كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الرّوائي التونسي نزار شقرون: أكتب ضمن “الرواية المعرفيّة”، وأتصدّى لـ “مجتمع المثقفين” و”النخَب العربيّة”..

الرّوائي التونسي نزار شقرون: أكتب ضمن “الرواية المعرفيّة”، وأتصدّى لـ “مجتمع المثقفين” و”النخَب العربيّة”..

حاورته: عواطف محجوب *

من قلب تونس العريقة ينبثق صوتٌ أدبي صادق، يجمع بين عبق التاريخ وروح التجديد. يُعد نزار شقرون أحد أبرز الأدباء التونسيين الذين استطاعوا أن يحولوا الكلمات إلى جسور تواصل بين أجيال الحالمين والباحثين عن الحرية والهوية، وذاع صيته العربي مشرقا ومغربا. تميزت رواياته بمزيجٍ فريدٍ من النقد الاجتماعي والسحر اللغوي، حيث تتشابك الأساطير مع الحقيقة، وتتداخل الأفكار الفلسفية مع نبض الشارع. بجرأة متجددة، استطاع نزار شقرون أن يرسم بلسماً لكلماتنا، محولاً كل جملة إلى تجربة حسية تنطق بالإبداع والتأمل. تُعتبر أعماله مرآةً تعكس هموم الجيل الشاب وإصراره على تجاوز القيود، لتصبح كل صفحة بوابةً لعالم يتحدى الزمن والمألوف.
في هذا الحوار الصحفي الذي نجمع فيه آمال القارئ وشغف الإبداع، نكشف الستار عن رحلة أدبية حافلة بالتجارب والإنجازات، رحلة جعلت من نزار شقرون رمزاً للحداثة والتجديد في الأدب التونسي المعاصر، ورائدا للحكاية المعاصرة بوصفها جسرا بين الأصالة والحداثة.
التقيناه بمناسبة تنظيم “فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات” ندوة نقدية عن منجزه الروائي شارك فيها ناقدات ونقاد من تونس والعالم العربي، صائفة 2024، فكان هذا الحوار:/

– أنت صاحب فكرة وجود “باب مفقود” في كتاب “كليلة ودمنة” لابن المقفّع، قمتَ بوضع هذه الفرضيّة في عملك الروائي “دم الثّور، الباب المفقود من كليلة ودمنة”، ومن المؤكّد أنّك اطلعت على كل التحقيقات والبحوث المتعلقة بالكتاب، وحتى النسخ المحققة الموجودة لدينا للتوصّل إلى هذه الفرضيّة، فهل الكتابة الروائيّة لديك بحثٌ وتنقيبٌ في التاريخ الأدبي؟

– لكلّ رواية حكاية، ومرحلة فارقة تستدعي السّؤال عن الدافع للانشغال بموضوع دون غيره. لعلّي في تلك اللحظات الفارقة لكلّ عمل أدبي أكتبه، أقوم بعمل يشبه الحفريّات، تلك هي طريقتي على مرّ سنوات، ولم تخرج روايتي “دم الثّور” عن هذا التمشّي. لقد عاشرتُ طويلاً كتاب “كليلة ودمنة” لابن المقفّع، قرأته مثل أجيال، ودرّسته في المنهاج الأدبي في التعليم، وحينَ انكببت منذ فترةٍ على استعادة قراءة الكتب التراثيّة، عاودت قراءته بشكل مختلف. لاشكّ فإنّ السياق غير السياق وأدواتي اختلفت عما كنت أكتسب قبل عقود، والأهمّ أنّ بصيرتي صارت مختلفة. عادةً ما تقع القراءة بالفكر، أزعم أنّني أقرأ بالعين. لذلك أترك للعين التي “تفكّر” وتحدس” أن تلتقط ما هو موجود في الكتاب، ومتسلّل إلى ثناياه ولكنّه في مقام “ما لا يرى”. هذا ما استفدته من النقد الفني للأعمال الفنية، كلّ نصّ “بصري” حتّى “المكتوب” هو نصّ بصري في أوّل تشكّله، يحملُ لامحالة تلك القدرة على احتمال “عالم” لا يرى بشكل مباشرٍ. وذلك الطريق الذي ترسمه العين بالتأمّل، وبما تمتلكه من أدوات، لا يُعنى بـ”التأويل” بل هو نقيضه، إنّه يتعلّم “الإنصات”، لذلك دائما ما نقول على رأي الشاعر بول كلوديل بأنّ “العين تنصت”.

– وكيف تهيأت لكتابة هذه الرواية، وما هي العدة الكتابية التي استعملتها؟

– تسبقُ الحفريات أيّ عمل روائي، هي معنيّة باستدعاء ما كتب عن “كليلة ودمنة” دون شكّ، والأهمّ بمراجعة التحقيقات، ورحلة الكتاب ودراسة سيرة ابن المقفّع وعصره، بطريقة تكون فيها الأسئلة هي الموجّه لأيّ “قراءة”، لقد تبيّن لي أنّ النسخة المتداولة بيننا هي نسخة “رسميّة” استجابت لذهنية السلطة الثقافيّة العربية على امتداد قرون، وقد خانت فكر صاحبها! طبعا لا أبحث هنا عن “الحقيقة”، فالكتابة الروائية لا تسعى لذلك، بقدر ما يهمّها أن تُنشّط فكر القارئ، وتدفعه لعدم التسليم ببداهات متوارثة. إنّنا سلّمنا بأنّ هذه النسخة هي “طبق الأصل” للمخطوط الأوّل، وهو أمر مشكوك فيه، حيثُ غاب المخطوط الأصلي لأكثر من ستّة قرون، وهناك إشارات دالّة في المعنى والمبنى على أنّ المخطوط الأصلي ضاع نهائيّا في طيّات تلاعب “السّلاطين” به. لقد فصّلت ذلك في مقدّمة الطبعة الجديدة لـ “كليلة ودمنة” (2024)، وما يهمّني في الرواية ليسَ مقاربة هذا الكتاب التراثي تخصيصا، وإنّما بناء عالم سردي يحملُ أسئلة عن تاريخنا الثقافي، ويذهب نحو المسكوت عنه من حلقات ذلك التاريخ، إنّه محاولة في تقديم رؤية لرواية تستند على المعرفة برغبة اختبار ممكنات السرد في عمليّة تجريبيّة غير محدودة.

– في أيّة مرحلة بدأ اهتمامك بكتب التراث واعتمادها في رواياتك؟

– يعود اهتمامي بالتراث الأدبي إلى أكثر من ربع قرنٍ، أوّل ما باشرته في هذا الطريق هو تقليب “سيرة جميل بثينة”. كان ذلك بهدف مراجعة كتابات الإخباريين العرب في صياغة ما سمّي بـ”الأدب العذري”، حينَ كتبتُ العمل المسرحي “رقصة الأشباح” عام 1999، وأعدت نشره تحت عنوان “اليوم الأخير من سيرة جميل وبثينة” (2024) بزيادة مقدّمة مطوّلة حول مسلّمة “العذريّة في الحبّ”، كنتُ أبحثُ عن مقاربة جديدة لهذا الموضوع، وفعلاً اكتشفت هِنات الكتابات الإخباريّة وخضوعها لسلطة الثقافة السائدة، اخترت وقتها الخطاب المسرحي لقيامه الرئيسي على “الحوار” و”الصراع”. عدتُ إلى فكرة بناء المسرح المأساوي في شكل ومضمون المسرحيّة، لأحوّل علاقة “الحب” الشائعة بين جميل وبثينة، ذلك “الحبّ” العفيف المستحيل، إلى علاقة “كراهيّة” حين تحوّلت بثينة إلى امرأة لها جموح الثأر من شاعر اختطفَ إنسانيّتها وحوّلها إلى مجرّد “صورة” في أذهان الناس. تثأر “بثينة” لذاتها كإنسانة، وترى في الشّعر إثما حينَ يبني وجوده على إعلاء “خيالٍ” يقتلُ الوجود الحسي للمحبوبة. كان ذلك أوّل اهتمامي بالتراث الأدبي، لا من حيثُ العودة الأليفة إلى الماضي بل في شكل استدعاء اللحظات الكبرى التي أسست لذهنيّتنا الثقافيّة الفرديّة والجماعيّة.

– هل يعود ذلك لسبب فني بحت أم هو تحقيق في التاريخ؟

لستُ مؤرّخا حتمًا، لذلك لا تعنيني إعادة كتابة التاريخ أو التمحيص فيه، إنّني معنيٌّ بمسألة عميقة تتعلّق بـ “الخيال”، لذلك أكتب أدبا وليسَ بحوثًا، وإن كنت أقرّ بوجود تقاطعات عديدة بين الأدب والبحوث الإنسانيّة، ولكنّ للنّوع سطوته في تحديد مسارات أيّ عمل إبداعي. لذلك يقودني “الفنّ” في قراءة التاريخ، ثمّ إنّي لا أغيّب الحاضر، بل الحاضر لديّ هو المهيمن، فلا يرد التاريخ إلاّ باعتباره متّكأ أو ذريعة للفنّ. لكن لا أنكر قراءاتي المتأنية في كتب التاريخ، ربّما يعود ذلك لشغفٍ في استقراء “ما حدث” أي بالعودة إلى الوقائع وكيفيّة تلقيها وتفسيرها من قبل الإخباريين والمؤرّخين، هناك وجهات نظر مختلفة في هذا الاتّجاه، قد يكون من المجدي للروائي أن يشيرَ إلى ضرورة الانتباه للوقائع السابقة، وللشكّ في الخطاب التاريخي الذي لم يكن محايدا بالمرّة، مثله مثل أيّ خطابٍ إنساني، ولكن مهمّة الأدب تختصّ بالدرجة الأولى في “إنتاج” الأدب. لذلك فأدبيّة النصّ تظلّ هدفًا ساميا للروائي، ولا يكون التاريخ بهذا المعنى غيرَ مادّة ممكنة تشارك في تحقيق هذه الأدبيّة لأنّ التاريخ ذاته يمتلك جانبا كبيرًا من “التخييل”، فكلمة واقع ووقائع محاطة بـ”التخييل” لأنّ الكتابة التاريخيّة لا تستطيع البتّة إخماد صوت الخيال. تلك قضيّة شائكة، ولكنّها تعنيني في أدبي بدرجة أولى.

– هل من مصادر أخرى تعتمدها كمراجع، علاوة على كتب التراث العربي الإسلامي؟

– في أدبي ينمو السّؤال الفلسفي، حتّى في شعري لم يكن بمستطاعي استبعاده. لذلك حين أعود إلى قراءة التراث الأدبي فإنّني أستخدم معارفي الفلسفيّة، وسائر العلوم الإنسانيّة الأخرى، قد يعود ذلك إلى تنوّع المشارب التي أغترف منها مثلما هو تنوّع موضوعي للمسالك العلمية التي مررت منها، فلم أكتفِ بدراسة الآداب والحضارة العربيّة بل خصّصت دراساتي العليا لنظريات الفنون، وطبعا كانت الفلسفة والعلوم الاجتماعيّة والنفسيّة حاضرة بامتيازٍ في هذا المسلك. من هذا المنطلق تعدّدت مصادر الكتابة والتّفكير، كثيرا ما أؤمن بأنّ للأدب نوافذ، وإذا أردت أن أنظر إلى الخارج كي أتجدّد من الداخل فعليّ فتح هذه النوافذ دائما حتى حين يهطلُ المطر أو تنزل الوديان قرب البيت، فالأدب وقوفٌ على المتغيرات في أقصى تجلياتها، سيرٌ مع العاصفة على قول جبران خليل جبران. طبعا لم يكن لي أن أطوّر تجربتي لو توقّفت عند حدود الأدب، أقصد لو ظننت بأنّ الأدب لا يخلق إلاّ من الأدب. فقد قادتني الفنون إلى كتابة مختلفة، بل إنّ نظري في التراث الأدبي جعلني أتوقّف عند ما أسميه بـ”الحلقات” المهمّشة من تاريخنا الكتابي والبصري، وهي الحلقات التي يقصيها العقل السائد، الذي انساق إلى السبات منذ قرون.

– هل تصنف رواياتك ضمن الواقعية الاجتماعية أم الواقعية السحرية؟ ولماذا؟

– صدقًا لا يمكنني التصنيف. أقرّ بأنني أكتب في خضمّ الواقع لا محالة، بطريقة مختلفة تقترب من العجائبي أحيانا، قد يسمّيها البعض “واقعيّة سحريّة” ولهم مسوّغات لذلك. وقد يرى البعض الآخر بأنّني أكتب ضمن “الرواية المعرفيّة”، وقد أكون بين هذا وذاك. لا شكّ أنّ الجانب الاجتماعي حاضر، ولكنّني مهتمّ أكثر بتشريح “وضع النخبة العربيّة”، فهذا شاغل أساسي في أعمالي الروائيّة، لذلك أتصدّى لـ”مجتمع المثقفين”. وقد يكون التصنيف مهمة شاقة للنقاد، الذين يبحثون دائما عن “تأطير” أيّ كتابة، ولكن التجربة نامية بالضّرورة وتقع في حدود مساحات التجريب، ولا يمكن تصنيفها بشكل مطلق. سيخضع أيّ تصنيفٍ للنظر في تقنيات الكتابة دون شكّ، هذا متاح للنقاد، رغم تقلّص الفعالية النقديّة وارتهانها بالبحث التطبيقي الجامعي الذي غالبا ما يسعى للانتصار للمناهج على حساب النّصوص.

– هل تعتبر رواياتك سياسية، خاصة وأنها تطرح مسألة الجماعات المحظورة أي ما يقابلها اليوم الأحزاب السياسية؟

– ماذا نقصد بالسياسة تحديدا؟ تبدو السياسة متسللة إلى كلّ شيء في حياتنا، وثمّة “سياسة الأدب” أيضًا. أنا لست معنيا بالسياسة العامة، أكثر اهتمامي بـ “السياسات الثقافيّة” في تاريخنا الثقافي، أي بكيفيّة إدارة الثقافة في عصورٍ بعينها أقصت قدرات فكريّة لدواع “أمنيّة”، وأقصد “الأمن الثقافي” في أيّامها، فرأت في حظر واستبعاد “إخوان الصفا” مثلاً محافظة على الأمن الفكري، ورأت في مدوّنات فكرية وشعريّة لكتاب وشعراء خارجين على سلطة الثقافة الرسمية نوعا من التهديد المجتمعي لذلك ذهبت إلى حدّ إعدام المتصوّفة وتهجير الشعراء، والتخلّص من “المختلفين”. هذا ما يهمني تحديدًا، وما أنشغلُ به في كلّ كتاباتي. هناك أثر سيّء لهذا الإقصاء، وهو ممارسة تناقض القيم الثقافيّة العربيّة التي تؤمن بالاختلاف وحقّ “الآخر” الداخلي في التفكير. فلا يمكن لثقّافة أن تقبل بترجمة الفكر اليوناني ثمّ تلقي بمن يفكّر بشكل مختلف في غياهب السجون أو تلقي به في التنّور! هذا ما يشغلني: كيفيّة تشكّل بنية هذا العقل العربي تبعًا لمنهج الإقصاء، لذلك أقوم بالكشف والتعرية بجرأة. وما يحدث في تاريخنا المعاصر هو امتداد لتلك البنية المستقرّة في الوعي وفي اللاوعي العربي، ولها أشكال انتظام وتمأسس في الواقع بتفاوت من بلد إلى آخر، والأمرّ أنّها تسكن في عقل النخبة العربيّة الخائبة.

– هل تقمّصت شخصيّاتك أم أنّك قمت بوضع حدود لها؟ إن كان الأمر كذلك فأين نجدك داخل كتابتك؟ هل أنت مهتمّ بالأهواء أم بالآراء أم بالتزمت والحياد؟

– العلاقة بين الكاتب وشخصيّاته جدّ مركّبة. بالنسبة لشخصيّاتي يسمها النموّ، كثيرًا ما تنسج طريقها ومصيرها بنفسها، حيثُ لا أصادر حقّها في اتّخاذ ما تراه مفيدا لها بحسب تكوينيتها النفسية والفكريّة ووضعها الاجتماعي. كثيرا ما أبتعد عن الرواي العليم، لذلك أذهب في اتّجاه مغامرة الشخصية، أتابعها، بعيني كاتب وقارئ في الوقت نفسه. إنّ رحلة الشخصيّات تبدأ من الاسم، قبلَ “السيرة”. وأشدّد على معنى “السيرة” لأنّني أحاول رسم “سير” لشخصيّات في تحوّلاتها، بل إنّي لا أتوقّف عند حدود القبض عليها في رواية واحدة. هناك شخصيّات خرجت من الرواية الواحدة لتلعب دورا رئيسيّا في روايات أخرة، إنّني أشبّه ذلك بعمليّة كسر إطار اللوحة في الفنّ التشكيلي، لذلك قلت بأنّني أمارس الكتابة الروائيّة بوعي فني أيضا.

– لماذا هذا التركيز على شخصية المثقف الذي يعاني إشكاليات وجودية؟

– أحاول تشريح شخصيّة المثقّف، وتخصيصا الولوج إلى بنية تفكيره المتراكمة عبر قرون. إنّ حركة الواقع تتجاوزه في كلّ الإحداثيات الكبرى وهو ما يجعلني أتوقّف عند حدود ذلك العجر الذي يقابله تطلّع لدى بعض الشّخصيات باتّخاذ طريق “البحث” عن مسارات الخروج من ذلك الارتكاس. أغلب شخصياتي المثقفة تبحث عن “شيء” مفقود أو هي بصدد المحافظة على “شيء” ثمين مخافة أن تغتاله يد السلطة الثقافيّة. وفي الآن نفسه هذه الشخصيات المثقفة لا تبدو منتمية إلى أي فضاء ثقافي وديني وإثني واحد، بل هي شخصيّات متنوعة في ثقافتها وجغرافياتها، ويسمح هذا التنوّع بالنظر إلى المسألة الوجوديّة من زاوية إنسانيّة غير مقيّدة بحدٍّ صارم. ذلك ما أسعى إليه وهو البحث عن “إنسانيّة” جديدة تتجاوز هذه الحدود المغلقة وترى في المغامرة الإنسانيّة سبيلها إلى تحقيق منزلتها. وهذا لا يمكن أن يتحقّق دونَ “قابليّة التّجدّد” لدى المثقّف العربي. لذا تحضر شخصيّات غير عربيّة تنتمي لسجلات لغويّة وثقافيّة غربيّة، وتحمل في العمق ما يحمله المثقف العربي من تطلّع، وهذا التواشج بين أنماط الشخصيّات هو ما نحتاج إليه في ثقافتنا العربيّة اليوم.

– القارئ لرواياتك سيلاحظ أنك أفردت لبطلين من المجموعة التي زارت العراق، طه السوداني والسعدي التونسي، لكل واخد رواية، هل ستتبع ذات التمشي وتخصص رواية لكل من كارمن الاسبانية وأيمن المصري؟

– ما تشيرين إليه في غاية الدقّة. هناك شخصيّات تختار أن تستمرّ في الحضور، أكاد أقول بأنّ الرّوايات تتناسل من بعضها البعض وهذا له ما يسنده نظريّا وتطبيقيّا، حيثُ يوجد خيط ناظم لرواياتي في مستويات عديدة، ولذلك يخرجُ “الزول” طه من رواية “دم الثّور” ليواصل “سيرته” في رواية “زول الله” مثلاً. لعلّني أكتب “رواية أسرة فكريّة” تخلق لرواياتي “عمرانا سرديّا”، هذا سيكون من مهمة النقاد في إثارته والبحث فيه، ولكن أزعم أنّي لا أصادرُ الشخصيّة في عملٍ واحد، ذلك اختيار سردي. وهذا لا ينطبق على الشخصيات فحسب بل ينسحب على لعبة الأمكنة/ الجغرافيات، من تونس إلى العراق إلى مصر والسودان، ومن هذه الفضاءات الثقافيّة العربيّة إلى إسبانيا وإيران وهولندا. هناك نموّ لحضور الحواضر بما تحمله من إمكانيات التقاطع والتوالف والتّجاور. فالشّخصيات لا تغامر بمفردها إنّها تحملُ حمولة تلك الأمكنة معها إلى حيث تذهب.

(التقته بتونس: عواطف محجوب)

ضيفنا في سطور:/
# حصل نزار شقرون على شهادة البكالوريوس في اللغة والآداب والحضارة العربية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس عام 1994. ثم نال شهادة الدراسات المعمقة في علوم وتقنيات الفنون، بتخصص نظريات الفن، من المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس عام 2002. وفي عام 2007، أحرز الدكتوراه الموحّدة في نفس التخصص من نفس المعهد. لاحقًا، في عام 2015، نال درجة التأهيل الجامعي وأصبح أستاذًا محاضرًا.
# أصدر نزار شقرون الكتب التالية:/
الدواوين الشعرية:
1. هوامش الفردوس (1990)
2. تراتيل الوجع الأخير، دار صامد للنشر، صفاقس (1993)
3. إشراقات الولي الأغلبي، دار البيروني للنشر والتوزيع، صفاقس (1997)
4. ضريح الأمكنة (2002)
5. هواء منع الحمل، دار محمد علي الحامي للنشر، تونس (2010)
6. ضلالي من هداي، دار فضاءات ثقافية، الأردن (2020)
7. الأعمال الشعرية الكاملة، دار الوتد، قطر (2022)
الأعمال الروائية:
1. بنت سيدي الرايس (2010)
2. الناقوس والمئذنة (2017)
3. دم الثور الباب المفقود من كليلة ودمنة (2019)
4. زول الله في رواية أخت الصفا (2022)
5. أيام الفاطمي المقتول، دار مسكلياني للنشر، تونس (2024)
الأعمال المسرحية:
1. رقصة الأشباح (1999)
الأعمال النقدية:
1. محنة الشعر (2005)
2. معاداة الصورة في المنظورين الغربي والشرقي، دار محمد علي الحامي للنشر، تونس (2009)
3. شاكر حسن آل سعيد ونظرية الفن العربي (2010)
4. رواية الثورة التونسية (2011)
5. رهانات الفن الغربي المعاصر، دار محمد علي الحامي للنشر، تونس (2012)
6. الحداثة المعمارية، دار محمد علي الحامي للنشر، تونس (2013)
7. نشأة اللوحة في الوطن العربي (2018)
8. بحثًا عن هوية، دار لوسيل للنشر، قطر (2018)
9. تفكير في التجربة الجمالية، دار فضاءات ثقافية، الأردن (2020).

One response to “الرّوائي التونسي نزار شقرون: أكتب ضمن “الرواية المعرفيّة”، وأتصدّى لـ “مجتمع المثقفين” و”النخَب العربيّة”..”

  1. صورة أفاتار Fethi Rahmani
    Fethi Rahmani

    يمكن القول تعليقا على هذا الحوار المهم أنّ كلّ روايةٍ هي وسيط معرفي حتّى وإن لم تدّع ذلك. فهل يمكن أن نتصوّر رواية لا تحتوي على معرفة؟ ولكن في المقابل هل يمكن القول إنّ كلّ رواية هي رواية معرفية بالضرورة؟

    أعتقد إنّ هذا التصنيف يضعنا أمام نوع مخصوص من الروايات التي يتضخّم فيها المضمون المعرفي على حساب أدوات الكتابة وتقنياتها، ربّما شخصياتها قد تكون منتقاة بعناية كأن تكون من المثقفين أو العلماء، ولكن الأهم فيها هو مادتها العلمية أو المعرفية..

    إعجاب

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.