بقلم: أحمد الشيخ علي
عن لونه…
وعن الحزن الذي لا وجه له ولا يدين كنت أكتب، بينما أحدّق في المطر وهو يعبر الطريق مسرعا ولا يعبأ بأبنائه الّذين ستقتلهم العجلات وأحذية السابلة.
من ترى عرف لونه؟ من سيرسمه؟ وقد نضحت روحُه أحلامها على الجدران والزجاج في البنايات الشاهقة، وعلى الخشب المتعفّن في أسطح الأكواخ الرقيقة كرسائل حب… من سيسمعه هذا الحزن الحار، وقد لبس وجه غيمة تموت؟
*
1. أشبهاء!..
كان يشبهني؛ الشعر الأكرت المتمرّد الّذي أطوّعه بالجل، والأنف الأحنف قليلا، والعينان المجهدتان، واللون القمحيّ الّذي تشوبه مسحة من شحوب، واللحية التي يغلب عليها البياض، والفم الرصين بشفتيه اللتين لم ترتويا من الحب بعد ملايين القبل، وكل ما يتبقى من الإنسان الّذي هو أنا.
كان يشبهني بصورة لم أتوقعها أبدا.
نظرت إليه بريبة، بينما نظر نحوي برأفة أو استغراب مشوب بلا مبالاة.
أردت أن أقول له شيئا، ولكنه التفت ومضى في طريقه. تبعته بعينيّ، ورأيته يغيب بين حشود الناس التي ضاق بها المكان.
دقائق فارغة انقضت قبل أن تصل الحافلة التي كنت أنتظرها، ولما صعدت بتثاقل، وقبل أن أدخل وجدتني جالسا خلف المقود، وأحد عشر رجلا يشبهونني تماما يجلسون في مقاعدهم، وخلفي ثمة خمسة أشخاص يشبهونني أيضا يحثونني على الدخول .
*
2. منذ زمن بعيد…
ذلك ما يفعله دائما، ما أن يختلط الحبر بالنهار، حتّى يأتي بفتياته، خمسا، تسعا، اثنتي عشرة فتاة، لم يكن العدد ثابتا أو نهائيا، يخرجهن من كيس الخيش السميك، ويعلقهن على حبل الغسيل، ينشرهن كما لو كنّ ملاءات أو أردية. كنت أعرف موعده، فتتسلق عيناي الجدار الفاصل بين سطحي بيتينا مثل قطتين، وتبقيان متسمرتين إلى ذلك المشهد الّذي لم يفارقني منذ زمن بعيد…
كنت ما أزال تحت سلم المراهقة، ولم تتلون أحلامي بعد بروائح الأنثى التي صارت تدخل عليّ غرفتي وتشاركني سريري، تلك الأنثى الهينة مثل صلصال، التي لم أعرفها، لأني لم أرَ وجهها أبدا، لكني أذكر جيدا أن لها رائحة أليفة وحلوة تتغير كل ليلة.
كان جاري يعيد طقسه كلّ يوم، شتاءً وصيفاً، حتّى في الليالي الممطرة والباردة والفارغة من الحكايات عند مواقد النار والمدافئ النفطية. لا أدري كم مرة حدث ذلك، وعلى كم حصان ركضت بي السنوات، منذ رأيته أول مرة، الأمر يحتاج إلى صندوق كبير من الّذاكرة لأحصي تلك الطقوس التي تتكرر على سطح بيت جاري الّذي اختفى ذات ليلة ولم أره بعدها أبدا.
في تلك الليلة ضرب البرق، فرآني وقد كنت أتسرّب مع المطر من الجدار مثل ميزاب، بينما الليل يمضغ غيمه بشراهة، ولم يكن جاري قد نشر بعد سوى فتاةٍ واحدةٍ، وما زالت الثانية بين يديه.
لم يفعل شيئا، ولم يقل كلمة، فقط أعاد الفتاتين إلى كيس الخيش المبلل، وحمله على ظهره ومضى، بعد أن رمقني بنظرة لا تعني شيئا، كان ذلك منذ أربعين سنة أو أكثر بكثير.
ما أذكره أنني كنت أرتجف لحظتها، عندما التفتّ ووجدت الأنثى التي بدأت بزيارة غرفتي، عارية ولا وجه لها، تشير لي بأصابعها، وثمة عطر غامض يشيع في المكان.
*
3. شرف…
على أحدنا أن يأكل الآخر عندما يموت، فقط عندما يموت، ولا يقدم على ذلك وصاحبه حيّ، ليكن ذلك بمثابة وثيقة شرف غير مكتوبة بيننا.
قال ذلك برصانة وشبه هدوء لا يماثلهما إلا سكون البحر المتأرجح باللوح الخشبي الّذي كنا نتشاركه.
قلت له وقد داهمني امتعاض ورغبة بالقيء، هل يعقل أن نلجأ إلى ذلك؟ أنا لا أعدك بشيء مطلقا، فلست واثقا من قدرتي على أكل لحم إنسان أبدا.
حرّك لسانه على شفتيه، وأطلق آهة قصيرة، وسأل باستغراب: ألم تأكل لحم إنسان ميّت من قبل؟
قلت له بعد صمت امتد دقيقة وسعلة قصيرة أطلقتها بوهن: لا، لم آكل لحم إنسان ميّت ولا لحم إنسان حيّ.
ابتسم بمرارة، وقال بصوت لا يكاد يسمع: وكيف بقيت حيّا إذن؟
أغمضت عينيّ، وقبل أن أذهب في إغفاءتي الأخيرة قلت له: لأنني أوّل من يموت دائما.
*
4. غراب أو قط كبير أسود…
ما زال الوقت مبكرا، وكانت الساعة تشير إلى ذروة النهار عندما هبط الليل فجأة، ربما الأفضل أن أقول سقط كما لو كان معلّقا بخيط، وانقطع ليملأ حياتي بالعمى.
هذا الليل لا يشبه الليالي الكثيرة التي مرّت وقسمت حصيلة عمري نصفين متساويين.
إنه ليل له ملمس إسفنجي وعضليّ في الوقت نفسه، كنت أشعر أن أنفاسي تتحرك بصعوبة في مساماته قبل أن تصل أنفي وفمي اللّذين يكافحان لاستلاف ما أتقوّت به من الهواء.
الليل الّذي أحاط بي فجأة واختطفني مني كان بارعا في تشرّب الضوء حد انطفاء المصابيح التي أضأتها، بما في ذلك الكلمات المتوهجة التي كنت أفكّر فيها أو أقولها، فلو فكّرت بقول كلمة شمس مثلا، يرتسم قرص الشمس لحظة واحدة على السقف، ثم يسقط وينفلش مثل صحن زجاج وينطفئ إلى الأبد، ولو فكّرت بقمر أو نجمة أو شعلة.. تلتمع هذه الكلمات ثم تتهاوى في ذلك الظلام السحيق مخلفة خطوطا نحيلة سرعان ما تتلاشى، ولا يمكنني قولها أو التفكير فيها مرة أخرى .
لقد سرق هذا الليل كلّ شيء، حتّى أحلامي التي كنت أظهر فيها محاطا بمصابيح وامضة، بينما تتردد على مقربة مني أغنيات مضيئة، تبددت وطواها النسيان، كل ذلك صار محض فجوة من البازلت والفحم، تحاصرني، وتضيق على جسدي في الوقت الّذي تتسع فيه وتتمدد في رأسي. لقد كانت غرابا بحجم ليل، أو ربما كان قطا كبيرا أسود.
*
5. ذات يوم…
على غير عادته ارتدى أبي ثوبا أسود، أما أمي فلم تستبدل ثوبها الأسود الّذي بقيت ترتديه حتّى في عرسها، إلا بثوب أسود آخر، فقد مات أبوها قبل أن تولد، وماتت أمها يوم ولدتها، وبقيت محافظة على حدادها الطويل، كما لو أنّها موكلة بحداد كلّ الناس وأحزانّم.
كانت أمّي بيضاء أكثر مما يجب، وهي تشد رأسها بقطيفتها السوداء الموشّاة بخيوط البريسم، وكانت جديلتاها بيضاوين مشرّبتين بخاطرة من حنّاء، وذكرى من ليل خائف بقي متواريا خلف باب حياتها.
أبي نفض كوفيته، وساوى بين طرفيها قبل أن يلفّها على نصف وجهه، وهو يقف بكامل هيبته، وعلى بعد خطوة خلفه كانت أمي تخفض وجهها بوقار، وهي تلمّ أطراف عباءتها، وتحرص أن تخفي سواقي الوشم الزرق التي كانت تجري على ظهر كفّيها.
لم أكن أدري ما الّذي حصل بعد، عندما انفتح الباب بقوّة، واندفع إخوتي حاملين نعشا من خشب صناديق الشاي، وقد كُتب عليه بخط ّرديء: “الفاتحة.. وقف جامع ال…” لم أقرأ ما اختلط بالحروف والأرقام الأجنبيّة المطبوعة على خاصرة النعش.
لكنني سمعت شهقة أمّي وقد أحاطت بها نسوة قريبات وبعيدات متّشحات بالسواد، وقد تسابقن بذرف ما يتيسّر من الدمع، أما أمّي فقد كانت دموعها تتسابق في تقاطرها، وسرعان ما تصير حمامات صغيرة بيضا مشرّبة بطيف ورديّ، ترفرف بأجنحة لا مرئيّة مالئة فضاء صالة البيت.
كان كلّ شيء يمضي ببطء، حتّى الكلمات التي تتردد أكاد أراها تخرج بطيئة وممطوطة، وبمشقّة أفهم معانيها.
شعرت بضيق شديد، بينما نظرت إلى المرآة الكبيرة الممتدة على طول الخزانة الخشبيّة المتّكئة على الجدار البعيد في عمق الصالة، كانت ثمة أعواد من بخور هنديّ فاخر تبعث برسائلها المعطرّة، وترسم خطوطها الرماديّة هناك، وكان وجه أمّي يلتمع، وبعضٌ من كتف أبي الّذي عانقه أخي الكبير، ولكنني لم أعثر على وجهي.
التفتّ ثانية إلى النعش الّذي وُضع على الأرض، وكُشف عنه غطاؤه. لقد كنت نائما هناك، وعلى شفتيّ لاحت ابتسامة لم أر أجمل منها.
*
6. أخي..
“أنا آخر من سيفعل ذلك.”
قال، وتراجع إلى آخر السطر القصير من الكلمات الحلوة المذاق التي تناديها المعلمة، فتصطفّ مكوّنة صورة تقليديّة لنشيد كشفيّ.
كان الأولاد مشرقين، وثيابهم لم يعبث بها المطر ولم تنحت انتعاشتها الشمس.
تقدّم أوّلهم، وقف عند سارية العلم، وأدّى التحيّة بحركة عسكريّة متقنة، تبعه اثنان بشعر قصير وقيافة كشفيّة وسدارة زرقاء. وعلى مسافة قصيرة ضربا بقدميهما الصغيرتين الأرض وأدّيا تحيّة العلم، بينما أطلق أحدهم سراح بوقه، وضرب آخر طبله، وانطلقت حناجر الفتية بغير انتظام مرددة نشيد العلم في ذلك الخميس المتأخر من العام.
عندها فقط تحرّك أخي الّذي تراجع في بادئ الأمر، كان يضع إحدى يديه في جيب بنطاله الأزرق القصير، مهملا الأخرى تتأرجح بينما كان يتقدّم إلى سارية العلم.
وهناك، مر بعينيه على السارية المعدنيّة، وما أن اختلطت عيناه بضوء الشمس المشتبك بالهواء الّذي راح يموّج العلم، فتح يديه على سعتيهما، ورفرف مرتقيا إلى أعلى، حتّى لم نعد نراه.
*
7. الحصاة..
ما الّذي تعنيه الطرق المعبدة، واللافتات، لهذه الطيور؟
كان يفكر، وهو ينظر إلى النهر الّذي يجري وينعطف على مقربة منه. النهر هو الآخر غير معنيّ باللافتات، قال هامسا.
………
رمى الحصاة التي كان يقلّبها بين أصابعه إلى الماء، وتقدم نحو النهر بثبات.
………
لم يكن بمقدوره أن يكون طيرا، لكنه يمكن أن يكون حصاة.
*
8. ما لم يره أحد من لوحات الواسطي…
كان يحيى بن محمود الواسطيّ يُنهي لوحته الأخيرة من مقامات الحريري، عندما شعر بوجود عين تنظر إليه من وراء حجاب.
لم يلتفت، ولكنه تكلّم إلى ذلك المتلصص، وجعل كلماته دقيقة وواضحة مثل خطوط فرشاته وبالألوان نفسها.
قال كلاما كثيرا يشبه مدينة، أبوابها من ذهب وفضة، وأهلها بثياب من حرير، وعمائم من ديباج، وبساتينها لا تكفّ عن المزامير والخصور التي تتمايل والخمر والعسل.
ما تلقّى ردّا، لكنه سمع خطوات أحد ما تبتعد.
صمت الواسطيّ قليلا، ثم انشغل برسم لوحته الأخيرة طوال ليلته تلك، متمتما بكلمات غير مفهومة، وعند الصباح، كان الزيت على وشك أن ينفد في المشكاة، وكذلك ألوانه.
توضأ، وصلّى ركعتين على عجل، وأخذ جملا من اللوحة ومضى إلى حيث لم يعلم أحد وجهته.
لكنه لم ينس أن يشعل النار في لوحته تلك، بآخر ما تبقى له من لهب في المشكاة.
*
9. انشغال..
كانت رقيقة وطفيفة بشكل عجيب، من يراها لا يصدق أنّها حقيقيّة. لو مسّها ضوءٌ ربما تتلاشى، مثل فكرة تائهة، في حلم رجل يموت.
لم تشغلني الفراشة كثيرا، ولا الوردة التي حامت حولها الفراشة. ما شغلني نظرة الطفلة إلى ظل وردة يحوم حوله ظلّ فراشة، ينوسان على الجدار المحاذي لذلك الأصيص الوحيد المركون عند الشرفة.
*
10. غرق ..
كانتْ تحلمُ بهِ. يحاصرها كلمّا أغلقتْ باب غرفتها، تاركةً حروبها التّي لا تنتهي، تشتعلُ وتنطفئُ خلف ظهرها.
عيناها تتلمّسانِ المكان اللّائذ بعتمتهِ، إلّا منْ لوامسِ ضوءٍ شاحبةٍ تتسللُّ منْ أسفلِ البابِ، ومنْ فرجةٍ في السّتارةِ التّي تكتمُ لغط النّهارِ.
لا بدَّ أنَّ حدقتيْ عينيها تتسّعانِ في هذهِ اللحّظةِ، وأنفاسها تتسارعُ كما يحدثُ دائما، لا شيء سيمنعها منْ الوصولِ إليهِ، إنّهُ يتضوّرُ على بعدِ خطواتٍ عنْ وقوفها المتوجّسِ.
كانتْ أمواجٌ مرهقةٌ تتكسّرُ على جرفٍ صخريٍّ، وصخبُ ريحٍ بعيدةٍ، تهيّجُ أشرعةً تجمحُ مثل خيولٍ في أوديةِ الحبِّ.
لا جديد أبدا، تحرّكتْ بريبةٍ مشوبةٍ بخوفٍ وشغفٍ كما تفعلُ في كلِّ مرّةٍ.
خطوة أخرى، وها هي عاريةٌ تصالبُ ذراعيها على صدرها، بينما تضفي العتمةُ على شعرها، المتهدّلِ بعبثٍ، غموضا منْ السّحرِ.
كانتْ تقفُ على شاطئٍ لمْ يعرفْ بوجودهِ أحدٌ، وثمّة ألفُ لسانٍ منْ فُتاتِ الموجِ المتكسّرِ يلعقُ قدميها، فتسري في جسدها رعشةٌ مبهمةٌ، وتندُّ عنْ شفتيها شبهُ آهةٍ ليس إلى إدراكها منْ سبيلٍ.
أغمضتْ عينيها ومدّتْ يديها نحوهُ. كانتْ قيثارتهُ تغدقُ أسرارها فتصيرُ شعبا مِن الأذرع والأكفِّ التي تحتويها، ولا تجد خلاصا سوى المضيّ في غرقها الأبدي….
*
11. بعد موت مكبث..
قيل إنهُّ انحنى ليحمل تاجهُ الّذّي سقط عنْ رأسهِ في صراعهِ الأخيرِ، لكنَّ سيف عدوّهِ كان كفيلا بجعلِ رأسهِ يسقطُ هو الآخرُ منْ على كتفيهِ.
قيل أيضا إنهُّ اتكّأ على سيفهِ مرارا، قبل أنْ يلقي بهِ، ويمضي إلى سيوفِ أعدائهِ عاري الصّدرِ.
قيلتْ حكاياتٌ عديدة عنْ موتهِ، كلهّا تشبهُ الموت الّذّي يأخذُ الجميع، حيثُ تنتهي حياةٌ صاخبةٌ بصمتٍ.
ما لمْ يقلهُ أحدٌ أبدا، أنهُّ أحر ق ثيابهُ الملكيّة، وعند قبرٍ ملأهُ بخياناته دفن التّاج الّذّي سرقهُ بلعبةِ الدّمِ الطّويلةِ، وبقي هائما بين الخرائبِ، وكلمّا وقف عند شجرةٍ كتب على جذعها:
(مكبث.. الّذّي أهلك نفسهُ بنفسهِ).
سبعُ ليالٍ لا صباحات لها مضينْ، ولمْ يبق منْ مكبث الّذي أهلك نفسهُ بنفسهِ شيءٌ، سوى خرقةٍ كان يشدّها على عينيهِ، قبل أنْ يسعفهُ الموتُ.
بعد موتهِ. الأشجارُ التّي كتب عليها حكمتهُ، تحرّكتْ منْ جذورها، وراحتْ تملأُ جهاتِ الأرضِ.
كلُّ شجرةٍ صارتْ ملكاً، وكلُّ ملكٍ منهمْ، را ح يهلكُ نفسهُ بنفسهِ.
لقدْ شر ب الملوكُ جميعهمْ دم مكبث، الّذّي كتب بهِ حكمتهُ على جذوعهمْ.
*
12 ظلّي…
كثيرا ما شغلني ظلّي، يطولُ ويقصرُ أحيانا، يتكسّرُ على الجدرانِ ويختلجُ على الماءِ ،يسبقني ويعودُ ليصير ورائي، وفي مرّاتٍ قليلةٍ لا أجدهُ، يتوارى عنْ أنظاري تماما.
أذكرُ أننّي شعرتُ بالخوفِ منْ ظلّي في بعضِ الأوقاتِ، فقدْ كان يأخذُ شكل حيوانٍ أسطوريٍّ يطاردني ويريدُ التّهامي، أوْ يباغتني ويخطفُ أمامي مثل قطارٍ مجنونٍ. لمْ تنتهِ ألاعيبُ ظلّي، لكنهُّ صار مسالما، ولمْ أعدْ أخشاهُ كما في السّابقِ، لقدْ غدا حيواني الأليف ، لا يحتاجُ إلى رعايةٍ، ولستُ أهتمُّ كثيرا بشؤونهِ الخاصّةِ، صار يافعا، ولا ينفكُّ عنّي أبدا.
الآن وقدْ أصبحتُ كهلا، بدأ ظلّي يفاجئني، وكأنهُّ فقد الرّغبة بمصاحبتي، مثلا صار يفضّلُ البقاء ممدّا على الأرضِ، وإذا تحرّكتُ في جهةِ ما لا يتبعني أوْ يسبقني إليها، ويكتفي بالتّكوّرِ على نفسهِ منْ دونِ أنْ يعيرني اهتماما، مرّاتٍ إذا نهضتُ ينهضُ هو الآخرُ، ولكنهُّ يتّجهُ إلى ناحيةٍ أخرى، ويلتفتُ نحوي كأنهُّ يضمرُ شيئا.
لستُ أعرفُ لغة الظّلالِ وتعابير حركاتها، ولكننّي صرتُ متيقّنا أنهُّ تغيّر كثيرا.
اليوم عندما أفقتُ منْ قيلولةٍ لمْ أعتدها، وجدتُ ظلّي يتحرّكُ في الصّالةِ ذهابا وإيابا، كان منفعلا بعض الشّيء، وعندما شعر بوجودي، استدار نحو البابِ وخر ج…
مضتْ ساعاتُ الظّهيرةِ بطيئةً وأنا أجلسُ على عتبةِ البابِ أصارعُ ضياعاً غريباً اعتراني، كأننّي لمْ أعدْ أنا، أوْ كأننّي فقدتُ نصفي الوديع.
كنتُ أرغبُ بالبكاءِ، ولكننّي لا أقدرُ على ذلك، أردتُ أنْ أقو م لأدخل، فلمْ أجدْ قدميّ ولا يديّ، لقدْ صرتُ عينينِ لا مرئيتين تبصرانِ الأشياء فقطْ.
لمْ يكنْ الليّلُ قدْ حلّ عندما التفتتْ عيناي إلى داخلِ البيتِ، لأجد ظلّي واقفا، بينما يقفُ خلفهُ ظلّ آخرُ، تقدّم ظلّي نحوي بخطواتٍ وئيدةٍ، بينما بقي الظّلُّ الآخرُ بلا حراكٍ، وعندما وصل إلى البابِ أغلقهُ بهدوءٍ.
أغمضتُ عينيّ، ولمْ أفتحْهما منذُ تلك اللحّظةِ، وها أنا أنتظرُ ما الّذي سيحدثُ بعدئذٍ.
*
13 نص طويل جدا…
مثلُ نابي الّّذي بقي لبنياً منذُ خمسين سنةً، عندما ظهر متأخرّا وصار يزحزحُ أخوتهُ، ويمضي الليّل بالغناءِ، مدّعيا أنهُّ شجرة. حتّّى قرّرتُ أنْ أغرسهُ على مرأى من القمرِ، في حديقةِ بيتٍ، نسيتُ أين هو الآن.
ومع الشّمسِ، فتحتُ عينيّ على شجرةٍ بحجمِ زرافةٍ خضرا ء، محمّلةٍ بطيورٍ ، وأسماكٍ ودمى منْ ورقٍ. أخذتُ الشّجر ة وسرتُ بها في الطّريقِ، الّذي يوصلني إلى المدرسةِ.. كانتْ الشّجرةُ تردّدُ أغنيةً حزينةً، وتتبعنا غيمةٌ صغيرةٌ بضفيرتينِ منْ ذهبٍ. وهناك.. عند بابِ المدرسةِ تركتُ الشّجر ة التّي بدأتْ ترتجفُ من البردِ، فوضعتُ عليها شالا أصفر، اقتطعتهُ منْ رنينِ الجرسِ، الّذّي را ح يغزلُ حياتي، على وقعِ عصا المعلمِّ، و هي تلوّنُ أصابعي، لأننّي عبثتُ بجدولِ الضّربِ.. ولأننّي أيضا.. رسمتُ تفّاحةً، بعينينِ تنظرانِ نحوي منْ نافذةٍ نصفِ مفتوحةٍ، في بيتِ المعلمّ …….
أوووووه. النّصُّ طويلٌ جدّا.. يلزمني سبعةٌ وخمسو ن عاما، مثلا، لأمشّط شعري، قبل أنْ أقصَّ هذا النّصّ على عجالةٍ. بينما أتذكّرُ شجرةً أخرى، لمْ تكنْ خضرا ء، وليستْ بحجمِ زرافةٍ.
*
14 حصاني..
لستُ معنيّا كما الآخرون بسلالتهِ، هذا الحصانُ الّذي يتبعني وأنا أتجوّلُ في البيتِ. لوقعِ حوافرهِ الناعمةِ أثرٌ في الرّوحِ، إنهُّ أشبهُ ما يكونُ بموسيقى تصويريةٍّ لفيلمٍ عنْ الحبِّ، رأيتهُ بينما كنتُ مصابا الحمّى.
هذا الحصانُ لا لو ن لهُ، أوْ لأقل إنهُّ أزرقُ قليلا، عندما يسيلُ عليهِ ضوءُ المصابيحِ في الليّلِ، وفي النّهارِ يكونُ بلونِ المكانِ، ولولا صهيلهُ لما رآهُ أحدٌ.. كا ن يصهلُ أحيانا، ويمسحُ وجههُ بجسدي. لا أحد يدري منْ أين جئتُ بهِ، ولمْ أقلْ ذلك لأحدٍ منْ قبلُ، فمنْ سيصدّقُ أنَّ البيضة التّي لا أدري أين وجدتها، ذات يومٍ، ولمْ تكنْ بيضة دجاجةٍ بالتّأكيدِ، لأنّّها أصغرُ قليلا، ولونها شاحبٌ مثلُ جوزةٍ، هي التّي تقشّرتْ على منضدةِ كتبي، وخر ج منها حصاني!
*
15 الثقب..
عندما وضعتُ يدي في جيب وجدتهُ.. إنهُ ثقبٌ. ثقبٌ صغيرٌ فحسب، فقطْ ثقبٌ. كا ن وحيداً، مثلي.. ربمّا كان يتيماً أيضاً.. حملتهُ على أصابعي.. كان خفيفاً، حتّى أننّي أحسستُ بنقصٍ في وزنِ يدي..
إنهُ ثقبٌ.. مثلُ هذا الأمرِ لمْ يصادفني منْ قبلُ.
“سأتخلصُّ منهُ”… فكّرتُ، غير أنّ شعوراً منْ تأنيبِ الضمير خالجني بعنفٍ.
قلتُ: “سأحتفظُ بهِ”. “لكنْ كيف؟”، قلتُ أيضاً..
راودتنِي رغبةٌ ملحّةٌ في النّظرِ منْ خلالهِ…
ما هذا؟!
أحدهمْ كان ينظرُ.
لمْ أرهُ. لكنْ رأيتُ عينهُ تنظرُ إلى عيني بريبةٍ..
بشيءٍ منْ التّحفّظِ أدخلتُ إصبعي، كان هناك منْ أدخل إصبعهُ منْ الجهةِ الأخرى.. وإذْ مدّدتُ يدي وأمسكتُ بها، يدٌ ما أمسكتْ بإصبعي أيضاً… شددتُ أنا، شدَّ الآخرُ.. لا أعرفُ كيف حدث هذا تماماً؟!
ولكنهُّ تماماً حدث، لقدْ اتسع الثقّبُ… دخلتْ يدي كلهّا، وخرجتْ كلهّا يدهُ.. وعندما، بعنفٍ أكبر.. شددتهُ، فعل، مثل ذلك، الآخرُ ..
دخلتُ أنا إلى هنا ك، وخر ج هو إلى هنا..
ولكنْ.. أين اختفى الثقبُ…؟!
*
16 خيانة ..
كيف لها أنْ تنظر إليهِ كما لوْ كانتْ لا تعرفهُ؟
.. تنظرُ إليهِ قبل ذهابهِ. تدخلُ حجرتها. تنظّفُ أثاثها البسيط منْ بقايا ألاعيبهِ الصّبيانيةِ. أوْ تلقي -أحياناً – بشراشِفها وستائِرها على عيونهِ المتروكةِ هنا وهناك.. كما لوْ كان مسماراً أوْ شماعةً. تمسحُ جبينهُ ربما، أوْ ترشّهُ بالعطرِ. وأمام مرآتِها تتعرّى.. وتسدلُ شعرها.. تمشّطهُ، وترقبُ منْ بينِ خصلاتهِ ابتسامتها تتفتّحُ كزهرةٍ.. ترقبُ عينيها تتسّعانِ كسماءينِ.. تفكرُ:
“لمْ يعدْ هنا..”
تخطو إلى الشّرفةِ، تأخذُ اللّيل منْ يدهِ.. وتقودهُ إلى السريرِ ……!!
*
17 حياة أخرى..
الرّجلُ المسنّ الذي يجلسُ وحيدا هناك، في ذلك الرّكنِ البعيدِ منْ المقهى.. عند النّافذةِ العريضةِ التي تقضمُ نصف الشّارعِ. يطيلُ النّظر إلى أيّ شيٍءٍ يا ترى؟
كمْ أحصى من العرباتِ وأبناءِ السبيلِ؟..
وكمْ تراهُ تأمّل البضائع والزّبائن؟ وكمْ أثار عجبهُ هذا المهرجانُ الأبديُّ منْ الأزياءِ، واللّافتاتِ.. والمصابيحِ.. والمنبهاتِ.. والرّوائحِ.. واللّغطِ..؟
ماذا لوْ أنهُ لمْ يلحظْ ذلك .. واكتفى فقطْ بمراقبةِ سبعين سنةً تقودُهُ منْ يدهِ، وتعبرُ بهِ الشارع المزدحم بالعرباتِ والمارّةِ والزّمنِ الّذي يتكدّسُ كصحراء.. تماماً كما اعتاد أنْ تقودهُ عصاهُ منذُ سبعين سنةً، عبر ممرٍ طويلٍ منْ العمى..
الرجلُ المسنّ الّذي يجلسُ وحيداً هناك.. نهض بهدوءٍ، وخر ج منْ بابِ المقهى، دو ن أنْ يكلّم أحداً. فقطْ.. ألقى نظرةً طويلةً، منْ الخارجِ، إلى حيثُ بقي العمى، في الركنِ البعيدِ منْ المقهى.. عند النّافذةِ العريضةِ التي تقضمُ نصف الشارعِ، متّكئاً على عصاهُ التّي ساقتْ سبعين سنةً منْ الشوارعِ!
*
18 معصية..
سنةً.. إثر سنةٍ، إثر سنة… يعيدُ الكاهنُ موعظتهُ على المخطئين الّذين تجمهروا على بابِ الكنيسةِ المشتعلةِ على كاهلِ الجبلِ.
كان واقفاً بمسوحهِ التّي نسجتْ منْ خيوطِ ليالٍ ثقالٍ.. بصولجانهِ الّّذي منْ ذهبٍ مزيّف وعاجٍ وصلاةٍ عنْ كلمةٍ بدأها الرّبُّ ولمْ ينتهِ منها…
كان صليبهُ الّذي على صدره ِ لامعاً، مثل دمعةِ أرملةٍ.. ومشوباً بدمِ معصيةٍ لمْ يعرفها أحدٌ من المخطئين.. وكان صليبهُ الّّذي في زنارهِ مهملا وكسيراً، ومنْ خشبٍ حائلٍ، أما صليبهُ الّّذي خلف ظهرهِ، ذلك الّّذي نفخ فيهِ الروح مارقٌ من العبيدِ، وقتلهُ الشمّاسون والقساوسةُ والأشابنةُ جميعاً، وأراقوا على جسدهِ نبيذاً.. وترتيلةً قاسيةً، قبل أنْ يتركوهُ لضواري الجبلِ عارياً، إلّا منْ دمهِ وألمهِ الأخير… ذلك الصّليبُ الّّذي صنعهُ العبدُ منْ حديدٍ ورصاصٍ ذائبٍ، وأرخى عليهِ حيّةً حتّى سربل بها الصِليب نفسهُ الّّذي كان يتأوّدُ ظلهُّ.. كلمّا ارتجفتْ روحُ الشمعةِ عند المذبحِ الّّذي طهّرهُ الرّهابنةُ ثلا ث ليالٍ ثقالٍ منْ دمِ العبدِ الّّذي نفخ الروح في الصليبِ وسربلهُ بحيّةٍ كانتْ تخرجُ منْ فمهِ. المذبحُ الّّذي خلف ظهرهِ، هذا الكاهنُ الّذيْ ظلَّ يعيدُ موعظتهُ سنةً.. إثر سنةٍ.. إثر سنةْ …..!
*
19 فيلم سهرة ..
لذلك كنتُ أتركُ رأسي مهملا عند منتصفِ الفيلمِ. مع الطلقةِ التي يدوّي صوتها في براري الغربِ الأميركيّ، مسابقاً الرّيحِ.. حتّى يعانق حفيف الفستانِ الواسعِ لتلك السيّدةِ الصهباءِ.
لمْ يعدْ كأسُ الشايِ ساخناً، لمْ تعدْ الساعةُ مشحونةً بالوقتِ والّّذكرياتِ، ولمْ يعدْ البابُ متسّعا. كلُّ ما تبقى منّي: ذلك الأنينُ الرماديُّ الّذي يتقطّرُ على البلاطِ.. ممزوّجا بكلماتٍ لا أذكرها وسجائر.
هنالك فقطْ توقفّتْ السّيّدة الصهباءُ وأطلقتْ نحويْ ضحكتها.. لمْ أتداركْ رأسي وهو يسقط، لمْ أعدْ أرى شيئاً، ثمة فقطْ.. عطرٌ غامضٌ ينوسُ في مكانٍ ما كأنهُّ دمي.. ذلك الّذي نمتْ لهُ ملايينُ الأجنحةِ …
دمي المجنحُّ طواني مثل ورقةٍ.. وحلقّ بي مبتعداً.
هكذا انتهى الفيلمُ.
……………………..
بينما ثمّة طلقةٌ تجوبُ الأرجاء بحثاً عني.
*
20 قصة نهر صغير وأغنية..
في المكتبةِ العامةِ وفي أطلسٍ قديمٍ.. وجدتُ نهراً صغيراً، كان مختلفاً.. ووحيداً في غربتهِ، لا تغسلهُ الأمطارُ، ولا ترتادهُ الفتياتُ الجميلاتُ بعد ليالي الحبِّ.
النهرُ الصّغيرُ الّذي يمضي بهدوءٍ، مملوءاً بأغنيةٍ، لا أعرفُ مِنْ أين سرقها.. مرّ بي.. وعلى بعدِ خطوتينِ.. توقفّ، والتفت فجأةً.. كان وجههُُ مألوفاً برغمِ مسحةِ الحزنِ.. لمْ يقلْ شيئاً، وكذلك أنا……..
مدّدتُ يدي ولمستهُ، كان بارداً، وجافاً، حملتهُ برفقٍ، وبخفّةٍ وضعتهُ في جيبي..
أغلقتُ الأطلس القديم، وتركتهُُ على المنضدةِ، ومنْ دونِ جلبةٍ خرجتُ، منْ المكتبةِ، مثل لصٍّ حاذقٍ..
………..
في الشّارعِ كنتُ أفيضُ على غيرِ عادتي، ولمْ أعدْ حزيناً..
كنتُ أزرق كأغنيةٍ.
*
21 هكذا انتهت الحرب..
ما الّذي يجعلُ منْ نجمةٍ وحيدةٍ في الليّلِ فخّاً لدموعي؟
“قالتْ، ناظرةً إلى البحرِ.
أشرتُ إلى صورتيْ الشّاحبةِ على الماءِ.. إلى هواءٍ محمّلٍ بغناءاتٍ مفرطةٍ في الألمِ..
أشرتُ إليها، ولمْ أقلْ شيئا.
التّفتتْ نحوي ببطٍءٍ.. وهمستْ: “أين أنت؟.”
اقتربتُ بهدوءٍ، انفرط غناءٌ مؤلمٌ يتلبّدُ في الهواءِ.. التمعتْ نجمةٌ وسقطتْ.. تلألأتْ دمعةٌ، وانهمرتْ أخرى… بينما تقرفص على نفسهِ الماءُ.
لمْ أقلْ شيئا.
……………
كانتْ ترتدي البحر..
وكنتُ أتسلقُّ أنين نجمةِ تائهة في ليل لا ينتهي!
*
22 نشوء…
“لستُ منْ أحدٍ”. ندّتِ الصّحاري على شفةِ الرّيحِ المترفةِ، وهي تتضوّعُ كنقاءٍ لا مرئيّ، لموتٍ يثيرُ غرائز الفريسةِ.
” ذلك أنا”، قال البحرُ.
.. لمْ تجدْ ما تقولهُ الصّحاري، فقدْ بعثرتها الرّيحُ.. التي لمْ تكنْ لتصدّق أبدا أنّها شهقةٌ محررةٌ، أطلقها البحرُ.. ساعة كان يحلمُ باليابسةِ!
*
23 حداد..
جثتّْ على ركبتيها، وأغمضتْ عينيها.. وذهبتْ في بكائها عشرين سنةً، وعندما أفاقتْ كان النّهارُ يوشكُ أنْ يجفَّ على ستار ةِ نافذتها وشراشفِ سريرها وثوبها الأسودِ.
تنفّستْ، كأنّّها تكتشفُ الهواء لأوّلِ مرّةٍ، تفحّصت الغرفة بنظراتٍ مرتابةٍ، حتّّى رأتْ مرآتها…
اقتربتْ منها.. ومرّرتْ أصابعها على وجهها هناك، كانتْ تريدُ أنْ تقو ل شيئا، لكنهّا أغمضتْ عينيها ثانيةً، وجثتْ على ركبتيها.. مسترسلةً في بكاءٍ صامتٍ…
ربما عليَّ أنْ أقف، هناك، عشرين سنةً، على أملِ أنْ تفتح عينيها مرّةً أخرى.
*
24 شراكة..
جلسا متجاورين أمام شاشة التلفاز، كانت مستغرقة في مشاهدة فيلمها المفضل (الوسادة الخالية)، الّذي بقيت تعيده خمسين سنة دونما ملل، أما هو فقد ذهب في رحلة صيد النمور من على ظهور الفيلة، تلك الرحلة التي بدأتها ناشيونال جيوغرافيك قبل مئة سنة ولم تنته بعد.
كانا يستمتعان بوقتهما كثيرا، وهما ينظران إلى شاشة التلفاز المطفأة في الصالة.
*
25 باب…
لمْ يعلمْ أحدٌ بوجودِ بابٍ سرّيٍّ هناك، حتّّى هو لمْ يكنْ يعلمُ بذلك، دخل غرفتهُ، وأخذ كتابا منْ على الرّفِّ، وبدأ بتقليبِ أوراقهِ المزدحمةِ بكلماتٍ لمْ يقرأها، حتّّى وصل إلى صفحةٍ بيضاء في آخرِ الكتابِ، نظر فيها طويلا، مرّر يده عليها، وعند نقطة خالية في بياضها رسم بإصبعهِ بابا لا مرئيّا، كان مغلقا، فتحهُ.. ودفعهُ برفقٍ، وبهدوءٍ دخل منهُ، وأغلقهُ وراءهُ، ولمْ يعدْ منذُ ذلك الحينِ.
أضف تعليق