كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

عبد الرحمـن طهمـــازي وحكاية رحـلـة..



حسين علي يونس



عبد الرحمن طهمـازي أكثـر مـن شـاعر وأكثر من ناقد وإنسان. اتضحت لديه شفافية القرائن رمزا للعراقـي الأصيل والعلامة الفارقة في الشعر العراقي. 
قرأناه في الثمانينيات، وادهشنا في التسعينيات ،وازداد نصـه القا في سـنـة 2000 وما بعدها. ظل شعره راسخا ومضينا، رغم انه شاعر مقل إلا أن قصائده (جنازة انكيدو) و(انعكاسات) و(سلاطين العجـم) من مفاخر الشعر العراقي الستيني. جميع الشعراء الذين جاؤوا بعده تأثروا به.
بعـد ثـلاث مجاميع هـي (ذكـرى الحاضر) 1974 (تقريظ للطبيعـة) 1986 و(أكثـر مـن نـشـاة لواحد فحسب) 1995. إضافة إلى (البساطة والألم) وقصائـد أخـرى نـشـرها في مجلـة عيون عـام 2005 ينهض شعر راسـخ وأصيـل، تـرك بصمات واضحة على خارطة الشعر العراقي الحديث ، وهو اضافة الى سركون بولص وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر يكاد ان يكون الشاعر الوحيـد الـذي امتد تأثيره إلى الجيـل السبعيني والثمانيني والتسعيني من دون أن يفقد أهميته. فلقد صمـد نصه لتغير الذائقة في منتصف الثمانينيات.
كتب في جريدة الجمهورية مجموعة من المقالات المهمة دون أن ينشرها، على حد علمنا في كتاب ، رغـم اهميتهـا وفخامتهـا ونـشـر كذلك (سيادة الفراغ) دراسـة ومختارات لمحمود البريكان ، وكتـب ايضـا (مرأة السرد) مع الدكتور مالك المطلبي.
إضافة إلى اهتمامه بكتابـة النقـود التي تهتم بالفن التشكيلي وترجـم بعـض الأشياء التي تستهويه.
هذا هو عبد الرحمـن طهمازي ، الشاعر والصديق الذي لم اتصل به منذ سنتين ، ولم التق به خلال هذه المدة نتيجة للظروف الصعبة التي امر بها ولبعد مكانه الجديد ولخطورته أيضا (كتبت هذه المادة حين كانت الحرب الطائفية في الذروة)
فاتحته بمعاودة الكتابة للصحافة وفي الصفحة الثقافية حين عملت في جريدة الصباح إلا انه طلب أن يفكر بالأمر لان الالتزام شيء مقدس وهـو مـا لم  يوفر طريقة معقولة للاتصال مع الجريدة لا يمكن أن يبت بالأمر، فالرجل لم يغادر تخوم منزله منذ فترة طويلة كما أن نظره بدأ يسوء في السنتين الاخيرتين.
فكرت بكتابة شيء عن عبد الرحمن طهمازي، كنوع من التحية، لهذا الرجل الكبير. الذي تخرج من تحت يديه طابور من الشعراء والكتاب والادباء الذين تواصلوا معه على مر الايام حين كان يدرس في مدينة الثورة حين كانت من معاقل الشيوعيين وكان بالنسبة لهم اخا كبيرا اكثر من كونه مدرسا. ولم أجـد أفضـل مـن كتابة هذا البـورتريه الواقعي الذي تمتد جذوره إلى عام 2004 عندما جمعتنا رحلة إلى الأردن ،ومن ثم عودتنا دون أن نذهب الى ابعد من ذلك ،إلى المانيا، مثلما كان مخططا لهذه الرحلة ،إذ أنها أجهضت في فندق بالأردن.
في عام 2004 تمت دعوة عبدالرحمـن لحضـور معرض فرانكفورت الدولي للكتاب وتمت دعوتي أنا أيضا ،لم أكن  من عشاق السفر ولكنني تحمست للرحلـة ،لان الرحلة كانت مع عبد الرحمـن طهمـازي الشاعر الصديـق الـذي ربطتني به صداقة منذ بداية التسعينيات حين
التقيته في مكتبة عباس طلال ،الذي كان احـد طلابه في إعدادية بورسعيد و كان يـزوره بشكل دوري، قبل أن يغير مكان سكنه. وهكذا نفضت غبار الكسل ،ودشنت في قلـب الرحلة، لم أكـن املك جواز سـفـر و كان جواز سفر عبدالرحمن  بدوره قديما ،وقد سبب لنا ذلك الوضع  في تلك الايام بعض التأخير وكومة من المشاكل. ذهبنا الى السفارة الالمانية معا. كان الوصول للسفارة صعبا واضطررنا للدخول في درابين جانبية ،كانت الطرق كلها مغلقة  بسبب قصف السفارات ،وهناك تعرضنا لسلسلة طويلة من الاسئلة التي لا نهاية لها ،عن الثقافة الالمانية وعن وضع العراق الآن وفي المستقبل وعن حدود معرفتنا بالشعراء والكتاب ورجال السياسة الالمان. كان يبدو اننا نتعرض لعملية استجواب اكثر من كونها دردشة وكان ثمة امرأة عراقية جلفة ودميمة تعمل معهم ،عاملتنا بشكل رديء ،كان يبدو انها من مخلفات حثالة النظام القديم . قال عبد الرحمن ان لديه جواز سفر قديم فهو لم يسافر من قبل فختموه ،اما انا فمنحتهم هوية الاحوال المدنية وبعض الوثائق  ومنحوني ورقة اذن سفر مختومة وعليها شارة التحالف ،مختومة ومسلفنة عليها صورتي وبقية المعلومات التي نقلوها من اوراقي الثبوتية لا ازال احتفظ بها الآن كنوع من الذكرى .
بعد أسبوعين بالتمام والكمـال ،انتهينا من ترتيب امورنا وعندما انطلقنـا مـن جـريـدة النهضـة الـتي كان  عبد الرحمن مدير تحريرها ،باتجـاه الأردن كان معنـا الصديق الشاعر خالد المعالي الذي فارقنـا مودعا متمنيا لنا رحلة مكللة بالقداسة. في الواقع لقد تكفل هذا الرجل الرائع بتكاليف الرحلة ولم يقبل ان ادفع أجور النقل. من بغداد الى الاردن وفي المطاعـم الـتي توقفنا بها فعل الشيء ذاته. كان كريما إلى أقصى حد ،رغم انه لم يكن ميسور الحال أبدا.
أمضينا ما يقارب (20) ساعة في سيارة الجمسي وقـد كنت أفضل أن يجلس في الخلف ليتمدد ، إلا انـه فضـل إن يجلس مع السائق ولم يغير مكانه. بالحقيقة كان  عبد الرحمن رفيقا ذا صوت هادئ وصاحب ضحكة خافتة مميزة ،وتحوي الكثير من الصدق والتلقائيـة ،كنا نتحدث عن الشعر وعن الرواية وعن جيله الذي يعرفه جيدا، لقد تكلمنا كثيرا والقينا المزيد من النكات من أجل تمضية الوقت.
وكان ذلك اقرب ما يكون من النزهة وعندما تعثرت الرحلـة  ،في مكان مـا  في  طريبيـل عـلـى الـحـدود الأردنيـة، فـكـر طهمازي أن يعود الى بغداد وأن يلغـي الرحلة إلا انه عـاد وغير رأيه بعـد الحاحـي عليه ،فلقـد قطعنا طريقا طويلا ولم يعد إمامنـا إلا القليـل. قال لي “إن الرحلـة الحقيقية يا حسين هـي داخل الـذات (إن ما قطعنـاه من بغداد إلى الاردن هي الرحلة الفعلية) وقرأ قصيدة كافافي الشهيرة “ايثاكا”.
دخلنا الأردن بعد ساعات طويلة ، وفي الساعة الواحـدة ليلا من اليوم الثاني لرحلتنا كان الإخـوة الألمـان قد حـجـزوا لنا في فندق الأردن ، الذي كان أكثر الفنادق الاردنية فخامة على ما يبدو. مغبرين وعلى وجوهنـا غشاوة السفر ،وكان إن اتصـل عبدالرحمـن فورا بالسفارة الألمانية ،وبشخص لم نرتح لنبرات صوته اسمه فيدلر حسب تعاليـم الصديق خالد المعالي ،وقـد سـلمونا مفاتيح غرفنا .كان رقـم غرفة عبدالرحمـن 164 إمـا غرفتي فكانت تحمل الرقم 167 نزلنـا في غرفة عبدالرحمن لتدشين أمورنا  ،تناول عبدالرحمن مشروبات البيبسي كولا وقد وضعت يدي على قناني الويسكي الصغيرة المذهبة ،وبعد نصف ساعة أردت أن انصرف إلى غرفتي ،إلا أن عبدالرحمن قال إن من الأفضل أن نظل معا ، فلقد كان يحس بالغربة ولا يطيق أن يكون وحيدا.
كان في الغرفة سريران وقد جنحت لرغبته وأمضينـا ذلـك اليـوم إلى الساعة الواحدة صباحا كنت اشرب النبيذ والبراندي وهو يدخن ويشرب ما هو موجود مـن المشروبات الغازية والنساتل. كان عبد الرحمن قد ترك شـرب الكحول بعـد الحادثة التي تعرض لها مع الصديـق المزدوج لنـا الروائي عبدالخالق الركابي.
في الصباح ذهبنا إلى السفارة الألمانية لمقابلة السيد الثخين فيدلر وقد بدأ ثقيلا كرجل أعرابي خشن اخبرنا إن ميعاد الطائرة قد فات ،وان المهرجان قد بدأ فعلا قبل يومين وقال ايضا ان بإمكانه أن يحجز لنا بعد يومين. عدنا إلى الفندق وقد بدأ الضجر يحاصرنا فلقد اتضح لنا أن تعاليم خالد المعالي لم تكن في محلهـا تماما، كان فيدلر  خشنا في تعامله معنا فلقد قلص الرحلة إلى خمسة أيام بدلا من عشرة وبعـد هـذا فوجئنـا ان تكاليف الأكل ،كانت كلها على حسابنا ،وبما إننا كنا في ارقى مكان في الأردن ،فلم نكن نجرؤ على طلب الأكل في مكان إقامتنا الفخم ، وفضلنا أن نذهب إلى أماكن شعبية تدعو إلى الأطمئنان وتناولنا غداءنا الذي كان عبارة عن نوع غريب من الفلافل ،تحملنا قرف السواق الأردنيين الذين كانوا يكيلون المديح لصدام كثيرا وهـا هـو القـرف الأخير يأتي بعد فيدلر، عبدالرحمن لم يكن مرتاحا للرحلة منذ تأخرنا على الحدود وقد بدأ الفار يلعب بعبه كما يقول الاخوة في مصر واخبرني عـن نيته بالعـودة وقد كسـر مجاديف
رغبتي ببلوغ اراضي جوته و هولدرلين وماركس ونتشـه..
وقد شـد مـن أزري وطلب ان أواصـل الرحلة من دونه، لم يكن ذلك شيئا ممكنا بالطبع فأنا لم أكن اعرف طبيعة ما ينتظرني هناك على الجانب الاخر من العالم . وكنت بحاجة الى العون المعنوي الذي كنت التمسه بمعية عبدالرحمن ولم اكن اعرف غير بضع كلمات انجليزية والكلمات الألمانية التي حفظتها عن ظهر قلب تبخرت بعد تلك الخيبة المريرة .
قـال عبد الرحمن إنني يجـب أن أرى العالم وقال أيضـا انه واثق من نجاحي وما إلى ذلك في الحقيقة كانت المشروبات التي بدأت تتناقص في الثلاجة هـي الـدافـع الأول لبقائـي صامدا  إلى تلك اللحظة ، وفي الصباح الباكر تركـني عبدالرحمن عائدا إلى بغداد شـادا مـن أزري وقـد منـحـني 50 دولارا تحوطـا إضافة إلى المبلغ الذي منحني إياه خالـد المعالي في بغداد وودعته منكسرا وحزينا.
كانت تلك هي نهاية الرحلة لقد تركني الرجل النبيل وحيدا ولم  اكن اعرف على وجه الدقة ، طبيعة الظروف التي كان يمر بها . وهكذا تجولت في شوارع عمان القريبة من الفندق وأمضيت ذلك اليوم الذي لا ينسى في تناول المشروبات. وفي الساعة الواحدة ليلا اتصـل بـي احـدهـم من التشريفات واخبرني أن السائق بانتظـاري وقد اخبرني هـذا إن ميعاد الطائرة قد حان.
حملت حقيبتي ونزلت ثمـلا إلا أن موظف الاستعلامات طلب مني أن أسدد بقية الحساب. كنت اعتقد إنـني لا أدين لهم بشيء فلم أكن اتناول الأكل إلا صباحا رغم إنني لم أكل شينا تقريبا والحجز كان مدفوعا.
كنت اعتقد ان المبلغ بسيط ويمكن دفعه واردت أن إدفع  بقية الحساب بحمية الا ان حميتي تبخرت بعد ان اخبرني أن ما بذمتي هو ٣٠٠ دينار اردني وهنا كانت المفاجأة فلقد حسبوا المكالمات التي اجراها عبدالرحمـن  العائد إلى بغداد والى السفارة ثم أضافوا ثمن المشروبات وقناني المياه الغازية والكحولية والنساتل.
كنت في مازق حقيقي قلت لـه أن المبلغ الذي معـي لم يكن يكفي وأخبرته ان الأصدقاء اخبرونا ان المشروبات على حساب السفارة الألمانية وعندها اتصلوا بفيدلر  وتم تقييد الطلب على حسابهم.
وهنا شعرت بالخيبـة اكثــر فلقـد طـارت الخمرة وكان كل شيء يسير من سيئ الى أسوا وهنا  قـررت إن أضع حدا لهذه الرحلة، التي انتهت منذ ان غادر عبد الرحمن الفندق . حملت حقيبتي وجلست في صالة الفندق ساعة ونصف ومع انتشار فضة الصباح غادرت الفندق وذهبت الى كراج نقل المسافرين ورجعت الى بغداد .
وكانت تلك هي نهاية الرحلة التي كان لها ملحق غريب عرفته بعد عودتي من خلال الشاعر خالد المعالي فلقد اخبرني ان القطار الذي كان يفترض ان ينقلنا الى مكان المهرجان قد خرج عن السكة وان منى نجار زوجته الصحفية السورية الالمانية ودليلنا قد تأخرت وهكذا كان مقدر لنا ان نضيع في ربوع المانيا لو قدر لنا ان نواصل تلك الرحلة الغرائبية.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.