قصيدة: الشاعرة السويدية — آية قنبر
ترجمة وتعليق وتحشية: حكمت الحاج *
رمل الشاطئ الملوّن بالدخان
يبتلع مخمل “كارافايو” المهشَّم
الذي غلّف به “نرسيس” نفسه
حين أبصر جراحنا
في انعكاس الماء الفضي.
قل لي،
ما الذي تشتهيه أكثر من أي شيء في هذا العالم؟
ذلك أنني أدرك الآن
أن برودتي لا تكفي
لإطفاء نيرانك.
نستبدل خلايانا العصبية بحبات من الرمل،
درجة حرارة الجسم الجديدة هي الآن
ــ 17° مئوية تحت الصفر.
رياح البحر الصامتة هي
مجد السندباد الذي يستريح هنا.
المحفظة مملوءة بالجليد
ترمي بنفسها في بحر الليل
فيغمرنا،
وهو يتسرب إلى أعماقنا.
أشتاق حتى يعود المساء إلينا من جديد،
تلك كانت أياماً حين كان “الكوبالت” المعتم
يصهر معدنه في سمائنا الفارغة،
ونحن لم نتعلم بعد
ما الذي يلزمنا لكي نطفو فوق السطح.
قبلات الحوريات المائية العارية من الحب
تغرقني،
وأتحوّل إلى مرساي الخاص
في جسد آخر.
أتنقّل بين نسخ مختلفة
من ينابيع مغلقة، ومن منابع هواء،
حيث توجد أمواج أخرى،
وحيث يوجد “أنا” آخر.
حاشية:/
* القصيدة التي بين أيدينا هي من ديوان Hyperverklighet للشاعرة السويدية آية قنبر (Aya Kanbar) تحمل عنوانًا مكتوبا باللغة العربية «أنا نقطة في بحرك».
يُعدّ ظهور الشاعرة السويدية (من أصول عربية: أب عراقي وأم سورية) آية قنبر (Aya Kanbar، مواليد مدينة أوربرو 2004) حدثاً لافتاً في مشهد الشعر الاسكندنافي المعاصر. فبينما ما يزال كثير من أبناء جيلها في طور التجريب والبحث عن صوتهم الشعري، نجحت آية في إصدار ديوانها الأول Hyperverklighet (الواقع الفائق) عام 2021 وهي في السابعة عشرة من عمرها، عن دار نشر Nirstedt/ الشهيرة، ثم أتبعته عام 2023 بديوان ثانٍ بعنوان Aftongata (شارع المساء) عن الدار نفسها. وكتبت إحدى اكبر الصحف في السويد، آفتونبلاديت، عن آية قنبر قائلة أنها تقدّم نموذجاً استثنائياً لشاعرة تكتب من موقع “العبور” الثقافي واللغوي.
منذ العتبة الأولى في ديوانها الأول، “الواقع الفائق”، يواجه القارئ إهداءً مكتوباً بالعربية: «إلى نسرين، شعري ينتمي إليك». هذا الإهداء يُدخل اللغة العربية في فضاء نص مكتوب بالسويدية، كإشارة مزدوجة: فمن جهةٍ هو انتماء حميمي إلى الجذور، ومن جهة أخرى هو إعلان عن أن الكتابة لن تنفصل عن روابطها العابرة للغات والثقافات. كما أن آية قنبر تتناص، إن صح التعبير، في قصيدتها الأولى من الديوان، مع ديوان الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش «لماذا تركت الحصان وحيداً»، لكن عبر الترجمة السويدية للنص، وهو ما تكشفه لنا الشاعرة في هامش توضيحي داخل الكتاب. هذه الحركة، أي العودة إلى التراث الشعري العربي لا من أصله بل عبر وسيط لغوي جديد، تعكس طبيعة علاقتها بالشعر والهوية: علاقة تمر بالترجمة، بالتحويل، وبإعادة التوظيف.الإهداء بالعربية في صدر ديوانها الأول والاقتباس من درويش عبر الترجمة السويدية ليسا تفاصيل ثانوية، بل علامتان تكثّفان مشروعها: كتابة لا تنتمي إلى لغة واحدة ولا إلى هوية صافية، بل إلى شبكة من العلاقات.
من خلال تطبيق مفاهيم جان بودريارد Jean Baudrillard حول “الواقع الفائق”، نكتشف أن شعر آية قنبر يفتح فضاءً نقدياً جديداً: فما نراه ليس أدب المنفى التقليدي، بل أدب “التشبيك” و”العبور”، حيث تتحول النصوص إلى لقاءات، واللغات إلى جسور، والقصائد إلى سرديات علائقية.
إنها تمثل صوتاً لجيل جديد من الشعراء في أوروبا: جيل لا يبحث عن هوية مفقودة، بل يخلق هوية جديدة قوامها العلاقات والتبادلات. وهنا تكمن فرادة شعر آية قنبر وموقعه في المشهد الأدبي السويدي بل والعالمي المعاصر.
فالشعر عند آية قنبر لا يُفهم كصوت فردي معزول، بل كمختبر علائقي تنتج داخله شبكات متداخلة: بين اللغات (العربية–السويدية)، بين النصوص (محمود درويش–كارافايو رسام لوحة نرسيس الشهيرة–الأساطير الإغريقية)، وبين الذوات (الذات الشاعرة–القارئ–الآخر الافتراضي في فضاء الإنترنت).
إن نصوص الشاعرة آية قنبر لا تنتمي فقط إلى تقليد “أدب المنفى” أو “أدب المهاجرين” بالمعنى الكلاسيكي، بل تقدّم نموذجاً جديداً لـ الأدب العلائقي الشبكي، حيث تتحوّل الهويات والنصوص إلى مساحات عبور وتبادل مستمرين. (ح.ح)
أضف تعليق