوفر له الأمان والاستقلالية والتملّك، بمعنى أن يكون هو ملك نفسه، ومطمئنا من غوائل محتملة خارج هذا البيت أو الملاذ. والبيت إنما يبنى، فلا بيت بالمعنى الحقيقي إلا ببنائه وبنيانه، وكذلك هي الحال في المجاز، فيمكن أن يدل البناء على الزواج، فيقال بنى فلان بفلانة، وزوج الرجل أهله وعياله ولا نعدم أن تدل مفردة البيت مجردة على الزوج والأهل.
فماذا عن بيتي الآن، وقد انفرط العمر بمن فيه، وتباعدت الأزمنة والأمكنة عن لحظاتها، وتغربت الأواصر، وشحت الوجوه؟
ينهدم بيت الطفولة والصبا، بيت أم أحمد، ويصيّره مالكوه الجدد بيوتا، هكذا يتعدد الواحد حتى يختفي!. ويسلب الطغاة بيت الفتوة والشباب، فيمسي محض ذكرى، وحرقة في الصدر ومرارة على اللسان، وحلما ممزقا ومرميا في عبث الريح. الإخوة تتوزعهم المفازات، وتأخذهم المآلات في منافيهم البعيدة والقريبة، وتضعهم في بيوتهم؛ هذا بيته الذاكرة التي تترمد، وحتى لا يسقط من حسابات العادّين أقمنا له بيتا/ قبرا رمزيا. وذاك اختار له القدر بيتا منيفا من الغربة والتيه، وكل بيت يلجأ إليه لن يكون بيته أبدا. والآخر الذي قضمت حياته الخيبة، اكتفى أن يتكئ إلى الماضي ويريح ظهره إلى الوهم، فيرسم على سبورة خيالاته وطنا، وفي نقطة لا وجود لها يرسم نفسه بملامح شائخة، تتلمس الفراغ بحثا عن مقبض ومزلاج في باب بلون الحلم، لعله يفتحه ذات يوم ويدلف منه إلى بيته.
أبي في بيته الأخير، وأمي أيضا، البيوت تكبر وتهرم وتموت، وما يتبقى هو ذلك الطيف الماثل في ذواتنا، هكذا نصير نحن بيتا لبيوتنا التي لم تعد قائمة في واقعنا، نسكن البيوت فتكون بيوتنا، فإذا غادرناها وجدناها تسكننا ونصير نحن بيوتها.
كأنني أعود إلى الشعر، ذلك أنه بيت أيضا. مرة كتبت وأنا أستعيد وجه أخي (أسعد) بعد أن سرقه الطغاة: (ربما تصير الأغنية بيتا..)*، لم أكن متشككا، لكنه الخيار الذي وجدت نفسي أسكنه، بيتي الآن هو القصيدة، هو ما تعنيه هذه القصيدة، وما يعني أنني أملك فيه أن أحرر قصيدتي، بيتي متعدد وواحد، هو الحبيبة التي بنيت بها وسكنتني إذ كنت بيتها، بيتي الكلمة التي تضمني حتى أستحيل تنهيدة طفل أو نأمة صباح على عالم يفتح عينيه أول مرة، ويبدأ تاريخه قبل أن تدنسه الوقائع والأحداث، بيتي الآن ما أراه أنا وحدي، وما يسع أحلامي كلها، وما سيبقى ماثلا كما أردت له أن يكون.
ذلك هو بيتي.
***
*ملحق:/
قصيدة ربما تصير الاغنية بيتا، من مجموعة شعرية كتبت في تسعينيات القرن العشرين، وحملت العنوان نفسه، صدرت عن بيت الشعر في غزة عام 2000 قبل أن تصدر ضمن الأعمال الشعرية عام 2021.
ربّما تصيرُ الأغنيةُ بيتاً..
“إلى أسعدَ.. بعمق”
ثريٌّ ليلُكَ
وأغنيتُك ثريةٌ،
تُزهرُ لا مباليةً بالثلوجِ التي تولدُ
ـ منذُ الصباحِ ـ
خلفَ هذا الزجاجِ
المفجوعِ بلَغَطِ المصابيحِ..
وألسنةِ الرياحِ
التي
تتدلّى
من أذرعِ الأشجارِ الجليديّةِ..
هذهِ التماثيلِ البيضِ،
السعيدةِ بالموتِ والحياةِ..
والموتِ والحياةِ
وهكذا..
………
أليسَ صحيحا؟
ربّما تصيُر الأغنيةُ بيتاً..
ها أنتَ فيها،
ثريٌّ..
ومضيءٌ..
وحقيقيٌّ ـ بيتُكَ ـ
وبلا شتاء.
فلماذا؟!
لماذا رأيتُكَ حزيناً؟
………
كلُّ شيءٍ ثريٌّ الآنَ..
ها هيَ النوافذُ مضيئةٌ..
والسّاحاتُ
والشّوارعُ..
ها هو بيتكَ.. يتّسعُ ويتّسعُ،
ها هوَ يكبرُ
فيدخلُ فيهِ الليلُ والنهارُ..
كلُّها تدخلُ ـ الأرضُ..
فلماذا رأيتُكَ حزينا؟
.. لماذا رأيتُكَ خارجاً؟
حزيناً وخارجاً من البيتِ أبصرتُ بكَ!
……….
ماذا تفعلُ
في السّاحاتِ والشّوارعِ
الميّتةِ منَ الصقيعِ؟
…………….
…………….
قليلاً..
قليلاً رأيتُكَ..
كانَ لغطُ المصابيحِ
ذبيحاً بأسى الزّجاجِ.
وأنفاسي دموعاً..
كانت
ا ل
س ا
ع ة
واقفةً،
مثلَ تمثالٍ ثلجيِّ..
ولكنْ أسود..
من فمهِ كانت تخرجُ العا…………………
..………………………………… صفةُ!!
كثيراً..
كثيراً نظرتُ.. ولم أجْدكَ
ما الذي أصنعهُ
ـ وحدي ـ
بليلٍ ثريٍّ كهذا….!؟
***
أضف تعليق