كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الغيمة..

(الترجمة الكاملة)
قصيدة: بيرسي بيش شيللي 
ترجمة: حكمت الحاج

أنا التي أحمل زخات المطر العذبة
وآتي بها من البحار والأنهار
إلى الزهور الظمآنة،
أحمل ظلاً خفيفًا لأوراق الشجر المستريح في أحلام الظهيرة.
ومن جناحيّ تنثال قطرات الندى التي توقظ البراعم الجميلة،
حين تهتز بالنعاس في حضن أمّها الأرض
وهي تدور راقصة حول الشمس.
ألوّح بسوطي المصنوع من البَرَد
فأبيّض السهول الخضراء،
ثم أذيب ذاك البَرَد مطرًا،
وأضحك، بينما أمرّ بين الرعود.
أنثر الثلج على الجبالٍ الشاهقةٍ تحت أقدامي،
فتئنّ أشجار الصنوبر العظيمة من الهلع،
وطوال الليل يكون وسادي ناصع البياض
وأنا نائمة في حضن العاصفة.

عالياّ، فوق أبراج قصوري السماوية،
يجلس، في كهفٍ تحتي، ذاك البرق، قائدي،
يقيّدٌ الرعد، يتلوّى، ويزمجر من حينٍ لآخر.
فوق الأرض والمحيط، بلطفٍ وهدوء،
يقودني هذا الطيار، مدفوعًا بحبّ الأرواح
التي تتحرك في أعماق البحر البنفسجي.
فوق الجداول والنتوءات والتلال،
فوق البحيرات والسهول،
حيثما يحلم، تحت جبلٍ أو نهر،
تظلّ الروح التي يحبها حاضرة.
أما أنا، فأنعم طوال الوقت
بابتسامة السماء الزرقاء،
بينما هو يذوب في زخات المطر.

الشمس المشرقة بلون الدم
بعينيه الشهبيتين،
وبريشه المشتعل الممدود،
يقفز على ظهري، وأنا أبحر في الأفق،
عندما يغيب نجم الصباح.
كما لو أن نسرًا، للحظةٍ واحدة،
هبط على قمة جبلٍ،
هزّته زلزلة،
جلس تحت نور جناحيه الذهبيين.
وعندما يتنفس الغروب، من البحر المضيء تحته،
حرارته المليئة بالراحة والحب،
تتدلى مثل كَفَنٍ قرمزيّ من أعالي السماء،
أضمّ جناحيّ وأرتاح في عشي الهوائي،
ساكنة مثل يمامةٍ تحضن بيضها.

تلك الكرة العذراء المحملة بالنار البيضاء
التي يسميها البشر القمر
تنزلق متلألئة فوق أرضيتي الصوفية
التي نثرتها نسمات منتصف الليل
وحينما تكسر خطواتها الخفية
-التي لا يسمعها إلا الملائكة-
نسيجَ سقف خيمتي الرقيق
تطل النجوم من خلفها وتحدق
وأنا أضحك لرؤيتها تدور تدور وتهرب
مثل أسراب نحل ذهبي
ذلك يحدث عندما
أوسع الشقوق في خيمتي
التي بنتها الرياح
حتى تهدأ الأنهار والبحيرات والبحار
كشرائط سماوية سقطت عليَّ من عَلٍ، 
مرصفة بعضها بالبعض، مخيطة بالقمر.

أربط عرش الشمس بحزامٍ ملتهب،
وعرش القمر بحزامٍ من اللؤلؤ؛
تفورُ البراكين وتترنّح النجوم،
حين ترفع الزوابع رايتي.
من رأس إلى رأس، بشكل يشبه الجسر،
أمتدّ فوق بحرٍ جارف،
مانعةً ضوء الشمس من العبور،
كأنني سقف، والجبال أعمدتي.
أنا قوس النصر الذي أمرّ تحته
بصحبة العواصف والنار والثلج،
حين تُقيّد قوى الهواء بعرشي،
يكون قوسي ذو المليون لون،
وهو النار الكروية التي حيكت ألوانها الناعمة فوقه،
بينما كانت الأرض المبللة تضحك تحتي.

أنا ابنة الأرض والماء وربيبة السماء؛
أمرّ عبر مسامات البحر والساحل،
أتغيّر، لكنني لا أموت.
فبعد المطر، حين تتطهر سماء الجنة من الشوائب،
وتتآزر الرياح وأشعة الشمس
لتبني قبة الهواء الزرقاء،
أضحك بصمتٍ على نصبي التذكاري،
ومن كهوف المطر، كطفلٍ من رحم، كروحٍ من قبر،
أنهضُ، أنهضُ لأهدمه من جديد.

* ملحوظة حول الترجمة:/
في الحقيقة، اختيار ضمير المتكلم المؤنث “أنا التي” في ترجمة الخطاب الضمني للقصيدة، لم يأتِ اعتباطًا، بل استند إلى منطق داخلي في بنية النص الأصلي لشيللي، الذي يخاطب الغيمة أو السحابة (The Cloud) بوصفها كائنًا شعريًا مُشخّصًا — لكنها ليست مذكرًا بالضرورة. بل على العكس، هناك ما يشير إلى تأنيث هذه الذات:
1. الإحالة الصريحة في النص الأصلي: ففي المقطع الأخير يقول شيللي:
> “I am the daughter of Earth and Water,
And the nursling of the Sky”
هنا يصرّح بأن السحابة هي “ابنة” الأرض والماء، وأنها “الطفلة المدللة للسماء”، وهذا يحسم جنس المتكلم داخل القصيدة بوصفها أنثى، لا ذكرًا.
2. الخيال الرومانتيكي وتقمص الطبيعة: في الشعر الرومانتيكي، كثيرًا ما تُجسّد عناصر الطبيعة بأجساد وأصوات أنثوية: السحابة، الريح، الليلة، النجمة… وغالبًا ما تُربط بالخصب، بالرقة، بالتحول، وكلها صور حاضرة بقوة في القصيدة.
3. بلاغة التأنـيث في الترجمة العربية:
في اللغة العربية، استخدام “أنا التي” بدل “أنا الذي” يُضفي على الغيمة أو السحابة طابعًا أكثر حيوية ونعومة، ويمنح النص إيحاءً خصبًا وانسيابيًا يليق بصورة السحابة التي: تمطر وتُرضع الأرض، تحضن البراعم، تنام، وتطير، وتضم، وتبني، ثم تهدم، وكلها أفعال فيها شبه بالأمومة والأنوثة الشعرية، ما يعزّز اختيار التأنيث صوتيًا ودلاليًا. (حكمت الحاج).

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.