الكتاب من تأليف: جوليا كاسترتن
ترجمة: زيد الشهيد
( مقدمة المؤلفة)
لقد ألَّفتُ هذا الكتاب لأولئك الذين يريدون الكتابة؛ لأولئك الذين يشعرون أنَّ هناك كاتباً داخلُهم؛ وأنهم يأخذون الكتابةَ على محملِ الجدِّ، وعليهم ممارستُها يومياً. ….. وعلى حدٍّ سواء، اقول إنَّ هذا الكتاب هو لأولئك الذين كتبوا لكنَّهم الآن صامتون. وإنْ انتَ كاتب (حقّاً فإنَّ هناك نوع من الموت في عدم الكتابة). لذا عليك صنعَ بداياتٍ جديدة متعددة؛ لانَّ جميع الاشياء في حياتك قد تجعلك، لبعض الوقت، تخسر لسانك. آمل أن يكون هذا الكتاب مصدر تشجيع لأولئك الذين صمتوا للاستماع مرة اخرى الى صوت الكاتب داخلهم، ودعوة لهم ليتولوا مهمة بدء الكتابة من جديد.
الفصل الاول
لماذا الكتابة
لَطالما راودَني، في أحايينَ كثيرة، سؤالُ: لماذا الكتابة؟ وكنتُ صَرفتُ ساعاتٍ طوالاً اتحدَّثُ مع أصدقاءٍ لي، كتّاب وغير كتّاب، في ما يتعلق بالكتابة، مأخوذةً بفكرةٍ، استمرت تصاحبُني طيلةَ السنوات الخمس والعشرين الأولى المنصرمة من حياتي ، أنَّ كلَّ شخصٍ إمّا قد كتبَ أو أرادَ أنْ يكتُب روايةً ، على سبيلِ المثال. لكنْ ما أفشَت لي احدى الصديقات التي تشاركُني العملَ، وبعباراتٍ لا لبسَ فيها، أنَّ هناك عدمُ وجودِ رغبة في ذلك، ما جعلني أُبعِد هذه الفكرة نهائياً؛ أنا التي كنتُ افترضُ أنَّ صديقتي هذه كانت تَكتبُ في الخَفاء.
وإذْ كنتُ اتعقَّب الكتابةَ مُنطلقةً من رؤيةِ أنَّها مُمارسةٌ انسانيةٌ عالميةٌ تَتطلَّبُ العُزلَةَ والمكانَ الهادىءَ اكتشفتُ أنّ صديقتي بدلاً مِن ممارسةِ الكتابةِ كانت تتابع برامجَ التلفازِ أو تصرفَ الوقتَ مع صديقاتٍ لها بالجلوسِ في حانة (مقهى) كصورةٍ من صورِ النَّشاطِ الاجتماعي الذي يناقضُ الكتابةَ التي هي في صميمِها نشاطٌ انعزاليٌّ، إلاّ اذا ضمَّ مجموعةً من الكتّاب الذين يتناولون مَوضوعاً في حلقةٍ نقاشية. فالكتابةَ تتطلَّبُ، في أيِّ مكانٍ وزمان، أنْ تكونَ وحيداً في أغلبِ ما تكتُب، سَعياً لتحقيق جُهدٍ ذي شأنٍ تعتدُّ به، يُرضي غرورَك ويُشعِرُك بأهميتِك.
ومن الواضح أيضاً أنَّ الكتابةَ ليسَت عَمليةً طبيعيةً كما هو التنفّسُ ؛ وأنَّ اسطورة الكاتب الطبيعي/الفطري، الذي ينسج شبكةً معماريةً ضخمةً من شعرٍ أو نثرٍ رفيعِ المستوى انَّما هي كذبةٌ مُضلِّلةٌ حيثَ حَسناً فعلَ الكثيرُ من الكتّابِ من أجلِ محوِها . فقط يمكن ملاحظة هذه الرؤية، تظهر وبصورة فاعلة في كثير من الاوقات، في الأعمدةِ الأدبية ، والأفلامِ الشعبية حولَ عمالقةِ الأدب ، وحتى في السّير الذاتية للكتّاب. لا يَهُم كم هي احتجاجات الكتّاب واعتراضاتهم على ذلك، أمّا غيرُ الكتّاب فيبدو أنَّهم يستعذبون فكرةَ أنَّ الكتابةَ سهلةٌ ويسيرةٌ، وأنها بصيغتها النهائية ليست كِتاباً يتطلّب المَشقّة. وحدهم الكتّابُ المُدوِّنون، والوجدانيون، والمفكِّرون يعرفون كيفَ تكون مَشقَّة الكتابة .. ففي هذا الصدد عبَّرت سيمون دي بوفوار عن انزعاجِها الكبير عندما أدلى أحدُهم أنَّ بإمكانِ أيِّ انسانٍ كتابة “مُذكرات فتاةٍ مُطيعةٍ”… فاذا كان بمقدورِ ايَّ انسانٍ كتابةِ ذلك فلماذا هي الوحيدةُ التي كتَبت مثلَ هذا الكتاب؟.. من هنا ينبغي على الكتَّاب التصدّي لمثلِ هذا التحامل، ووضع ذلك في الحِسبان قبل مناقشةِ الكتابةِ مع معارفَ طارئين
إنَّ البشرَ، كما أعتقد، يكتبونَ لانَّهم بحاجةٍ لذلك… فلقد وصفت فلورنس دوريل الكتابةَ على أنَّها الطريقةُ المُثلى لنصبحَ أكثرَ شعوراً بإنسانيتنا. وهذه العملية يمكن أنْ تأخذَ شكلَ السَّمكِ الطائر مع بعضِ الناس، أو الملاكمةِ اليابانية، أو الزخرفةِ مع آخرين. أمّا مع الكتّاب فتأخذُ شكلَ الكتابة. إنَّها تتطلبُ مُتَّسعاً من الوقت لفَهم هذه الحاجة. وباعتقادي أنَّ أكثرَ ما نكتبُه، وما نتشبث به بقوةٍ هو ما نريدُ وما ينبغي التعبيرُ عنه.
في “غرفةٍ تعودُ لشخصٍ” تؤكّد فرجينيا وولف بالرغم من أنَّ ما يحوزه شخصٌ ما من الكتابةِ يمكن احتسابه بمثابة هديةً صغيرة؛ بيدَ أنَّ اخفاء هذه الهدية يشكِّلُ موتاً لها. لذا مهما تكُن الأسبابُ فإنَّ الكاتبَ يُضطَّر الى الكتابة؛ ومعه امكانيةُ كتمِ أو إخفاءِ ما كتب لعددٍ من الشهور أو حتى لسنوات، معتقداً أنَّ مادته ربما تكون ذات قيمةٍ أكبر وجديرةٍ بالاهتمام، بأقلِ السبل انانيةً مع تقادمِ الزمن . لكن مَن يستطيع اخبارَنا بحجمِ الضَّرر الذي نصنعُه لأصواتنا الكتابية عندما نُركنُها وبقسوةٍ إلى الصمتِ لفترةٍ زمنيةٍ طويلة؟
يوجد ثمَّةَ سحرٌ في الكلمات. فنَحنُ نخوضُ في كثيرٍ من الدوائرِ البرّاقة التافهة التي حولنا؛ وهناك الكثيرُ جداً من مَساحاتِ الورقِ الطباعي المُبهمةِ التي تجعلُنا ببساطةٍ ننسى الحقيقةَ الأولى، وهي الكلمات، ونسيانُ مقدرتِنا على التكلُّمِ والكتابة. هاتان المهارتان اللتان تجعلاننا نشعرُ بإنسانيتنا.. إنَّ الكلمات تعطينا التفوُّقَ والتميُّز على باقي المخلوقات والأشياءِ في العالمِ الطبيعي. وأولئك الذين لا يستطيعون الكتابةَ هُم أقلُّ مقدرةً مِن الذين يستطيعون. لأنَّ فعاليةَ الأسماءِ تقتصرُ على اولئك الذين يُصيخونَ السَّمعَ لها؛ والذين هُم في الموقعِ المباشر. فليس مِن السهولةِ الاتصال مع المجتمعات الأخرى أو معَ الذين لم يولدوا بعد، مثلما معَ الناسِ الذين يعرفون كيفيةِ الكتابة.. كان برتراند بريخت ينصح الناسَ الجائعين على تعلّم الأبجدية ، مُنطلقاً من أنَّ معرفةَ مهارتي القراءة والكتابة بمثابةِ خطوةٍ مهمّةٍ باتجاهِ أخذِ سيطرةِ الانسانِ على تفاصيل حياته .
إنَّ الكثيرَ من المجتمعات وبضمنها مجتمعنا فرضت العديدَ من العقوبات على اولئك الذين يتوقون الى القوة أو الفعالية التي تمنَحُها لهم الكتابةُ. ووجدت مجموعة القرارات أنَّ اهتمامات اولئك هي الضامنة اذا هُم دُعِموا بواسطةِ قوة العمل التي لا تعتقد بقرارةِ نفسها أنَّ هناك طريقةً متماسكةً كمثلِ تلك التي تُتيحُها الكتابة.. لقد أحرقَت محاكمُ التفتيش الاسبانية الكُتبَ، تماماً كما فعلت النازية. فالكتبُ تشكّل خطورةً لأنَّ القراءةَ والكتابةَ تورطُنا في ممارسةِ فكرةِ الحرية .
إنَّ الكتابةَ المُتخيَّلة سواء كانت شعراً أو رواية أو مسرحيات تخلقُ مَكاناً آخرَ يقطنه القراء، عارضةً عالماً بديلاً قادراً على تحدي العالم الحقيقي المُعاش. وهيَ، في المعنى الأساسي الغالب، ساحرةٌ: تنسجُ الالفاظ، وتصنعُ شيئاً من لا شيء.. يكتبُ وليم شكسبير :
الشاعرُ في نوباتِ جنونِه
ينتقل ببصره من السماء الى الارض، من الارض الى السماء،
فتصوِّر له مخيلته أشياءً مُبهمةً، قلمُ الشاعرِ
يحوّلُها الى أشكالٍ وهياكل، ويعطي من اللاشيء الفارغ
سكناً مَحلياً يقطنه ويمنحه اسماً
مسرحية “حلم منتصف ليلة صيف
الفصل الخامس، المشهد الاول
أمَّا مرغريت آتوود فتقول في قصيدةٍ لها بعنوان (تهجئة) :
تلعبُ ابنتي على الأرض
بحروفٍ بلاستيكية
حمراءَ وزرقاءَ وصفراء صلبةً،
تتعلَّم كيفَ تتهجّى،
تهجئةٌ،
تتعلمُ كيفَ تستطيع التهجئة .
وأنا اتساءل كَم من النساءِ حَرَمن بناتهنَّ،
لكنَّ البناتَ أغلقنَ عليهنَّ الغرفَ،
سَحبنَ السَّتائرَ
ورحنَ يسطرنَ الكلمات .
كلمةً، فكلمةً، فكلمة
حتى بَلغنَ المَقدرةَ وحقَّقنَ الاتقان .
هنا يبدو أنَّ موقفي شكسبير وآتوود بما يتعلقُّ بهذا السحرِ مختلفان . فشكسبير الشاعر في حالةٍ من الانفعال، واقعٌ تحت تأثيرِ روحِ الخَلقِ الفنّي الذوّاق؛ فقد تخيَّل شيئاً قبل أنْ يُحيلَ قلمُه الخيالات الى شخصياتٍ على الورقة .إنَّها بأكملِها تبدو تلقائيةً ، غيرَ واعيةٍ، وبسيطةً.. أما ابنة آتوود، مِن جهةٍ أخرى، والشاعرات اللاتي تتخيلهن آتوود فإنهنَّ يؤدين اشياءً مختلفة مع الكلمات. إذ البنتُ تلعب مع الحروفِ وتتعلم كيف تلفظُها. أمّا النساء فيغلقنَ انفسهن ويختزنَّ الرفعة التي تجيء من الكتابة بدلاً من قبول دورِهنَّ المكرسِ للحَمل ورعايةِ الاطفال. لذا تراهنَّ في صراعٍ مع ما يُتوقَّع منهنَّ ، فلا يخطرُ في بالهنَّ امكانيةَ أنَّ لديهنَّ الكَعكةَ، وقادرات على أكلِها أيضاً .
النساء والرجال والكتابة
تقفُ النساءُ والرجالُ موقفَ العلاقةِ المختلفةِ إزاء اللغة؛ وعلى النساءِ الكاتبات تذكُّر هذه الحقيقة في كلا الأمرين: الاول عندما يَكتُبنَ؛ والثاني عندما يتلقَّين قصاصةَ ورقٍ تُعبِّر عن الرفضِ من قبل الناشرين… وللبدء بذلك فإنَّ البنات الشابّات والنساء مَعاً يتمُّ اعلامهنَّ بصورة متكررة أنهنَّ يتحدثن كثيراً، ويعتدن استخدام الكلام السطحي، وأنَّهنَّ يثرثرن كلاماً فارغاً. والكلام الذي يتفوهن به يُعَد شيئاً بسيطاً وغيرَ ذي نفع؛ هكذا يقال. كذلك يقال أنَّ البنات أكثر براعة ولباقةً بالكلام الشفاهي من الاولاد، وبمقدورهنَّ التعبير عن الجوانب المعقدة بيسر وسهولة اكثر من تعبير الاولاد. اعتقد إنَّ التعبير النقدي أكثر أهميةً من كلمات الثناء التي غالباً ما يتم التعبير بها بعد الاستماع للبنات. إنَّ فتاةً تحترفُ الكتابةَ المستمرة انَّما تؤكِّد ذاتَها العظيمةَ. فهي تعبِّرُ عن نفسِها بمواجهةِ الحكمةِ الشعبية بما يتعلَّق بجنسِها.
إنَّ ما تكتبُه النساءُ مِن مقالاتٍ في المَجلات يُعَد أقلَّ مِمّا يكتبُه الرجال. فما السبب في ذلك؟ هل حدث شيء فضيعٌ لهاتيك الفتيات الصغيرات البارعات لفظياً عندما كبرنَ عُمراً؟ هل فقدنَ مِتعةَ قولِ ما كُنَّ يردن قولَه؟ أم كبرن ولمّا يزلنَّ يكتبن ولكنْ بدون جدوى؟ هل لا أحد يريد قراءة اعمالهن؟ هل الموضوعات التي يكتبن وببساطةٍ ليست مثارَ اهتمامٍ لرؤساءِ تحريرِ تلك المجلات؟ كم عدد رؤساء التحرير من النساء؟ تلك هي أسئلةٌ على النساءِ الكاتبات أنْ يسألنَها ؛ أسئلةٌ لا يمكن التهرُّبَ منها .
برغم ذلك تتغير الاشياء. ففي بريطانيا لدينا الآن ثلاثة دور نشر ملتزمة مع الكتابات النسوية وتتولى اثنان من شركات النشر على الاقل قائمة منفصلة من الكتب ذات الاهمية الخاصة بالمرأة. وهذه اخبار تُشَكِّلُ مبعثَ سرورٍ عن جيلٍ جديدٍ من النساءِ الكاتبات، ومع هذا يُعتَبر الأمرُ مُتأخِراً جداً لبعضٍ منهنَّ . لقد فقدنَ قلوبَهنَّ، وأخفين مخطوطاتِهنَّ وقُلنَ لأنفسهنَّ انَّهنَّ، بأيةِ حال، لم يكنَّ كاتباتٍ بحقٍّ
ومع ذلك؛ لا يمكن القول أنَّ الكتّابَ الذكورَ لا يساورهم مثل هذا الشعور ويتيسر لهم ما يريدون بسهولة وبساطة. فالعثور على ناشر يمثل صعوبة يجابهها كلُّ الكتاب. وندرك من خلال الرسائل والمذكرات لكثير من الكتاب المُهمّين كجيرارد مانلي هوبكنز وجوزيف كونراد وهيرمان ميلفل كيف كانت معاناتُهم حين لم تُحقِّق كتاباتُهم رِضا الناشرين، لكنّي أعتقد جازمةً أنَّ النساءَ فوقَ ذلك كُنَّ يُعانَين من انكارٍ قاسٍ لقدراتِهن بمجرد ان يتكلمنَّ أو قبل ذلك، بجعل فعل الكتابة بالنسبة لهن في المقام الأول، واعتباره نوعاً من التمرد.
الكتابة والصراع writing and conflict
يمكن للصراعِ والتمرُّد أنْ يؤديا دوراً خلاقاً في تكوين الكاتب عندما ندرك كيفية توظيفهما . فمن خلال الكلمة المكتوبة يؤكد الكاتب أو الكاتبة الفرق بينه وبين غيره من الناس ، وبين غيره من الكتّاب أيضاً . أفصح فيليب لاركن “في الكتابة المطلوبة” أنَّ جزءً من العمل الذي كتبه هو أن لا احد غيره كتب ما اراد قراءته، وأنَّ وليم بتلَر ييتس ادَّعى أنَّ البلاغة تتشكَّل من خلاف المرء مع الآخرين بينما الشعر يتشكل من خلافه مع نفسه. إنَّ الخلافات والصراعات التي نمتلكها داخلنا تمتلك ايضاً قوةً انتاجيةً ثريةً للكاتب
فكِّر مليّاً في الكاتب المفضل لديك؛ فكِّر في جميع الكتب التي كتبها الكاتب أو الكاتبة هل تجد عقدةَ الصراع التي يحاول الكاتب كشفَها ومن ثم ربطها مرةً اخرى؟ هل تجد ذلك عندما كتب ادريا رج “مَيري كوري”: ” أتت جراحُها من نفس مصدر قوتها؟”
إنَّ عقد الصراع المندلقة من احشاء الكاتب على الورقة قد لا تصنع قصيدة أو قصة يتمنى الآخرون قراءتها ، لكنْ لابدَّ على العديد من الكتاب المرور عبر عملية الاندلاق كي يعلموا ما عليهم أن يطرقوا في شكل كتابتهم . ان الكلمات تخرج بشكل مختلف على الورق عمّا نتخيلها في رؤوسنا. نكتشف انفسنا من خلال شكل الجملة. إنَّ تحويل العقد لدينا إلى اشارات على الورقة يخلق نوعاً من الانضباط. شيء ما في الداخل يقول: “لا يمكنك قول ذلك بهذه الطريقة. إنَّه لا يحقق المُراد.” وهكذا نعمل على تغييره. حتى عندما نشرع في الكتابة نجد انفسنا تجري اتصالاً مع المشاعر لغرض ضبط الايقاع والاسلوب. وفي وقت لاحق سنقوم بمراجعة الكتابة ومعاملتها بصرامة اكثر. سنقوم بمهمة التقليم، تخفيف الوزن، اعادة الترتيب حتى يتماسك كل جزء مع الجزء الآخر، ويتحقق الاصطفاف الصحيح. وهذا يعني تثبيت ما نريد ان نعنيه .
الاستعداد للكتابة
في كتابه “حقيقة منفصلة” يكشف كارلوس كاستيندا أهمية ما يسمّيه “العثور على موقعك” قبل ان تتمكن من البدء بتعلم اي شيء. إنَّ ايجاد مكان مناسب لممارسة الكتابة، كمكان عملي سواء كان غرفة في بيت، أو طاولة ، أو منضدة، أو كرسي مريح أو مكان متخيَّل هو من المتطلبات الاساسية الحاسمة لتمكين صوت الكتابة من النمو والتطور. وعلى الكتابة ذاتِها ان تكون محط رعاية. ضع في حسبانك أنَّ الكرسيَّ ذو أهميةٍ، تماماً مثلما ليس من السهولة العيش تحت سقف قابل لتسرب الماء. لذا لن تقدر على الكتابة وأنت جالس على كرسي غير مريح. فكِّر في الضوء الذي يسقط على الورقة. هل هو ساطعٌ بما يكفي ؟ هل يضيء وأنتَ تكتب كما ينبغي؟. كذلك ضع في حسبانك الورقة التي ستكتب عليها. اشترت “كوليت” الورقة التي ينساب عليها القلم بسهولة. إنَّ هذه الامور ليست تافهة أو غير ذات اهمية. فهي من اللوازم المادية لحياة الكاتب، وهي المؤثرة على كتاباتك
عندما نجرب رغبة الكتابة لأول مرة يكون صوتُ كتابتنا خجولاً وضعيفاً ومحتاجاً وناقص التغذية. لهذا نحتاج لتغذيته وجعل الكاتب نفسه يعرف أنَّ ذلك ذو اهمية بالنسبة لنا
نحن بحاجة الى وضع الزمن على مقربةٍ بصورة متعمدة كي نتعامل معه، ونستمع اليه. ينبغي على الكاتب فينا ادراك أننا نجعله ذات اولوية، واننا على استعداد للسماح للالتزامات الأخرى بالمضي من أجل اعطائه دوراً، وتغذيته، ومنحه موقعاً مركزياً في حياتنا. وعندما اريد وصف الكاتب هذا أكون كما لو أنني أصفُ طفلاً. وذلك هو المقصود تماماً .
عندما تكون مستعداً للكتابة فكِّر باهتمام بما تحتاجه، فكِّر بما سوف تعمل على تغذية طفل جائع. وقتُ الكتابةِ هو وقتُك. انَّكَ تحتاج الى المطالبة به لنفسك، وفي كثير من الأحيان ضد مطالب الآخرين. في بعض الاحيان يساورك شعور انها كالاستراتيجية العسكرية، وبغية التعامل معها عليك اتباع الطريقة التالية: ضع خطة متقنة لأخذ القلعة التي هي قلعتك المتخيَّلة الخاصة بك، أخذ الصمت الخاص بك، البيت الخصيب على الرغم من خلفية المهام والالتزامات اليومية المناطة بك. وساعة تبدأ بالشعور بالذنب ذكِّر نفسك انها من أجل الطفل .
قد تحتاج لتوجيه جملة من الاسئلة على نفسك مثل “متى من المرجح امتلك بعضا من الفراغ لنفسي؟ متى على الارجح أكون هادئاً؟ هل احتاج لمغادرة البيت، وهل لدي الوقت الكافي في البيت فيما الآخرون يصرفون مثل هذا الوقت خارج بيوتهم؟ هل بإمكاني الكتابة حين يكون الاشخاص الآخرون حولي؟.. أنا أجدُ من الحكمة جعل الناس يعرفون انني منهمكٌ في الكتابة وأنني احتاج الى العزلة. على الآخرين تعلم احترام حاجتك للعزلة اذا كنت ما تزال متمسكاً بالحفاظ عليها. تذكَّر: إنْ كنت تأخذ هذا الأمر على محمل الجد فالآخرون سيتقبَّلون ذلك .
فتح باب المخزن
هذا هو التمرين الاول في كتابنا هذا، وبصورة مؤكدة الاكثر اهمية . فهو يشكل محاولتك لاكتشاف ذاتك الكاتبة، اكتشاف حاجاتها، انعدام الامن لديها ، وايضاً اكتشاف نقاط قوتها. إنَّ الغرض من التمرين هو من اجل الشروع باكتشاف سبب تعلقك بلغة مكتوبة في الطريقة التي تقوم بها، واطلاق اول الاختبارات في طريقة فريدة من نوعها لفهم نفسك، وفهم عالمك. اسأل نفسك هذه الاسئلة :
ما هي بواكير ذكرياتي في النطق والكتابة؟
مَن اتذكَّر مِمَّن تحدثت معهم كثيراً حين كنتً صغيراً؟
هل علاقاتي بالدرجة الأولى مبنية على الصراع أم الانسجام؟
أيُّ شيءٍ اذكَرُه يتعلَّقُ بالكتابة؟
ما هي الكلماتُ غير المسموح التفوّه بها؟
هل لدي ذكريات مُبكِّرة لسوء التفاهم اذ قلت شيئاً ربما أسيءَ فهمه فولد نتائج محرجة ومؤلمة من قبل صديق أو فرد من العائلة أو من مدرس؟
معَ مَن كنتُ أشعرُ انني منفتح وواثق بالتعبير عن نفسي من خلال الكلمات؟
هل ثمّةَ اختلافٌ بين الشعورٍ بالقدرة على التحدث به والشعور بالقدرة على كتابته؟
إنَّها لأسئلةٍ تصعب الاجابة عليها. لهذا كُن مستعداً لأخذ الوقت الكافي، والحفر العميق. إنّها ليست سباقاً أو تنافساً إنما هي عملية اكتشاف أو لحظة اظهار صوت الكتابة الخاص بك. اكتب افكارَك الاولية التي تتشكَّل في رأسك وتتبَّع الى أين تتجه، ومعها حاول وبتركيز الإجابة على جميع الاسئلة .
عندما تكتب الملاحظات حاول صياغتها بنثر سردي في صفحتين أو ثلاث.. وإنْ اردت جعلها قصيدة شعر في النهاية عليك أن تكتبها نثراً أولاً للتأكد من أنَّك فصيحٌ في مشاعرِك وتجاربِك التي طفت على السطح. لقد كتب ييتس قصائده بطريقة النثر أولاً: إنَّه التقيّدُ بالانضباطِ في العمل. إنَّ التمرينَ بمجموعِه، مِن بدايتهِ الى نهايته، يجب أن يأخذ ساعتين، مع تكريس الكثير من الوقت في البداية، تماماً بمقدار الوقت المكرَّس للتفكير. كُنْ مُستَعِدَّاً لتجعل نفسك وسط حلم يقظة. تنازل عنها لذكرياتك تماماً كما يستسلم نومك الى الحلم. حاول حمايةَ نفسِك من جملة الاعاقات، ولا تدع القلق يساورك عندما لا يكون ثمَّة مفرٌّ من الاعاقة. أدّي ما عليك اداؤه، ولكن كن مع الذكريات. اجعلها تترسخ في وعيك عندما تكون بعيداً عن منضدة الكتابة. فالانقطاع عن الكتابة ليس دائماً بمثابة البلاء. ففي بعض الاحيان اجد أنَّ افتقاد الارتباط بالكتابة يكسر السطح سعياً لإدراك الهواء.. يحدث هذا عندما اكون اوقفت التفكير بالكتابة . عندما تصنع لك حيّزاً مادياً، منضدة او طاولة، ستجد أنَّ الحيّز الجواني يشرع بالانفتاح على الخيال. ستتعلَّم كيف تمسك عملَكَ بنفسِكَ حتى وانت تُمنَع من أداء ذلك. لقد احتفظ الكسندر سولجنستن بالكثير في ذاكرته يوم كان في “معسكر العمل” وقد استطاع تخزين ذلك. وكانت قابليته على التخزين لا تتعب ولا تنضب؛ فكتب كل ذلك عندما اطلقَ في ما بعد. اذا كان هذا ممكناً لديك فبإمكانِك أنت بالتأكيد استعادة ما جرى وقت الانقطاع دون الخشية من فقدان ما أُختُزِنَ في الذاكرة .
حين تنتهي من الكتابة ضع ما كتبت جانباً ليومين أو ثلاثة. اترُكُه، لا تطالعه. وبعد ذلك الوقت، وبعدما تترك ما كتبت في هجوع سيكون لك مطلق الحرية في كتابةِ شيءٍ آخر . ولكن وبينما تكون قد فصلت نفسك عن عمِلك ذاك أُفضِّلُ القاء نظرة من جانبِكَ على المقتطَف الآتي:
لقد طوَّرَت طريقة استخدامها لسوط الجلد : تقف والمفتاح بيدها. ستأمرني للمثول امامها . وسوف اقوم بالتوسل أو البكاء أو الهرب ؛ لكن في النهاية كان عليَّ الامتثال. ودون أن تحكم قبضتها عليَّ؛ اجبرتني على الوقوف في بقعة كما اشاء وراحت تجلدني على جميع جوانب جسدي. ثم بعد ذلك وفيما انا مستمرةً في نشيجي كما ينشج الاطفال ستأمرني بالتوقف والّا “ستجعلني ارقص مثلما يفعل راقصو الجاز ” [ تقافزاً من الالم ] . اذكر مرة اني لم استطع . فما كان منها الا وهي بضربة واحدة فوقي – فوق الرأس، اسفل الظهر، على ساقيَّ العاريتين، وفي خضم ذلك العنف والارهاب عدوتُ نحو البيت صارخة وطالبة النجدة من أبي. وبعد، ماذا سأقول لأبي.. كنتُ صغيرةً لا استطيع التعبير عما حصل لي. ومن جانبه لن يصدقني أبي
واستمرت أمي باعتقادها انني اكذب. لكني لم اكن أعرف الكذب. لم اكن على معرفة جليّة بما هي الحقيقة وما هو الوهم. لم استطع معرفة ذلك بوضوح. إذ بالنسبة لي أنَّ الرياح في قمم الاشجار كانت بحق تحمل القصص على ظهرها، وإنَّ العصفور الاحمر الذي جاء لشجرة الكرز التي في بيتنا اخبرني أشياءً كثيرة، الازهار المخملية الممتلئة التي في الغابة كانت تضحك، وأنا أجيب ، العجل الصغير في الحقل استمر بمحادثات طويلة معي
لكن في النهاية تعلَّمتُ معرفة ما يكون الكذب؛ ولأجل حثِّ امي على ايقاف جلدي بقولي انني كنت اكذب. سأقول لها نعم لقد كذبت وإنَّني آسفة، وبعدها سوف تجلدني بالسوط لامتناعي عن الاعتراف لفترة طويلة. وبمضي الوقت ولتجنب عقوبة الضرب تعلمتُ كيف اخبرها فقط بالأمور التي اعتقد انها تتقبل سماعها .
” لدي طفلة عنيدة وكاذبة اسمها “ماري” كانت تقاطع الغرباء أو الجيران، في البداية كنت اشعر بالذل وانا اذرف الدمع، بعدها اصبحتُ صلبة؛ وفي ما بعد تقبلتها كحقيقة، وبتُّ لا انكر ذلك حتى .
إنَّها احدى معاناتي الاكثر شدة في حياتي التي تعلمتها لقول الحقيقة .
أكنس سميدلي
ابنة الحقيقة
ذكِّرني كيفَ كنّا نُحبُّ جسدَ أمّنا
وكيف امتصت افواهنا
أول حلاوةٍ رقيقة من حلمتيها .
***
ووجوهنا تغرق في الحلم ساعةً فساعة
في رائحة ملح حضنها الحاني.. ذكّرني
كيف كانت لمستها تذيب أسى الطفولة .
***
كيف عامت عظيمةً وحانيةً في حلكَتِنا
أو وقفت حارسةً فوقنا
إزاء رغبتنا .
***
وكيف اعتقدنا أنها أحبَّت
جسدَ الرجلِ الغريبِ أولاً
ذلك أخذَ ، ذلك أخذ ما هو لنا فاستحال قانوناً
***
وكيف دفعتنا الى البكاء
بفعلٍ ذلك القانون
وكيف استعدنا لقاءها في رؤى ولادتنا .
***
مُنتصِبٌ ومُعَّظَمٌ فوق
درج حلزوني
وزاحف ، ولاهث نحوها
***
اعرفُ، أذكرُ، لكن
أمسكني، ذكِّرني
بكيفَ جُعلَ لحمُها الانثوي مُحرَّماً علينا
ادريان ريج
اسرار الأشقاء في “حلم لغة مشتركة
كلا الكاتبين يعملان على كشف العلاقة المبكرة، والصراع، وسوء الفهم داخل هاتيك العلاقة ، والمشاعر المفزعة للخسارة التي تنشأ حين يتم، بأية حالةٍ من الحالات، حرمان المرء من أمه. تتحدث ” ماري”، بطلة أكنِس سميدلي عن حاجتها للتصرف بغية إسكات أمّها وايقافها سعياً لحماية نفسها من قسوة غير اعتيادية بينما تعمل ادريانو ريج على الشعور بالفصل جراء الحرمان الثقافي للام والذي يدفع الى انصراف البنات عن أمهم وتوجههنَّ صوب ابيهم
إنَّ تجاربك المبكرة تشكل الوريد السخي – او هو يود الأم – الذي يُمكِنُكَ من تعلم كيف تمارس الحفر بنفسك للوصول الى المادة النوعية الفاخرة. وما تفعله مرةً بتلك التجربة التي تستخرجها الى السطح تعتبر مسألةً أخرى، إذ يكفيك الآن الاقرار بأنها هناك موجودة فتعمل على التوجه للشروع باكتشاف وسائل الحصول عليها .
مُفكِرِتُك (كراسة الملاحظات )
اعتقد انك وجدت ان هذا التمرين انتج المزيد من الافكار والصور والآراء التي كنت قادراً على استخدامها في ما كتبته أخيراً. لا ترمِ ايًّ منها بعيداً: فلطالما صنع الكتّابُ ملابس جديدة من الملابس الرثة. انقل كل الافكار والصور التي تحبها الى مفكرة تحملها معك على الدوام، ذلكَ أنَّ الافكار لا تطرق بابَ ذهنك بسهولةٍ ويسر. مُفكِّرتُك ينبغي ان تكون صغيرة بما تسعها حقيبتُك أو يستوعبها جيبُك، وليكن لها غطاءٌ ثابت بما فيه الكفاية لتجنب تلَفِها. سجَّل فيها كلَّ شيءٍ تتخيله أو تولَع به سواء كانت كلمة، أو طريقة جديدة لوصف لون ما، أو عملٌ معين رأيتَ انه يؤدي الغرض الذي تَوَد وصفَهُ بالتفصيل وتجده جديداً .
مفكرتُكَ هي الأداة التي تمكنكَ من تلقي أيَّةِ تجربة، وأيَّةِ ملاحظة ، وأيَّ احساس مادِّي وتحويله إلى شيءٍ يمكن أن يكون مشتركاً مع الآخرين. في كلمات “آنا أخماتوفا” يُستَجَدُّ اسلوبٌ لـ ” حمل الشهود للكثير من المشتركات”. فكلِّ مجتمع يحتاج لشهودِه: اولئك الذين لا يخشون من تقديم المساعدة والحفاظ بكلماتٍ على نطاق معين، وضمن حدود الخبرة الانسانية لذلك الزمان، وذلك المكان. عندما وقفت أخماتوفا في صفِّ على امتداد 17 شهراً خارج السجن في لينينغراد، منتظرةً أخباراً عن ولدها، سمعت امرأةٌ اسمهَا فاقتربت منها وقالت: ” أتستطيعين وصفَ ما يحصل؟”.. وكان ردُّ الشاعرة:” أستطيع”. تلك المرأة كانت بحاجة الى الشاعرة، فالقصيدة يجب أن تُكتب لتؤكِّد معاناتها التي لا حصر لها، وأن لا تواجه الاهانة بالصمت . الكتابةُ هي وسيلةُ تكريمِ العالم الذي نعيش فيه ؛ وهي حياة هذا العالم وموته .
الكتابة بعموم الذات
غالباً ما يردِّد الكتّاب الجدد ” حَسنا، أنا أكتب الآن. لقد شرعتُ بالكتابة ؛ لكني عندما انظر الى ما كتبت اشعر انني لم اكتب كلَّ ما أُريد. هناك بُعدٌ مفقود . ليسَ ثمَّةَ عمقٌ.”.
اعتقد أنَّ السبب لمثل هكذا مشكلة هو أننا، في العالم الصناعي الغربي، نعيش كما لو كنّا بلا جسد . نصرفُ نصف الوقت كأنْنا بدون اجساد… لا نفكر بأجسادنا إلا عندما تسبب لنا القلق، أو كنا جائعين أو في حالةٍ من الألم ويعترينا عارضٌ صحي.. اذا اردنا ان نكتب وتوخينا لكتابتنا تحقيق العمق والثراء اللذين نرغب يجب أن لا نتغاضى عن أهمية الجسد.. يجب ان نتعلَّم كيف نتكلَّم بكاملِ جسدنا وليس من خلال عينِ عقلنا. فالعينُ هي، بعد كلِّ ذلك، الاكثر ارتباطاً بالدماغ، وهي العضوُ الاقلُّ حساً. فاذا كتبنا من خلال أعيننا وحدها فإننا سنعرض عالماً صامتاً بلا تركيبة؛ عالماً تنعدم فيه الرائحةُ، وينعدم فيه الطَّعمُ.
اعتقد ان عليك أن تجد وأنت تبدأ الكتابة من خلال حواسك أنَّ كتابتَك نفسها تتحول الى شيءٍ اكثرَ حيوية .
قُم بتأديةِ التمرين التالي، ثم حاول توجيه مشاعرِك في اصغاء يحقق نفعاً لكتابتك المستقبلية.. سيستغرق هذا التمرينُ خمسةَ أيامٍ .
في اليوم الاول، ركّز على حاسة لمسِكَ فقط. فكِّر من خلالِ اصابعِك، فكِّر من خلالِ بشرتِك. كُنْ على بيّنةٍ من كلِّ كائنٍ، من كلِّ ملمسٍ، من كلِّ تيارِ هواءٍ يتماس جسدُك معَه. اجعلْ سطحَ جسدِك متأهباً لكلِّ مُحفِّزٍ، للطافةٍ الجوِّ من عدمِه. بعدها، وفي نهاية اليوم اكتبْ خمسمائة كلمةٍ. اكتبها كلماتٍ مُعبرة عن مشاعرِك عن ما تلمَّسته وتحسَّستَه.
في اليوم الثاني فكِّر من خلالِ شعورِكَ بتذوّقِ الأشياء. بالإضافة الى ما هو واضحٌ وجَلي في معرفةِ الطعامِ والشرابِ اعملْ على اظهارِ لسانِك خارجَ فمِك كي تكتشف ماذا يشبه طعمُ الهواء. هل للمطرِ طعمٌ؟ بماذا يشبه طعمُ الجلد؛ وما هو طعمُ طابوق البيت ؟ .. لا تأكل أيَّ شيءٍ خطير؛ لكنْ حاولْ توسيعَ نطاقِ الأشياء التي تعرف طعمَها جيداً. وفي المساء اكتبْ حول ذلك.
في اليوم الثالث اجعل أنفكَ عضوَ الذكاء الرئيس. تخيَّل أنَّك كلبٌ؛ ما الذي بمقدورِك اكتشافه من الروائح التي حولك؟ اتبعْ أنفَكَ لمعرفةِ الرائحةِ التي تشتهي. ماذا تُحب أنْ تَشُم ؟ ما الرائحة الذي تُثير نفورَك؟ حاول التمسَّكْ بجميعِ هذه الروائح حتى المساء. ومن بعدها تستطيع ايصالَها الى الورقةِ الفارغة .
أما اليوم الرابع فكرّسه الى حاسةِ السمع. ولا تقلق لما سيقول عنكَ الناس، مرَّسه على سماعِ نبرةِ اصواتهم، على تجشِّئِهم، على تحركِ مَجرى تنفسِهم. اصغِ لِحفرِ الطريق، لِما يتناهى من صوت شاحنة، لتَغريد النعار*.. استمع لهؤلاءِ باهتمام. ولا تقطع اهتمامَك بهم كما تفعل عادةً. ثم بعد ذلك، ماذا تُحب أنْ تسمَع؟ لماذا تتعلَّق بولهٍ وشغفٍ بأصواتٍ تجدها عذبةً؟.. مَرَّةً أخرى أُكتُب عن كلِّ هذا في نهايةِ اليوم .
وأخيراً، في اليوم الخامس، نأتي الى الرؤية، الى المغزى الأكثر انسانية، ذلك الذي يتفوَّق عليها جميعاً . طالعْ الحركةَ، حركة الجسد وهو يمشي؛ طالعْ اللونَ، الضوءَ وانماطَ التحول. طالعْ الظلامَ. انظرْ لكلِّ شيءٍ؛ ثم ضعْ ذلك على الورقةِ في المساء.
التشبيه والاستعارة (المجاز)
في التمرين أعلاه، بإمكانك استخدام التشبيه والاستعارة دون ادراك ذلك. وسيكون من المفيد لك بجعل استخدامك لهما بصورة واعية، تجنباً للابتذال، الذي يُعد دودةٌ في بُرعمِ كلِّ كاتبٍ .
التشبيهُ يُنتَجُ بواسطةِ كلمة مثل “يشبه” أو ” كـــ…. ” . فهو يُشكِّل وسيلةً لإثراءِ الوصف من خلال عملِ مقارنةِ شيءٍ مع شيءٍ آخر. فعلى سبيل المثال :
قلبي يشبهُ عصفوراً يغني
كريستينا روسيتي
إنَّ جذر كلمة ” استعارة metaphor” جاءت من الكلمة الاغريقية ميتافورا metaphora التي تعني “نقل” أو “ترحيل”. وهي تَحدُثُ حين يُخصِّص الكاتبُ اسماً أو مصطلحاً وصفياً لكائن لا ينطبق عليه الوصف حرفياً؛ أو عندما تُنقَل كلمةٌ ما من استخدامِها الطبيعي الى استخدامٍ جديد ؛ فمثلاً :
كانَ الاولادُ والبناتُ في الشارعِ يتشقلبون،
ويلعبون، جواهرَ تتحرك.
توماس تراهيرن
لم يكونوا “جواهر” حرفياً وفعلاً لكنْ بسببِ حركاتِهم الوامضة المتلألئة وحيويةِ اجسادِهم جاء استخدامُ “جواهر” مَجازاً .
وبهذا يأتي استخدامُ التشبيه والاستعارة لتشكيلِ جسرٍ بين الخبرةِ التي يمتلكُها الكاتبُ ويسعى لنقلِها، والخبرة التي يمتلكُها القارئ .. ولقد أرادت كريستينا روسيتي نقلَ شعورِها الخاص المعبِّر عن البهجة الغامرة. لم تقل “أنا أشعر بالبهجة الغامرة.” بل قالت ” قلبي يشبه عُصفوراً مُغرِّداً ” الذي هو قولٌ أشدُّ قوَّةِ وبلا حدود.. ولكن لماذا؟. اعتقد أنَّ “البهجة الغامرة” تصفُ الخبرةَ بتعبيراتٍ مُجرَّدةٍ أو معنوية. قد يُثير ما كانت تعنيه التباساً فينا، لكنّنا لا نشعر أنَّه يَخصُّنا نحن.. وبالرغم من أننا جميعاً ندري كيف يجعلنا العصفورُ نشعرٌ حين يُغرِّد، وبإمكانِنا تخيل ما يَشعر به العصفور عندما يُطلق اغنيتَه في الهواء . التشبيهُ مع المَجاز. لم يكتب توماس تراهيرن ” كان الاولاد والبنات في الشارع يتشقلبون، ويلعبون، يتقلبون بهذه الحركة أو تلك: محدثين شتى الاضواء العاكسة التي خلقت داخلي حالة من الابهار. ” إنّ قول ذلك يتسبب بالإرباك تماماً. إنَّه يُجبِرُنا على استحضارِ شيءٍ نستطيع رسمه من قبلنا بكلِّ ما يعني: التأثيرُ الجامحُ للألوانِ البراقة، الصدمةُ والسرورُ، وما يُحدثه كلُّ هذا عندما تتحرك الجواهرُ. ومن هنا فإنَّ استخدامَ الاستعارةِ والتشبيه من قِبل “روسيتي” و “تراهيرن” كلاهما دفعا بالقارئ إلى العمل بجديَّة، وأجبراه (القارئ أو القارئة) على اعطاءِ شيءٍ منه أو منَها إلى النص . إنّه الجهد الذي يساهم فيه الكاتب والقارئ ضماناً لتحقيقِ تبادل المَشاعِر .
عند هذه المرحلة عليك التوجِّه من خلال التمرين إلى المعاني. ضع خطاً تحت ما كنت قد استخدمت من تشبيه أو مجاز . اكتب جميع مجازاتك وتشبيهاتك على قطعة منفصلة من الورق. أمّا المرحلة التالية فتعتبر مهمَّة تعكس قدرتِكَ على التقييم والتقويم وتحسين عملك الخاص بك. امض عبر كلَّ تشبيه وكلَّ استعارة حسب دورها ؛ ثم سَلْ نفسكَ :” هل سمعتُ هذه من قَبل؟ أهي مألوفةٌ؛ أهي مستهلكةٌ؟ أم هي جديدة الاستخدام”. فاذا كانت جديدة وغير مألوفة فسيَعتريكَ شعورٌ باللذة الطبيعية. عندما اصادفُ استعارةً جديدةً توسِّع فَهمي وادراكي يساورني شعور بالهناء. اعرف ان شيئاً جديداً جرى، وانني اُجبرتُ على اقامة علاقة لم أقم بها من قبل. وفي حالة ان التشبيه او الاستعارة تتركك تشعر بنفس ما شعرت تماماً؛ أو أنها لا تحرك فيك الشعور، عندها يمكنك العمل على تحسينها وتطويرها . اعمل على جعل هذا الجانب من كتابتك أقوى وأقوى، وأقل توقّع . كلمة واحدة أقولها للتحذير: كتابتك ستصبح مثار للسخرية إنْ حشرتَ عدداً من الاستعارات مَعاً. إنَّ الاستعارةَ تُنتِجُ تأثيراً جليّاً على القارئ لكنَّ ذلك التأثير سيصبح مُربِكاً وضعيفاً في تأثيره إنْ استخدمتَ الكثير منها في النص أو عندما تمزج وتخلط هاتيك الاستعارات .
وإليكَ هذه الأمثلة الباعثة على الأسى :
إنَّها نجمةٌ في مهدها تغني بكفٍّ قبطان.
أشمُّ فأراً في الهواء : سأقوم بوأده في مهده .
الخاتمة
لقد حصل تقدم هائل على امتداد هذه التمارين. تقدم ينبغي ان تكونَ على ادراكٍ ووعيٍ واستيعاب تام به. انظر مرةً أخرى إلى أول قطعة كتبتها . فمنها ابتدأت بإجراء اتصال مع ذكريات الصراع والمشاعر القوية التي لن تُقَّدر بثمن في كتابتكَ المستقبلية. بعدها انظر الى تمرين اليوم الخامس على الحواس؛ وهذا قد يمكنك من البدء بالكتابة مقرونةً بالمعرفة التي استخلصتها من جسدك كله، بدلا من المعرفة البصرية المجردة التي تتحقق من خلال عينيك، فسبَّبت لك اكتشاف تعريف مرﮔـريت آتوِد للاستعارة بنفسك :
عندما الكلمة تتجزأ وتتضاعف وتتكلَّم الحقيقةَ، والجسدَ نفسُه يستحيلُ فماً .
اترك رداً على Bave Baran إلغاء الرد