ماجد الحيدر
إن المتابع لشأن الأدب السردي الكوردي تعتريه الدهشة من تحوله خلال عقود قلائل من سماته البسيطة أسلوبيا، المحدودة موضوعيا، القليلة كميا، الى هذا الثراء والوفرة والتنوع الذي يتمتع بها الآن.
كانت القصة الكوردية القصيرة، باعتبارها فرعا من الأدب السردي، تحفر الصخر كي تجد لها مكانا تحت الشمس وخصوصا في ظل السيادة المطلقة للشعر والآداب الشعبية الغنائية والملحمية، شأنها في ذلك شأن كل الشعوب التي عرفت الرواية والقصة (بشكلها الحديث) في وقت متأخر نسبيا بعد عقود من احتكار الشعر للقب (الأدب).
خلال تلك الفترة القصيرة نسبيا (بمقاييس التاريخ) تحولت القصة الكوردية من مواضيعها الحكائية التقليدية المباشرة، التي تدور غالبا في أجواء القرية أو في فلك الكفاح السياسي والقومي وتتبنى تكنيكا يتسم بالمباشرة والحماس الثوري ومحدودية الأصوات وبساطة الحبكة وبناء الشخصيات، الى شكلها المعاصر الذي يجعلها منافسا جديرا بالاحترام لمنجزات القصة القصيرة إقليميا وعالميأ.
قدمت القصة الكوردية القصيرة، وما زالت، العديد من الأصوات المتفردة المهمة التي لم ينل الكثر منها، للأسف، حظها من الترجمة (الى) اللغات العالمية الأخرى ومنها العربية على الرغم من الثورة العظيمة التي حدثت في ميدان الترجمة الى اللغة الكوردية (من) تلك اللغات! لكن اسماعيل هاجاني واحد من تلك الأصوات المتميزة التي أفلحت في لفت أنظار المترجمين الى اللغة العربية (وكان لي شرف أن أكون واحداً منهم) ونجحت في اقبال القارئ العربي عليها وكسر أطواق المحلية.
تتمتع قصص هاجاني بصفة قد تعجز العديد من القصص والروايات في الوصول اليها ألا وهي صفة النفاذ الى أعماق القارئ ودفعه للتفاعل معها حد القهقهة أو البكاء. إنها ليست سياسة في قالب قصصي ولا علم اجتماع، علم نفس، تاريخا أو مذكرات اتخذت لها لباس القصة إنما هي قصة، قصة فحسب. والقارئ هنا لا يتركها حتى ينهيها سواء أطالت أم قصرت أي أنه لا يرغم نفسه على اتمامها بدافع الحرج أو إسقاط الفرض أو المجاملة كما قد يفعل مع بعض الأعمال الأدبية، ولعل ذلك يرجع الى السرد المشوق الحافل بالمواقف والتفاصيل الحية.
قصص هاجاني يمكن قراءتها على مستويات عديدة إذ يمكن عدّها قصصاً رمزية أو واقعية أو هزلية أو فنتازيا أو كل ذلك معا. وهي تعكس شخصيته المرحة التي يشوبها حزن دفين نابع من معاناةَ شعبه التاريخية في مشاهد إنسانية مؤثرة.
وهو يرسم أبطاله في تفاصيل لا يلتقطها إلا كاتب متمكن من فنه، وهو يصف في ضربات ريشة سريعة ماهرة حركات أولئك الأبطال بطريقة تجعلك تشعر بأنهم ماثلون أمامك بلحمهم وشحمهم. وهو ينجح في جعل القارئ يعيش في الأجواء المغرقة في المحلية التي يتحركون فيها شاعرا في الوقت عينه بأنه يصف أناساً يمكن أن يقابلهم ويعيش معهم في كل مكان من العالم. وهذه الصفة، أعني الجمع بين المحلية والعالمية، بين أجواء القرية الكردية وأزقة مدنها بكل تفاصيلها وبين القدرة على تصوير النفس البشرية بأحزانها وأفراحها أينما كانت، تمثل واحداً من أهم معالم أدب هاجاني.
إن قصصه الصادقة الحميمية الضاجة بالتفاصيل الصغيرة التي تنبض بالحياة تنتهي في العادة بضربه معلم ماهر تدفع القارئ للضحك أو الوجوم أو كليهما معا!
لا أعرف من قال إن هناك نوعين فقط من الأعمال الفنية: جميلة وغير جميلة! لكنني أعرف بأن قصص هاجاني، وباختصار شديد قصص حيّة، مشوقة، جميلة، في وقت قد يفوت فيه على البعض الاعتراف بأن الجمال (حتى في المأساة) هو الشرط الأساسي الأول لكل عمل فني ناجح!
ومما يحسب للصديق المترجم البارع سامي الحاج هو نجاحه في ترجمة قصص هاجاني بطريقة سلسلة جميلة تنقل القارئ الى روجها واجوائها المحلية التي أشرنا اليها دون أن يشعر بأنه يقرأ أدباً مترجماً، وهذا كما هو معلوم، واحد من أسرار الترجمة الأدبية الموفقة التي عودنا عليها.
ولا ننسى في الختام الإشادة بجهود الأديب والناقد العزيز الصديق حكمت الحاج في التصدي لهذا المشروع المهم في نشر الأدب القصصي الكوردي المعاصر خارج حدوده الإقليمية كخطوة جميلة وضرورية باتجاه نيل هذا الادب الناهض مكانه المستحق تحت الشمس.
رابط لتنزيل نسخة من الكتاب مقدم من الناشر سلسلة كتاب كناية: https://www.mediafire.com/file/9b8lk5bit3uosh0/%25D9%2585%25D8%25B0%25D9%2583%25D8%25B1%25D8%25A7%25D8%25AA_%25D9%2585%25D9%258A%25D8%25AA.%25D8%25A7%25D8%25B3%25D9%2585%25D8%25A7%25D8%25B9%25D9%258A%25D9%2584_%25D9%2587%25D8%25A7%25D8%25AC%25D8%25A7%25D9%2586%25D9%258A.%25D8%25B3%25D8%25A7%25D9%2585%25D9%258A_%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AD%25D8%25A7%25D8%25AC.%25D9%2583%25D9%2586%25D8%25A7%25D9%258A%25D8%25A92023.pdf/file
أضف تعليق