آليات التّناص في ديوان “سفينة الحيارى” للشاعر حكمت الحاج..



بقلم: د. أسماء المصفار



لمحة عن “سفينة الحيارى”:
يضُمُّ ديوان “سفينة الحيارى” تسع قصائد نثر، كما تم التنصيص على ذلك بدءا من الغلاف. وقد صدَر هذا الكتاب الشّعري سنة 2022 عن دار لازورد للنّشر ببغداد، بالاشتراك مع منشورات كناية باستوكهولم. وقد أُرفق كلّ نصّ شعريّ في الديوان، بعُنوان استهلاليّ يُبرز نقطة الاهتمام الأساسيّة التي يسعى الشّاعر إلى طرحها في نصّه، ورغم تعدّد النّصوص في الديوان واختلاف العناوين التي تسمُ كلّا منها، إلّا أنّ نقطة الاشتراك التي تجمع بينها تكمن فيما هو مضمونيّ معنويّ، حيث حاول الشّاعر في هذه النّصوص، التّعبير عمّا يخالجه من مشاعر جيّاشة تُؤكّد شعوره بالضّياع والحيرة ورغبته في البحث عن الخلاص النّفسيّ وتحقيق السّمو بالارتقاء بالنّفس إلى أعلى درجات الرّفعة والخلود والاطمئنان. وقد اتّصلت المواضيع المطروحة في النّصوص الشّعرية، التي يبني الشّاعر آماله في ضوئها، “بالحُب والعشق، السّلم والأمان، العدل والإنصاف، التّسامح والمحبّة، الحُلم واللّذّة”.
مقدمة:/
نهدف في هذا المبحث إلى تبيُّن تجلّيّات التّناص Intertextuality  وتأثيره على استكناه المعنى في ديوان “سفينة الحيارى” للشّاعر العراقي حكمت الحاج، وفي ضوء ذلك سنتمكّن من كشف عمليّات التداخل والتعالق بين نصوصه الشّعرية ونصوص غيره التي استحضرها وضمّنها في شعره، ذلك ما يجعلنا نطرح سؤالا قد يبدو بديهيّا، مُمثَّلا ب: إلى أيّ مدى تتدخّل العاطفة الانفعاليّة لدى الشّاعر عند اعتماده على التّناص؟ هل يكون ذلك بقصد وبوعي منه أم أنّ الشّاعر يتطرّق في بناء عالمه الشّعري إلى ما تُمليه عليه مُخيّلته في لحظات من الإلهام التي قد يبدو فيها بعيدا عن واقعه المُعاش (استعاريّا)، ممّا يجعل الآليّات الفنيّة التي يستخدمها لبناء قصائده، مرتبطة بما هو تلقائي غير قصدي؟.

تمهيد:/
لقد عُدّ التّناص ظاهرة فنيّة لها الأثر الكبير في استجلاء المعاني الخفيّة داخل الخطابات، وقد عرّفه الباحث المغربي محمد مفتاح، أنّه ذلك الذي يُعنى: “بتعالُق مع نص حَدَثَ بكيفيّات مختلفة”. وقد عُرّف أيضا أنّه: “الاقتباس أو التّضمين أو الإشارة أو ما شابه ذلك من المقروء الثقافي لدى الأديب، بحيث تندمج هذه النّصوص والأفكار مع النّص الأصلي، لتُشكّل نصا جديدا واحدا متكاملا”. ويساهم التّناص في تجاوز البنية السّطحية للنّص، ببلوغ المُستوى العميق فيه، باعتبار أنّ الاكتفاء بما هو سطحيّ يقتصر على رصد ما يقوله النّص ظاهريّا فقط، بينما تُستجلى المعاني والدلالات الحقيقية في الأثر الأدبي وفقا لما يرد في البنى العميقة للنّص، والتي تنكشف عبرها أهداف صاحب الأثر الحقيقية. ولمّا كانت البنيوية مصدرا يعمل على وجوب انغلاق النّص على نفسه دون الاستناد إلى العلوم والمعارف الأخرى في تحليل النّصوص الأدبيّة، كان استناد مجموعة من الكُتّاب إلى التّناص بوصفه أسلوبا فنيّا للكتابة بمثابة الثورة على ما سيّجته البنيوية وعملت على إقصائه، وقد كان أوّل القائلين بمبدأ التّناص المُولّد للحوارية، ميخائيل باختين، ليتحوّل التّناص إثر ذلك إلى محور نقدي مُهمّ في دراسة النّصوص الشّعرية والنّثرية، القديم منها والحديث. ويُعدُّ الكتاب الشّعري “سفينة الحيارى” لحكمت الحاج عملا فنيّا يضجّ بمواضع التّناص فيه، ولعلّ ذلك يعود إلى ما تتّسم به رؤية الشّاعر للعالم وللأشياء، من رمزية مُحمَّلة بدلالات يعقدها بنفسه مع العالم، فيعيد بذلك صياغة حكايات تحمل مواقف وأحداثا، وفقا لما تُمليه عليه ذائقته الشّعرية، كما أنّ اعتماد الشّاعر على التّناص قد يعود إلى سعة اطّلاعه على تقنيات التّعبير الفنّي الحداثية التي تُفوّض له إبرام عقود تجمع بين نصّه وبين نصوص أخرى لغيره لاستكناه عوالم دلالية لم تكُن لتُطرَح لولا عمليّة الالتحام والاتّساق بين ما سبق وبين ما هو بصدد الكتابة. وسنعمدُ في هذا الموضع من البحث، إلى استجلاء مواضع التّناص وأنواعه في ديوان “سفينة الحيارى” مُعتمدين على بعض التّأويلات التي تسمح لنا بالكشف عن دلالات توظيف الشّاعر لمثل هذه الأنواع من التّناصّات في نصوصه.

التّناص مع الشّخصيّات التّاريخيّة والأدبية والفنيّة:/
لقد ألفينا اعتماد الشّاعر على بعض الشّخصيّات التّاريخية والأدبية والفنيّة التي بدت حاضرة في نصوص ديوانه هذا، والتي نذكر منها: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، سعدي يوسف، بدر شاكر السّيّاب، مظفر النوّاب، عفاف راضي، داخل حسن، ناصر حكيم. ولم يكُن حرص الشّاعر على تضمين نصوصه لأسماء هذه الشّخصيّات المعروفة، من محض الصدفة، وإنّما استنادا إلى الأدوار المُهمّة التي قامت بها والمواقف التي تبنّتها، والتي تقرُب بشكل كبير من مواقفه الخاصّة ومن تجاربه الشّخصيّة، لعلّ ذلك ما يُبرّر استناد الشّاعر إلى مثل هذه الأسماء دون غيرها من الأسماء الأخرى. وتظهر في هذا الموضع فاعليّة البُعد العاطفي الوجدانيّ الذي يُخوّل للشّاعر التّصرّف وفق ما تُمليه عليه عاطفته، في اختيار المواضيع وتبنّي المواقف واختيار الأسماء والشّخصيّات والتّأثّر بها وتوظيفها في عالمه الشّعري، على اعتبار أنّ الشّاعر لا يوظّف من ملامح الشّخصيّات التي ذكَرها، إلّا ما يتلاءم وطبيعة التجربة التي يريد التعبير عنها من خلال هذه الشّخصيّة وهو يؤول هذه الملامح مع الذي يلائم هذه التجربة. وقد ورد في ذكر الشّاعر لبعض الشّخصيّات التّاريخيّة قوله التّالي:
“ودارس القانون من وهران الباهية
يحكي لنا عن الأفغاني جمال الدين
وعن صاحبه عبدو
وعن باريس والعروة الوثقى
وعن الليثين اللذين يحرسان مسقط رأسه
لست أدري أين
أفي مصر أم في مناطق أخرى
نائية عن هذه الصحراء.”
لقد تنبّه الشّاعر إلى مُساهمات بعض الأشخاص في تغيير التّاريخ بدعوتهم إلى تغيير مآلات الدُول العربية، فجمال الدين الأفغاني مثلا (الذي ذكره الشّاعر) قد اتّسم بجهاده وبثورته وبكفاحه في مصر وفي باريس، وقد بدا تأثُّر الشّاعر بالكتابات الجريئة لجمال الدين الأفغاني جليّا، فالشّاعر يدعو إلى تنبيهه العقول إلى الحريّات المسلوبة، والحقوق المفتكّة، والثّورة على ما هو قائم على الظّلم والاستبداد والعبودية. وقد كانت ثورة جمال الدين مُنطلَقا للثورة العرابية في مصر، وثورة المهدي في السّودان وغيرهما من الثّورات في ليبيا والمغرب وبلاد الشّام، وقد تعلّق اسم جمال الدين الأفغاني باسم محمد عبده الذي يُعدّ من أبرز زُعماء الإصلاح في العصر الحديث، كونه قد تأثّر به وتتلمذ على يديه، كما أنّه ساعد الأفغاني على إصدار جريدة “العروة الوثقى” وعمل معه فيها. وقد اتّسمت مجالسهما بالعلم والحكمة والأدب والدين والسياسة، وقد عمد الشّاعر إلى إبراز ذلك فيما أورده في نصّه، حيث بدا مُتفاعلا مع الأوضاع التي نشأ فيها جمال الدين الأفغاني الذي عمد إلى تغيير ما كان سائدا في عصره بالعمل على تحقيق ما هو قائم على الإيجابيّة، ويظهر هنا حضور التّناص التّاريخي الذي تتداخل فيه نصوص الشّاعر وتتفاعل مع مختلف الوقائع والأحداث التّاريخية المشهودة والمؤرّخة في التّاريخ مع حضور كلّ ما يدلّ عليها ويشير إليها من شخصيّات وأماكن وأحوال. كما يظهر تفاعُل الشّاعر مع الشّخصيّة التي يقتنيها لذكرها أو إبرازها في نصّه، وعادة ما يكون :”التّفاعل مع الشّخصيّة أمر تُمليه الذاكرة الثقافية على الشّاعر، ذلك لأنّ الفنّان يتعامل مع الواقع وفق منظور خاصّ به، يتكوّن نتيجة عمليّة مُعقّدة من التّفاعلات والعلاقات المُتشابكة بينه وبين ذلك الواقع، بين وعيه وبيئته وشخصيّته وبين ما يحتمل في الواقع ومدى تطوّر الظّروف التّاريخيّة”. كما أنّ الشّاعر قد قام باستدعاء بعض الشّخصيّات الأدبية التي اتّسمت أعمالها الشّعرية بالمضامين التي يغلب عليها البُعد الحكَمي والمواعظ عن الخير والإحسان ونثر القيَم الإنسانيّة السّامية وتخليص النّفس من الشّرور والخبائث والابتعاد عن المكائد، ومن بين هؤلاء الشّعراء “النّواب وسعدي والسّياب” وقد ذكرهم الشّاعر في هذه السّطور:
“ويحفظ عن ظهر قلب
كل شعر النواب وسعدي
وشيئا من السّياب
جميل أنت في المنفى أنت
أيّها الدرويش الفاني
ممّ تخشى؟
اذهب وشأنك
ولا تخف من السّلطان ولا الشّيطان
كُن فيلسوفا يرى الدنيا ألعوبة
ولا تكن هلوعا”.

لم يكتف الشّاعر باستدعاء الشّخصيّات التّاريخية والأدبية فقط في شعره، وإنّما عمد كذلك إلى ذكر بعض الشّخصيّات الفنيّة والتي بدت مُمثَّلة بالفنّانين العراقيَين “داخل حسن” و”ناصر حكيم” والفنّانة المصرية “عفاف راضي”. وهُم مجموعة من المُطربين المشهورين:
“وحدي في رحلة طويلة
ولا رحلات السندباد
أغنّي “داخل حسن”
أو “ناصر حكيم”:
حن يا دليلي
يا دمعة سيلي
ولفي ابتعد
يا دمعة سيلي..
أ حقّا؟
وأينَمَتَى؟
أفي طريق النّاصرية،
بعد سبعة وعشرين عاما،
وستين جرحا؟
أيّها الغريب المارُّ حتى آخر البلاد
هذا طريق داخل حسن
حيث يمكن لك أن تحنّ
كما يمكن أن تُجنّ..”
ويقول في موضع آخر:
إنّها “عفاف راضي”
فقط
تجلس في المقهى
تدندن بصوتها الرخيم:
“جرحتني عيونه السودا
واللي يداويني مين”
ننتظر معا
ونحن نحتسي آخر كأسين لشاي عطن
في مقهى كمال،
آخر سيّارة تمضي بنا
نحو “سوق الشّيوخ”. 

التّناص مع أسماء الأنبياء والرُّسُل وسيَرهم:/
لم يحرص الشّاعر على ذكر الشّخصيّات التّاريخية والأدبيّة والفنيّة في شعره فحسب، وإنّما نجدُه في مواضع كثيرة يذكُر أسماء الأنبياء.
يقول الشّاعر مُستحضرا الأنبياء الخمسة (يونس وأيّوب ويعقوب وآدم ويحيى) في نصّه الشّعري وذلك للتّدليل على ما يشعر به من خلال استناده إلى تجارب الأنبياء التي تضجّ بالحكَم والمواعظ رغم ما فيها من مُعاناة وآلام، مستعينا بهذا المقطع من أغنية بغدادية قديمة وشهيرة لقارئ المقام العراقي الفنان يوسف عمر:”
أهرب عن ديار قومي هايمَن يونس
(واش لي بدارن خليّه الما بيها يونس
وآلام أيوب تتبع حسرتي آدم)
آه يا يونس
متى تعود من الجبهة
في جيبك قصّتك الأخيرة تغنّي
فسلام على محمد ذي النّفس الزّكية
والنّبي يحيى وابن خاله شيث”.
لقد تميّز شعر حكمت الحاج بتوظيف أسماء الأنبياء والرُّسُل، ولعلّ ما دفعه إلى اعتماد مثل هذه الظّاهرة في أشعاره، هو التّعبير عن الحالات التي عاشها معظم الشعراء  والتي رأوا فيها اشتراكا مع ما عاشه الأنبياء والرُّسُل، وربط الماضي بالحاضر وإثراء التجربة الشّعرية، ممّا جعل جُلَّ الشُّعراء يُشيرون إلى القصّة أو تناوُلها عبر نقلها من نصّها القرآني إلى النّص الشّعري وتُعدُّ هذه الظّاهرة ميزة تُثري المادة الشّعرية وتُضاعف قيمتها. ففي الأبيات الشّعرية السّابقة، لمّح الشّاعر لقصّة سيّدنا يونس الذي ابتلعه الحوت ابتلاء له على ترك قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام ولم يستجيبوا إلى دعواته بالتّوبة، دون انتظاره لأمر اللّه، لكنّه بقي في بطن الحوت يسمع أصواتا لا يعرف مصدرها ولا معناها، فألهمه اللّه أنّها أصوات تسبيح دواب البحر، وقد استمرّ يونس في التّسبيح والدعاء قائلا ما ورد عنه في قوله تعالى من سورة الأنبياء:” وذا النُّون إذ ذهب مُغاضبا فظنَّ أنّ لن نقدرَ عليه فنادى في الظُّلُمات أن لا إله إلّا أنتَ سُبحانكَ إنّي كنتُ من الظّالمين”. بعد ذلك استجاب اللّه لدُعاء يونس وأمر الحوت أن يُلقيَ به على شاطئ البحر. أمّا آلام سيّدنا أيّوب التي ذكرها الشّاعر في نصّه، فقد تمثّلت في ألم الجسد الذي سبّب له ألما روحيّا، والذي كان الدافع عليه هو إصابته بمرض الجدري الذي كان هو أوّل المُصابين به، فتساقط لحمه حتى لم يبق إلّا العظم، ممّا جعله يصبر على الابتلاء والمرض كما أنّه فقَدَ كلّ أولاده وضاع كلّ ماله ولم يبق سوى قلبه ولسانه ليذكر اللّه. أمّا حسرة سيّدنا آدم التي ذَكَرها الشّاعر فقد تمثّلت في أكله من الشّجرة التي نهاه اللّه تعالى عن الاقتراب منها والذي أدّى إلى خروجه من الجنّة، ومقتل ابنه هابيل على يد أخيه قابيل ممّا جعل آدم يشعر بالحُزن الشّديد من مرارة الفقدان وألم الفراق وكُره الأخ لأخيه. أمّا ذكر الشّاعر للنّبي يحيي الذي قُتل وقُطع رأسه، والنبي شيث (ابن سيّدنا آدم، الذي يعني اسمه هبة اللّه لأنّه ذُكر أنّه وُلد بعد حادثة قتل أخيه هابيل) فيعود إلى تقوية عزائم الإنسان العربي المُسلم وتحفيزه على مقاومة كلّ ما يتعرّض إليه من ابتلاءات ومصائب الدنيا، لذلك نجدُه يختار من الشّخصيّات الدينيّة أعظمها ليُوظّفها في شعره، ممّا يجعل قصص تلك الشّخصيّات مُنسجمة مع ما يسعى الشّاعر إلى التّعبير عنه عبر ما يتناسب مع موقفه الشّعريّ المُتّسم بوجوب التّصدّي للصّعاب والابتلاءات، وعدم الاستسلام والخنوع والدعوة إلى إثبات الوجود.
لقد اتّسمت قصص الأنبياء بتعرُّضهم إلى مجموعة من الابتلاءات العظيمة، ولم يكن ذلك على وجه عقوبة من اللّه على ذنب، وإنّما كان ذلك لحكمة يعلمها اللّه لعلّ منها أن يرفع أنبياءه ورُسُله إلى الدرجات العُلى بصبرهم لكي ينالوا بها المقام السّامي إلى يوم الدّين. وقد حرص الشّاعر على استحضار مثل هذه الأسماء والشّخصيّات الدينية للتّعبير عن الجانب الشّاقّ والمؤلم من حياة الإنسان في الأرض وما هذه الاستطرادات للقصص القرآنيّ إلّا تلاؤُما مع المضمون العامّ للنّصوص الشّعرية التي ينسجها حكمت الحاج، حيث سعى إلى تصوير المآسي والمعاناة التي عاشها الإنسان منذ هبوطه إلى الأرض، ولعلّ هذا النّوع من الاستحضار والاستخدام المُغالي في الرمزية يكشف لنا الطّاقة الرمزية الهائلة في قُدرتها على التّعبير عن المضامين الخفيّة في النّص الشّعري. كما أنّ مواضع التّناص في ديوان “سفينة الحيارى” لم تقتصر على أسماء الشّخصيّات وسيَر الأنبياء فحسب، بل نلقى كذلك مواضع يكون فيها التّناص مع النّصوص الشّعرية.

التّناص مع المدونة الشّعرية:/
لقد حفلت قصائد “سفينة الحيارى” لحكمت الحاج، بالتّناص مع الشّعر العربي، ولا يعود ذلك إلى مُحاكاة ما طرحه الشُّعراء العرب قبله، وإنّما يُعتبر ذلك توظيفا مُتعلّقا بما هو فنّي حداثيّ يُدلّل الشّاعر من خلاله على رُؤاه بمزيد تأكيد المواقف التي تدعمُ وجهة نظر مُعيَّنة يتبنّاها ويسعى إلى التّعبير عنها بطُرُق مُختلفة وعبر جهات مُتعدّدة، ونجدُ في مواضع عديدة من هذا الكتاب الشّعري، حضورا لبعض المُصطلحات أو التّعابير أو اللّوازم الشّعرية التي يستخدمها الشّاعر التّونسي “أبي القاسم الشّابي” في أشعاره، والتي سنضبط منها في هذا الموضع ما ورد مُشابها لها في ديوان حكمت الحاج، ومنها قول الشّاعر:
“ورأيتُ نفسي كصقر محلّق
يرى فضاء هذا العالم ضيقا لطيرانه
فتعجّبتُ منك إذ تريدين حبسي
(…) يا بُوم
أنتظر ويأتي الموت إليك بنعومته
والظّلام؟
أيا بوم لمَن تنادي؟
أصوت عال وشبح بال؟
إنّ الأزمة تلد الهمّة ولا يتّسع الأمر
إلّا إذا ضاق ولا يظهر فضل الفجر
إلّا بعد الظّلام الحالك
ها قد أوشك فجر الشّرق كأن ينبثق
فقد ادلهمت فيه ظلمات الخطوب
وليس بعد هذا الضيق وعزّة الحق
وسر العدل إلّا الفرج
فاقتُل خوفك يا هذا بخوف أكبر منه
وامض صُعُدا في طريق الحياة”.
تظهر خلال هذه الأبيات الشّعرية رغبة الشّاعر في مُعانقة عوالم الحُرّيّة والشّموخ وتعبيره عن اقتراب انفراج الأزمة التي كانت تعيشها الشّعوب العربية في مرحلة مّا، فبدا الشّاعر في هذا الموضع، مُستبشرا بتغلُّب الشّعوب العربية على كلّ ما يُضيّق عليها الخناق ويزرع فيها الخوف، والاستسلام. فدعا إلى وجوب التّحرّك بالتّغلّب على الخوف للخروج من عالم الظُّلُمات إلى النّور، وقد بدت دعوتُه في هذا الـموضع مُتعالقة بما ورد في أبيات أبي القاسم الشّابي في قصيدته الموسومة “يا ابن أُمّي” حيث يقول الشّاعر:
“ألا انهض وسر في سبيل الحياة
فمَن نام لم تنتظره الحياة
خُلقتَ طليقا كطيف النّسيم
وحُرّا كُنُور الضُّحى في سماه
تُغرّد كالطّير أين اندفعت
وتشدو بما شاء وحي الإله..
اتّفقت المعاني التي يطرحها أبا القاسم الشّابي في هذه الأبيات مع المعاني السّابقة التي ألفيناها في ديوان “سفينة الحيارى” لحكمت الحاج، حيث بدا صوتهما واحدا ورؤيتهما واحدة، حيث يقولان بوجوب استنهاض همّة الإنسان ودفعه إلى اكتساب الحُرّية ودعوته إلى التّفاؤل واستنكار حياة الذُّلّ والخنوع.
وقد اتّفقت المعاني التي يطرحها الشّاعر حكمت الحاج في ديوانه الشّعريّ مع ما اهتمّ به الشّاعر المصري أحمد شوقي الذي يُعدُّ شاعر الوطنيّة الأكبر، لأنّ أبرز أعماله قد ارتكزت على التّعبير عن حُب الوطن وشدّة الحنين إليه وعن كُره المُستعمر والدعوة إلى النّضال وتقديس الأوطان ونصرة المظلوم والتّغلّب على الخوف والضّعف والخنوع. وقد جاء في ديوان “سفينة الحيارى” ما يُعبّر عن هذه المعاني، بقول الشّاعر:
لم يكن العدوّ متفوقا في العدة والعدد
بل كان ذلك يؤلمنا
وتوسّلنا إلى كتب المطالعة
وتابعنا المسير..
إلى أن يقول في قصيدته “ست عشرة طريقة لاصطياد فراشة”:
“أن تذهب مرج البحرين يلتقيان
كي تُرتّب موسوعة للعذاب
أن تبكيَ وأنت تقرأ كيف يدقون
مسامير في أذنيك
أن تمُرّ في مقهى النّسيم
ولا نديم يُحرجُ المضيّع من شبابك
أن تترك قمر الكاظميّة يحبو ويَرسف
في مهاوي الحديد
أن تعُدّ احتمالات موتك واحدا بعد واحد
وتركن دائما لأوّل احتمال
أن تزردي دروع الحكمة
وترمي بالعذار قبالة الوغد الوحيد
أن تكتب أشعارا برفقة صاحب الجمل
أن تفتح النّار على بقايا السيف والأمّة الصالحة.”
تُبرز هذه الأبيات استكانة نفسيّة الشّاعر بهاجس الموت وشدّة ألمه من حال الوطن التي أفقدته الإحساس بالراحة والطُّمأنينة. 

التّناص مع الأحداث التّاريخية:/
لقد بدا الشّاعر مُلمّا بالوقائع التّاريخية التي حصلت قبل عصره وفي عصره، فنجدُه في مواضع عديدة من الديوان، ينقل أحوال العراق وما حصل فيها من وقائع، حتّى غدا نصّه نصّا ينقل الوقائع التّاريخية ويتفاعل مع مختلف الأحداث التّاريخية المشهودة والمُؤرّخة في التّاريخ مع حضور كلّ ما يدلّ عليها ويُشير إليها، ومن أمثلة ذلك نذكر قوله التّالي:
في 14 تموز 1958 مات الملك
في 14 تموز 1994 عاش الملك.
يظهر في ذلك، اعتماد الشّاعر على التّناص التّاريخي الذي أحالنا من خلاله على واقعة انقلاب 14 تموز 1958 التي نفّذها تنظيم الضّباط الأحرار والتي أدّت إلى إسقاط النّظام الملكي وإقامة نظام جمهوري، ويُمثّل هذا التّاريخ بالنّسبة إلى العراقيّين ثورة وحركة أطاحت بالمملكة العراقية الهاشمية التي أسّسها الملك فيصل الأوّل ، وقد قامت الحركة بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السّلام وعارف وبعض الضّباط الأحرار الآخرين، وتمّ على إثرها تأسيس الجمهورية العراقية التي أنهت الاتّحاد العربي الهاشمي بين العراق والأردن الذي تمّ تأسيسه قبل ستّة أشهر وأيضا أنهت فترة الحُكم الملكي. وقد أراد الشّاعر من خلال ذكره لذلك الإشارة إلى التّاريخ الدموي الذي عرفه العراق منذ آماد التّاريخ وتعرُّض البلاد إلى أوضاع تاريخية صعبة وشدّة صمود العراق وشعبه، تأكيدا لعظمتهما، فبغداد هي دار الخلافة وينبوع العلم والمعارف والشُّعراء والحُكماء الذين توافدوا عليها أثناء الخلافة.
لذلك فقد اتّسمت النّصوص الشعريّة لحكمت الحاج بظاهرة تعدّد الأصوات الّتي عدّت امتدادا لحضور التّناص وفاعليّته الكُبرى في تأكيد قيام النّص على التّعدُّد: تعدُّد القضايا المطروحة فيه، وتعدُّد الأساليب الفنيّة المُعبَّر بها عن ما هو مضمونيّ دلاليّ. 

التّناص مع النّصوص القرآنيّة:/
يُعدُّ القرآن الكريم من أهمّ مصادر التّناص التي يعتمد عليها الشّعراء في نصوصهم وذلك باعتبار أنّ مُعظم الشُّعراء يقتبسون منه رؤاهم ومواقفهم وقناعاتهم، ولعلّ ذلك يعود إلى أنّ: “التّناص القرآني يجعل الشّاعر يميل بلُغته الشّعرية صوب آفاق التّحليق بواسطة الإشارة والإيحاء، فالإشارة القرآنيّة تُغني النّص الشّعري وتُكسبه كثافته التّعبيرية، وتُعطيه تطابقا بين وظيفة الإشارة وسياق المعنى”. يقول الشّاعر حكمت الحاج:
“وسلام على الموصل الحدباء
سلام على أمّ الربيعين
سلام على مرتع أيّامنا
سلام على مربى الحنين
سلام على نركال والثّور المُجنّح
سلام على الحضارة
سلام أحلامنا تمشي كمان
سلام على القدّيسّين”.
ينكشف في هذا الموضع حضور النّص الديني وتمازجه بالنّص الشّعري اقتباسا وتلميحا، فبدا الشّاعر مُعتمدا على مُصطلح “سلام” الذي غدا بمثابة اللّازمة الشّعرية التي عبّر الشّاعر من خلالها عن شدّة رغبته في تحقّق السّلام في أنحاء الوطن، وقد تشابه تعبير الشّاعر عن موقفه بتحقُّق السّلام في وطنه ونصرته على العدُوّ، بالسّلام الذي يتحقّق ليلة السّابع والعشرين من شهر رمضان المُبارك التي عُرفت بليلة القدر في الثّقافة العربية الإسلاميّة وهي اللّيلة المُقدّسة التي نزل فيها القرآن الكريم وقد جاءت سورة ليلة القدر للتّدليل على ذلك.
وقد تجلّى التّناص مع القرآن الكريم في سفينة الحيارى لحكمت الحاج في موضع آخر وهو ما يظهر في قوله:
“فنصرُ اللّه يجيء والفتح رأيتُ النّاس
وكلّ علامات النّصر يا إنصاف تجيء بظلّك”.
يُعتَبَر هذا المقطع الشّعري تناصّا اقتباسيّا من الخطاب القرآني من الآية عدد 1 و 2 من سورة النّصر: “إذا جاء نصر اللّه والفتح ورأيتَ النّاس يخلون في دين اللّه أفواجا”. وقد استند الشّاعر إلى النّص القرآني وتحديدا إلى سورة النّصر، في معرض حديثه عن اقتراب تحقيق النّصر والانفراج مهما كانت الظّروف ورغم ما عاشه الوطن من حالات اضطراب وتوتّر لفترات طويلة من الزّمن.
خاتمة:/
حرصنا في هذا المبحث على استجلاء مواضع التّناص في ديوان “سفينة الحيارى” لحكمت الحاج، والتي بدت لنا جليّة فيه ومُتعدّدة، حيث أورد الشّاعر تناصّا مع أسماء الشّخصيّات التّاريخية والأدبية والفنّيّة والدينيّة وكذا النّصوص الشّعرية والتّاريخية والقُرآنيّة، ذلك ما جعل التّناص يتجاوز العالم الشّعريّ للكاتب ليُحيل على غيره في نظام من الإحالة والمرجع بوصفه مُؤشّرا على ما هو خارج النّص الأصليّ، وبذلك يغدو النّص الشّعري مجموعة من النّصوص تضُمُّ عدة عوالم مختلفة، فتمتزج بذلك الثّنائيّات في عوالم شعرية مبنيّة على التّناقض والتّعدّد والتّعالق، منها الخيال والواقع، الحُلم والحقيقة، الأصالة والتُّراث، الحاضر والغائب، الاختلاف والائتلاف. حتى بدت النّصوص وكأنّها تحمل بين طيّاتها دعوة صريحة لانفتاح الخطاب الشّعري وعالمه على غيره من الخطابات الأخرى مثل الخطابات التّاريخيّة والأدبيّة والدينيّة، ولعلّ مردّ ذلك هو ثقافة الشّاعر الموسوعيّة المُختلفة المجالات والتّخصّصات والزّخم المعرفيّ والفكريّ الذي يتمتّع به، ذلك ما جعل نصوصه الشّعرية تخرج عن نظام الصوت الواحد، والرؤية الواحدة، والقارئ الواحد، ليخلق الشّاعر في شعره مضامين جديدة تدلّ على قُدرته الإبداعيّة، من خلال تحويرها بما يسمح له الفنّ الشّعري، ممّا يجعل المجال مفتوحا أمام القارئ، الذي يتوجّه حسب إشارات الشّاعر وتلميحاته إلى عوالم كثيرة من القراءات والتّأويلات تُعدّد دراسات النّص الواحد وتُغنيها.

الهوامش والمراجع:/
1 محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشّعري، استراتيجية التّناص، دار التنوير للطّباعة والنّشر، ط1، لبنان، 1985
2 أحمد الزغبي، التّناص نظريا وتطبيقيا، مؤسّسة عمون للنّشر والتوزيع، عمان، 2002
3 لقد اختلف النّقّاد على تحديد ما إذا كان ظهور مصطلح  التّناص منسوبا إلى أعمال ميخائيل باختين أم إلى الباحثة البلغارية جوليا كريستيفا، ويعود ذلك إلى تداخل دراسات هذين الباحثين وتزامنهما فيما يتعلّق بموضوع التّناص.
4 علي عشري زايد، استدعاء الشّخصيات التراثية في الشّعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة، 1997
5 الديوان (سفينة الحيارى) ص 9
6 رمضان الصباغ، عناصر العمل الفنّي، “دراسة جمالية”، دار الوفاء للطباعة والنّشر، الإسكندرية، (د.ت)، ص 7
7 الديوان، سفينة الحيارى ..
8 الديوان،
9 الديوان،
10 الديوان،
11 الديوان،
12,13 Jean Yves Tadié- Le récit poétique- Ed Puf Paris, 1978, P. 5
14 محمد بن عمارة، الصوفية في الشّعر المغربي المعاصر ، شركة النّشر والتوزيع، المغرب، الطبعة الأولى 2001

ملاحظة:/ ينشر هذا المقال بالاشتراك مع موقع مجانين قصيدة النثر.

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑