رواية قصيرة جدا
حميد عقبي
يخيم السكون التام على المكان المظلم تماما، النوافذ مغلقة، تبدو أن لمبة الممر بلون يميل إلى الأصفر الخافت، يضعف ضوئها، ثم يصبح وميضا وتصدر صوتا مقلقا، لكنه يكون مستغرقا في نومه، تبدأ أصوات الرسائل القادمة إلى هاتفه من أصدقاء بعيدين عنه وككل عام في المناسبات والأعياد تصله العشرات منها، كأنه نسي المنبه أو أنه لم ينتبه إليه.
يستيقظ برأس ثقيل، عينه اليمين نصف مفتوحة ولاتزال عينه اليسرى مغلقة تماما، لحظة النهوض الأولى قد لا تعني رجوع الروح إلى الجسد، كأن الروح تأخذ موضعها وهو سيحتاج إلى لحظات كي يشعر بالحياة، يكاد لا يشعر بصوت أنفاسه ودقات قلبه، لكنه يسمع بوضوح ضجيج لمبة الممر ويتخيل المشهد والذي يشبه مشاهد أفلام الرعب وخاصة في بداياتها، كما يصل إليه صوت قطرات الحنفية وخرير الماء في مواسير الصرف الصحي ثم تتداخل مع صوت نوارس بالخارج ربما تتعارك على بعض فتات الخبز الذي يرمي به بعض الجيران من نوافذ مطابخهم.
في هذا الجو المعتم، لايزال بسريره متدثرا ببعض الأغطية، يلتوي جسده بحركة لم يخطط لها، تشبه وضعية الجنين في رحم الأم، ينظر وبصعوبة يرى هاتفه الذي يصدر بعض الضجيج يقلبه، يمد بيده فيجد زر فتح مصباح كهربائي، يضغط عليه، تتضح معالم المكان بفضل الضوء الأبيض الناعم، يتقلب يمنيا ويسارا ويظل يحافظ على الالتواء ووضعية الجنين،
يتأمل ما حوله، هو بسرير نوم نفرين تقريبا، تغطيه عدة أغطية ناعمة تميل ألوانها للون الرمادي والأسود، يدرك أنه يلبس شميز بيجاما شتوية، يدرك أن نصفه الأسفل عاريا تماما.
يحاول أن يستوي قليلا، يسحب الأغطية لستر نصفه السفلي، يحدق بالمكان، لوحات فنية معلقة على الجدران، باليمين دولاب ملابس، على مشجب الباب بعض الملابس المعلقة، تمة خزانة أيضا ولوحات كثيرة ملفوفة بأوراق حفض بلاستيكية خاصة، يعود برؤية بأنورامية ناعمة من اليمين إلى اليسار، يتوقف مع لوحة لشجرة بفروع عارية وبالخلفية بيوت متلاصقة ونوافذها كأنها أعين تحدق فيه، لوحة يغلب عليها الأزرق لجسد أنثوي ويبدو الصدر عاريا والجسد ملتصق بجذع شجرة، ولوحات عديدة تكاد تكون مزج بين الطبيعة والجسد الأنثوي العاري، يصل بوجه نظره إلى النوافذ المغلقة والستارة البلاستيكية المغلقة، ثمة يح تقوم بركل النوافذ وكأن الريح تدعوه أن يستيقظ.
يستوي جالسا، يوجه نظرة للبحث عن ملابسه الداخلية، يرى سروال البيجامة، مناديل ورقية مستخدمة مبعثرة، كلسون نسائي بلون بيج مخلوط بالوردي، يشعر أن روحة رجعت تماما لجسده، يسارع لترك السرير وهو يحافظ على أحد الأغطية، ينهض ويسارع ليلتقط سروال بيجامته ويلبسه، تظل يده اليسرى محافظة على الغطاء، كمن يدرك أنه ليس عاريا، ترتخي يده ويسقط الغطاء.
يشعر أن المكان غريب عنه، رأسه فارغ تماما، يتٱمل المناديل الملقاة على الأرضية بيسار السرير، ينحني ليلتقطها، يحدق بما يشبه غطاء الكبوت العازل الذكري ويجد الثاني أيضا، يلتقط بعض المناديل ويمسكها بيده، يجد عازلا ذكريا ويمسك كومة المناديل، يبدو السائل المنوي لا يزال رطبا، يجمع بقية المناديل، يلتقط الكلسون الأنثوي، يسير ببطء ليفتح الباب، ثمة توجسات ترواده أو تبدأ بمداهمته، عدة أسئلة عن المكان والزمان وهويته، فهو لا يتذكر من يكون.
يسير بالممر، مصباح هذا الممر يبعث بوميض مع صوت يثير بعض الغرابة، يرى عن يمينه زر المصباح، يضغط عليه ليغلقه ثم يعيد الضغط ليشعله، يستقر الضوء، يرى الممر ولوحات كثيرة معلقة على الجدران بشكل غير منظم وتكاد اللوحات تتشابه بمواضيعها الطبيعة والتعري، يشاهد أن بعض الرسومات علىجوانب بعض الجدران،
يسير بخطوات هادئة وهو يمسك كومة المناديل والكلسون الأنثوي، يقوده الممر إلى منعطف يساري، يرى باب التوليت ومقابله باب الدش حيث توجد علامات لتوضيح ما يوجد خلف كل باب، يستمر ليكتشف بابا صغيرة، يفتحه ويرى صالة وأسعة مقابلها مطبخ صغير ومساحة لمائدة صغيرة.
يتجه إلى الصالة، ثمة ضوء يكفي للرؤية بفعل أن النوافذ لا تغطيها الستائر البلاستيكية، ثمة ستائر خفيفة شفافة حمراء مع طبشات بيضاء وبيجي، لون الستائر يميل ويقترب من لون الكلسون الذي يحمله بيده، يرى بالمقدمة طاولة وكأنها أيضا مكتب، عليها كتب وأوراق ولوحة غير مكتملة وجهاز لابتوب، يتأمل ويرى لوحات معلقة وجدران مخضبة برسومات، حامل رسم ولوحات مبعثرة، أدوات رسم، تلفاز بشاشة رقيقة معلق بمقدمة الصالة، أريكة ثلاثية وأخرى ثنائية وأمامهما طاولة صغيرة عليها بقايا مقبلات وقناني الجعة وقنينة نبيذ فارغة، كأسان للنبيذ،منفضة سجائر ممتلئة بالرماد وبقايا سجائر،فوضى عارمة تدل أن المكان كان مشهدا لليلة خمر.
يستدير ليكون مقابل واجهة مدخل المطبخ، يخطو نحوه، يتوقف ليطالع بعض الصور لشخص، قصاصات من صحف وبوسترات، يقترب لمعاينتها، بوستر للوحة امرأة عارية يغلب عليها الأزرق وعنوان باللغة الفرنسية (معرض تشكيلي أنتِ واليمن للفنان حبيب اليماني بمدينة كون النورماندي، وبوسترات لمعارض تشكيلية أخرى بنفس المدينة وفي باريس، قصاصات من صحف باللغة الغربية فيها صورة شخص وعناوين لمشاركات حبيب اليماني في مهرجانات سينمائية ومسرحية وأدبية في دبي، أبو ظبي، الشارقة، الكويت، صنعاء، بروكسل، قرطبة، زيوخ، الجزائر وغيرها، يتأمل الصور لهذا حبيب، يدرك أنه لم يرى وجهه بأي مرآة وهل هو هذا الشخص بهذه الملصقات.
ينعطف إلى المغسلة ولايزال يحمل المناديل والكسون، يدخل إلى المغسلة، يتوقف أمام مرآة كبيرة، يستكشف أنه هو الشخص بالملصقات، يترك ما بيده على حافة سخان التدفئة والذي كأنه يصدر صوت يشبه الشخير، يظل يتأمل وجههويحسحس على خده الأيمن ثم الأيسر ثم الرقبة وكأن ثمة علامات لقبلات امرأة، يستدير نحو دولاب طويل ويفتحه ليجد أدوات الاستحمام والنظافة الشخصية، يتذكر أنه لم يغسل فمه أو وجه، يسارع لفعل نظافته الشخصية، يشعر بقشعريرة البرد، يأخذ من المشجب معطف للبس الداخلي، يجد بأحد جيوبه بعض الواقيات الذكورية، يشعر أنه بحاجة للتبول.
يسارع إلى التوليت، سرعان ما يتدفق البول، يلاحظ أنه بلون يميل للصفرة وبعض الاخضرار وربما يكون من تأثيرات الشرب الزائد للكحول، ينهي فعلته، يعود للمغسلة ويغسل يديه، يأخذ المناديل والكلسون من فوق حافة المدفئة، لا يدري إلى أين يتجه، يتذكر الهاتف، يسارع نحو الغرفة ويلتقط الهاتف ثم يعود إلى الصالة.
يتجه نحو جهاز الابتوب، يضع بجانبه المناديل والكلسون، يجد علبة سجائر وقداحه.
ـ إذن أنا مدخن ؟
سؤال يوجهه لنفسه، يمسك بالعلبه لكن لم يأتيه الشعوربالحاجة للتدخين.
يكون بقرب الابتوب فأرة حاسوب،يحركها، يبدو أن الجهاز تُرك مفتوحا، يصادف رساله بالفرنسية بملف تثير اهتمامه، يقرأ بتٱني وحذر
ـ أشكرك على الليلة الممتعة وأجمل من ليالي الف ليلة وليلة، فعلناها بلذة مثنى وثلاث وقد أحتفظت بمنديل به الواقي المليء بعسلك الأبيض وأخذت أحدى فانيلاتك المعطرة بعرقك ..كل قبلاتي
ينظر للمناديل والكلسون ويحاول الربط بين الرسالة وهذه الأشياء، لا يتذكر أي شيء ولا حتى صورة ضبابية، أيعقل أن يعاشر امرأة لليلة كاملة وينسى ما حدث!!
يرى ملفا اخر ويسارع بفتحه ويجد نصا باللغة العربية.
يقرأ بصوت مسموع
أرى العالم يسير إلى الفوضى، ويسير إلى العدم الذي جاء منه، أحفر في دواخلي بحثا عنكِ وأبحث عن اللا شيء، في كل نص أكتبه أو لوحة أرسمها أترك مساحة فارغة، أخصصها لك وحدك، تصبح حكايتنا في عداد اللا شيء، قضيت ليلة الميلاد وأنا أتأمل لوحة الموجة الكبيرة قبالة شاطيء كاناغاوا للفنان الياباني كاتسوشيكا هوكوساي، كأني أبحث عنكِ ويبدو أن فكرة هذا البحث تتطور وهأنا أشتري لك كتابا مصورا من رسوم هيروشيجي.
أتخيل نساء شبقات جنسيا، ويهمس في اذني تانيزاكي، أن أكتب أكثر عن الرغبة واللذة، تتذكرين رواية جوستين لماركيز والخبز الحافي لشكري، كنا نجعلها قريبة من مخدتنا القطنية البيضاء الطويلة، قرب الواقيات الذكورية وفي الجانب الأيمن كنتِ تفضلين وضع الكريمات الخاصة ببشرتك وكذلك المغذية بالفيتامينات لإطالة المضاجعة بيننا.
لنرقص على ترانيم مانترا شيفا المقدسة.
تسري في جسدي نفحات عبدالقادر الجيلاني وأحمد بن عجيل لكنها لا تفعل شيئا وأنتِ تطيلين في الغياب.
كمن يدخل بمتاهة معقدة، ويسأل كيف يكون لي حبيبة أو عشيقة وأكتب عن حبيبة غائبة.
يفتح ملفا ثالثا ليجد نصا يزيد من تعقيدات المتاهة.
أحب أن أكون سعيدا، ويبدو أني أحب العزلة”
قد نصل إلى فترة من حياتنا نشعر أننا لمنعد نؤمن فيها بالحب، إلى حد التفكير في قضاء بقية حياتنا نبتعد عنه: أنا لم أعد أؤمن به. حلمت به كثيرا وربما منذ طفولتي ولكني لم أعد أؤمن به. قلت لنفسي: “حسنًا، ربما أكون مبالغا بعض الشيء. بعد فترة من الوقت، عليك أن تتعلم كيفية تقديم بعض التنازلات،وتعلم أكثر لفنون التواصل مع الآخرين، أو التخلي عن أشياء معينة، أو ببساطة إدراكت أني لم أتمكن من مشاركة كل شيء مع تلك المرأة، وأنها لم تتمكن من قبول كل شيء مني. . أوه، اللعنة.. أنا وحيد تماما في الحقيقة. أحب أن أكون سعيدًا، أحب العزلة وأحب كسر نافذة في جدرانها. لدي ما يكفي من المشاغل والمشاريع والكتابة لتغذية حياتي ولكي أكون سعيدا بمفردي، وهذا يناسبني جيدا فلماذا أخاف.
هنا مع نهاية النص يشعر بحاجته للتدخين وشرب قهوة مركزة، يأخذ علبة السجائر والقداحة وينطلق إلى المطبخ والذي يظهر بحالة فوضوية، بقايا أكل وقناني الجعة، يلتفت يمينا وشمالا، يتجه إلى دولاب المطبخ، سرعان ما يجد علبة لقهوة ثم يستدير إلى طاولة عليها البراد الكهربائي وكومدينة أخرى فيها الصحون والملاعق والكؤوس والفناجين، يسارع ويًعد قهوته، تفوح رائحة القهوة العربية الأنيقة، ينتبه لوجود بعض علب الأودية ولا يتذكر أسباب استخدماتها وإن كان مصابا بمرض مزمن.
يقرر أن يتفرغ لفنجان قهوته ويشعل سيجارته الأولى، مع أول سحبة نفس منها يدرك مذاق النيكوتين، يفتح باب النافذة، يلقي نظرته الأولى إلى الخارج، المنظر يشبه بارك أخضر، عدة أشجار عملاقة تتراقص مع الريح، شمس خجولة تفرش أشعتها لم يسأل عن الوقت، يؤخر قليلا هذا السؤال ويستمر بتأمل الخارج ويرسل نفثات الدخان إلى الخارج مع أخذ رشفات من قهوته.
يكمل سيجارته بتأني ويكمل تأمله للمشهد الخارجي وكأنه يراه بلقطة عامة مهزوزة قليلا كلوحة تعبيرية فيها تداخلات لونية رقيقة وهادئة مع مساحات فراغية متعددة.
يسير نحو الصالة، يستوي أمام الابتوب ويستخرج هاتفه ليرى التوقيت : إنها الثامنة بعد الظهر، اليوم هو 24 ديسمبر، يفتح حسابه الواتساب ليقرأ تلك الرسائل التي وصلته ويقرأ:
حكمت الحاج ـ كناية: رفيق، لا تنس موعدنا في ندوة الخميس، ونرحب بمداخلتك النقدية.
يجد من نفس الشخص رسالة صوتية. يسمع: رفيق، روايتك القصيرة جدا النادلات ستجد طريقها للنشر بداية العام على كناية.. سلم لي على نادلاتك الجميلات ميجان، صوفيا، جاد وفريدة. الرواية القصيرة الأولى سنفكر لها بعنوان ومرحبا بك في كل وقت.
يجد رسالة اخرى.
نبيل شوفان: حبيبو.. متى تأتي إلى باريس، مشتاقين لجلسة شعر ونبيذ صباحي.
د. سعدي يونس بحري: أستاذ حبيب الله يخليك يلزمنا نشتغل على ممول لفيلمنا أقنعة .. فين أنت ملتهي، هيا يا بطل.
ك: متى تحب تأتي إلى باريس نلتقي. بيزو.
رسائل كثيرة وبعضها تهاني وكروت أتوماتيكية معايدات نهاية العام ورأس السنة.
ينظر بجانب اللابتوب فيجد فواتير متعددة للسكن والكهرباء والتأمين وغيرها، يجد كرت الباص عليه صورته وأسمه حبيب اليماني وعنوان السكن ويقارن المعلومات بما موجود بالفواتير، يفتح الايميل ويبدو ٱن النافذة كانت مفتوحة ويجد رسائل رد على بعض طلبات أرسلها، بملفات الارسال يجد ملفات كثيرة لكتب بأسمه وأغلفة كتب اصدرها، يتأمل غلاف ديوان ملاك موت بلا وطن، صورة غلاف ديوان تشيخ المدن رصاصة حرب واحدة وأغلفة لثلاثة مجاميع قصصية كارمن، محطة مدينة كون النورماندي ومجموعة ثقوب.
يعود لسطح المكتب باللابتوب وينقر على ملف يخزن كتبه و يفاجئ بكثرة كتبه بمجالات السينما وغيرها ولا يصدق أنه نشر كل هذا.
كمن يبحث عن حل، يفتح نافذة أخرى ويجد بروفيله فايسبوك وانستجرام وقناة يوتيوب باسمه فيها مئات المواد نقد وندوات وأفلام…يتصفح هنا وهناك، يشاهد ولو أجزاء ويرى نفسه وطريقه كلامه وحركاته ونبرة صوته.
يصاب ببعض الصداع، يغلق الحاسوب، يسند رأسه إلى الوراء وهو لا يدري ماذا سيفعل وأي شخص عليه التواصل به.
ينظر للتوقيت ويفاجئ أنه أمضى أكثر من ساعة والمتاهات تزداد تعقيدا، تطرأ برأسه فكرة الاتصال بطبيب، أكيد لديه طبيب، يبحث فيه هاتفه ويجد رقم د. سونيا، أكيد هي طبيبه وخاصه أن هناك علب أدوية متعددة، يسارع يتصل بها، ترد
د.سونيا :ـ الو نعم
هو :ـ مرحبا أنا السيد يماني..أرجوك محتاج لموعد للضرورة أرجوك
د. سونيا :ـ أنا ساغادر بعد قليل تعلم أننا أيام نويل ولكن إن كانت للضرورة تعال بعد عشر دقائق وساعطيك خمس دقائق فقط..في انتظارك
هو :ـ شكرا شكرا الف شكر.
ينهض واقفا، كأنه لمح أحدى الأوراق بها وصفة طبية وأكيد بها عنوان طبيبته، يسرع إلى المطبخ، يبحث مرتبكا ويُسقط من عمد أحد الكؤوس، لا يهتم لهذا الحادث العابر، يعثر على مبتغاه، يسير بحذر على الأرضية المليئة بشظايا زجاج الكأس، يسارع ليعد نفسه وهو لا يعرف الطريق إلى الطبيبة.
يخرج من الشقة وكأنه خائف قليلا، تصادفه جارته باب المقابل وتحيه.
الجارة :ـ مرحبا جارنا نويل سعيد..تبدو مستعجلا
هو :ـ مرحبا فعلا يجب أن أصل إلى عيادة د.سونيا في دقيقتين
تبتسم الجارة :ـ لا بأس أنها في الطابق الأرضي بالعمارة المقابلة لنا..نحن محظوظين بوجود عيادة طبية قريبا جدا ووجود صيدلية وحانوت عربي ومخبز وسوبر ماركيت خلف عمارتنا..هل الحانوت العربي يبيع حلويات عربية في نويل أم فقط شهر رمضان وأعيادكم؟
يربكه السؤال ويرد بعدم العلم ، ببدو أنها تحب الثررة والجيد أنها ارشدته لعنوان العيادة، شكرها ليسرع بالنزول.
بحسب وصف الجارة وصل إلى العمارة، وجد لوحة بأسم د سونيا، وهوينظر للوحة باب العمارة، يخرج أحدهم بكلب متوسط الحجم والذي يسارع بالركض ليبول على جذع شجرة، يترك الرجل له الباب، يسارع بالدخول وسرعان ما يجد باب العيادة ، يمسك بالمقبض، ينفتح الباب وتكون الطبيبة في انتظاره، تسير امامه لغرفة المعاينة، يسرع ورائها وكأنه يخاف أن يضيع الطريق.
في غرفة المعاينة، تستوي الطبيبة على كرسيها، يتأملها قليلا، امرأة ربما تكون في نفس عمره بعد منتصف الأربعينات، وجه رقيق وشعر يميل للون الأسواد مع بعض الحمرة وبعض الشعيرات البيضاء، صدر ضامر نوعا ما، جسد لايزال يضج بأنوثة هادئة.
د. سونيا :ـ سيد يماني ليس لدينا الكثير من الوقت، ما الضرورة الملحة هل أنت بخير مما تشكوى؟ تعلم نحن أعياد الميلاد ونهاية العام وغدا اجازة.
سؤالها يقطع تأمله فيها
يرد :ـ عفوا..أشكرك لا أدري ماذا أقول..أنا ..أنا لا أعرف من أكون يبدو أني فقدت ذاكرتي.
تصاب ببعض الفزع، تنظر إليه مستغربة وكأنه تريده أن يشرح أكثر
د. سونيا :ـ ماذا تقصد لم أفهمك؟
سؤالها جعله كمن يشك بلغته الفرنسية أو ربما بعض ارتباكه جعل عبارته غير مفهومة
يرد ويحرص أن تخرج الكلمات والأفعال صحيحة :ـ نعم أنا مصدوم..صحوت وأنا لا أعرف مكاني ولا زماني ومنذ ساعتين بفضل ما موجود على حاسوبي وهاتفي والصور في مسكني وبعض الأشياء عرفت أنا أسمي حبيب وأن لي لوحات وكتب وأنشطة أدبية وفنية لكني لا أتذكر أي شيء..صفر ..هل أنا مصاب بمرض فقدان الذاكرة.
تنظر إليه بتركيز كبير وتحرك يدها لفتح ملفه الطبي على شاشة الحاسوب المكتبي، تصمت للحظات
د. سونيا :ـ أبدا أنت مصاب بمرض السكر النوعية الثاني وزيادة الكوليسترول ولديك علاج منتظم واخر تحليل كان قبل يومين وحالتك مستقرة لا بأس، كنت طلبت منك تخفيف التدخين والكحول وممارسة بعض الرياضة.
هو :ـ وجدت بالصالة قناني كثيرة للجعة وقنينة نبيذ فارغة، يبدو أني قضيت ليلة الأمس مع رفيقة وكانت صاخبة لكني لا أتذكر أي شيء.
تبدو عليه ملامح الحيرة والحزن وهو ينظر إلى عيناي طبيبته وبدأ التعاطف على وجهها.
تشير إليه إلى لوحة فنينة متوسطة الحجم معلقة على الحائط، كأنها تريد طمأنه
د. سونيا :ـ أنظر هذه أحدى لوحاتك..أحضرتها لي كهدية وكنت شاهدت بعض لوحاتك وصورك بمعرضك العام الماضي بالمركز الثقافي والاجتماعي بالحي، تعال كي أخذ قياس الضغط .
ينهض ويستسلم لها وهي تقيس الضغط والنبض وتعمل له بعض الفحوصات الروتينية ثم مقياس سريع وفوري للسكر.
تعود لكرسيها وتتطلع لشاشة الحاسوب، تسجل بعض الملاحظات، تنظر إليه
د. سونيا :ـ كل شيء كما هو لا توجد زيادة بنسبة السكر والضغط جيد…حسنا أمهلني دقيقة سأتصل بطبيبة زميلة نفسية تهتم بمثل هذه الحالات ولو وافقت سارسلك إليها.
تخرج الطبيبة لتعمل الاتصال، يظل لوحده يتأمل لوحته، لا يدري كيف يفسرها، فيها ما يشبه الجذع المعوج أو جسد إنساني مشوه يطغي عليه الأخضر الممزوج ببعض السواد بالأسفل والقليل من الأصفر كأنه انعكاس لضوء في جو به تموجات لونية غامقة وثمة خطوط تميل إلى الأحمر بمجاورة اللون الأصفر وزقة مدفونة بفعل سطوة الغموض التي تربك المتلقي من تحديد فهم تواصلي يدرك المكان وهذا الشيء.
تعود طبيبته لتنزعه من تأمل لوحته وهمساته الوصفية لها، تبتسم مع بعض التعاطف لحالته.
د. سونيا :ـ تعلم صعوبة الوضع هذه الأيام، تحدثت إلى د.كريستينا وعيادتها قريبة جدا بالشارع الخلفي، مسافة خمس دقائق، سوف أحول لها ملفك الطبي الآن على الايميل، يمكنك أن تنتظرني لدقيقتين بالخارج، سوف أخذك بسيارتي إليها وأتمنى أن تكون حالة طارئة مؤقتة قصيرة..هي ستهتم بك.
تشير إليه بالخروج وتبدأ بأرسال الملف، يشكرها بامتنان ويغادر إلى الخارج.
بالخارج، الأشجار تحيط بالمكان، الكثير منها فقد أوراقه لكن ثمة جمال وضوء خاص يحيط به، تشاكسها لفحات الريح أحيانا، ثمة نوارس تطير وتهبط قرب العمارات ويبدو الفراغ وقلة المشاة، يشعل سيجارة اخرى ويدع لنفسه السباحة لتأمل ما حوله، ثم يتطلع إلى المكان وكأنه يبحث عن طريق العودة وهنا تأتيه فكرة ويقوم يلتقط بعض الصور للمكان ومدخل العمارة التي يسكنها ولقطة لنافذة شقته ثم لقطات للسماء وهذا الشمس التي تستعد لترك هذا المكان وكأنها تجمع حبات الضوء من على أغصان الأشجار العارية وأجنحة النوارس ومن أسطح النوافذ المغلقة.
يسمع صوت الطبيبة تنادية وهي خلف مقود سيارتها، لا يدري كم أستغرق من اللحظات في تأملاته، يرمي بما بقي من سيجارته، يسارع ليركب، تسير السيارة بهدوء وتلتف يمينا ثم شمالا بشارع يسكنه الهدوء والخضرة، على بوابات بعض البيوت مجسمات لبابا نويل وبعض زينة الميلاد وكأن الحي عبارة عن بيوت متوسطة وصغيرة، سرعان ما تدخل السيارة لبوابه لتصل بمكان أشبه بحديقة ويرى بوابة عمارة صغيرة من ثلاثة طوابق.
د. سونيا :ـ وصلنا، طريق العودة سهل، تخرج من هنا تأخذ يمينك إلى النهاية وتأخذ يسارك تصل الحي الذي به سكنك.
يشكرها وكأنه حفظ المكان وخط السير ولا يبدو قلقا.
سرعان ما تظهد د.كريستينا والتي تسارع تستقبل طبيبته سونيا وتعانقها بمودة، ثم تتوجه لتحيته وهي مبتسمة، امرأة تبدو بمنتصف الثلاثينات، ملابس أنيقة وتنورة إلى ما فوق الركبة، صدر مكتنز بالأنوثة ووجه جميل تميزه شامة أنيقة أسفل العين اليمنى.
تدعوهم للدخول فقد خرجت تستقبلهم دون أن تلبس معطفها، تسير أمامهم وكأن حركة مشتها وحركة مؤخرتها تشد وجهة نظره، مع دخولهم للعيادة وتبدو أنها عيادتها وسكنها أيضا، تطلب منه أن ينتظر بغرفة الانتظار لتكمل بعض الحديث مع د. سونيا وكأن صداقة ومودة تربطهما فقد بدت الابتسامات وتعابير الوجهين سعيدة وفرحة لهذه الزيارة.
في غرفة الانتظار، هدوء حد السكون التام، نافذة صغيرة تطل على حقل من الزهور، هاهي الشمس تقترب وتلملم بقايا النهار من هذا الحقل الصغير، يطيل النظر إلى الخارج دون أن يولي اهتمامه بتفاصيل الداخل ولا الصور للضوء والظل وبعض اللوحات الصغيرة جدا.
تخرج الطبيبة سونيا وتسلمني إلى د.كريستينا ثم تغادر بشكل مستعجل، تبتسم كريسينا وتنظر إلى المكان وكأنها تطلب وجهة نظره بالصور، يحول بوجهة نظره بطريقة بأنورامية هادئة وسلسة لهذه الصور الطبيعية للضوء والظل ويظهر ارتياحه لها.
تبتسم بفرح :ـ هذه صوري لست محترفة لكني أحب الطبيعة وأتذوق الفنون التشكيلية..هيا بنا إلى مكتبي..تفضل من هنا.
في مكتبها، والذي يبدو وسعا وأكبر من غرفة معاينة طبيبتي، بعض الصور وبأحجام كبيرة لسحب وللشروق والغروب وظلال أشجار، مكتبها أيضا كبير وعليه كتب وملفات عديدة وجهار لابتوب أنيق وجديد وقربه تابليت متوسطة الحجم وهاتفها، غير بعيد توجد كنبة ثلاثية وكرسي خاص مريح من النوع الدوار وبعض التحف لأقنعة ومجسمات أفريقية وهندية، ما يميز المكان أيضا مجسم لبوذا .
تدعوه أن يسترح على الأريكة وتعاود الترحيب به.
كريستينا :ـ أعرفك بنفسي كريستينا، مختصة نفسية وأعد بحث ودبلوم خاص مع بعض المراكز في اليابان وأمريكا والمانيا ويتركز بحثي عن الذاكرة وخاصة الاضطراب أو الفقدان المؤقت وسأكون مستعدة لنتعاون وبحثي يتابعه أساتذه كبار بهذه المراكز وسأجد دعمهم أيضا…قل لي أولا إن كنت تريد شرب شيء أو أكل شيء..هذه عيادتي ومسكني وقد الغيت كل ارتباطاتي هذه الليلة ولبعض الأيام من أجل حالتك.
يبدو كلامها مشجعا ويبعث في نفسه بعض الطمأنينة.
هو :ـ أشكرك، هذا كرم منك..نعم ممكن قهوة، الغريب أني لا أشعر بالجوع منذ استيقاظي
تتحرك كريستينا لجلب القهوة، وهو يتابع التحديق في أحد الأقنعة وهو قناع بشكل مستطيل بعين واسعة واخرى ضيقة، خد منفوخ قليلا واخر محفور بالداخل وأنف طويلة رقيقة وفم كأنه فم أنثوي، تلوينات متعددة ويظل اللون البني مسيطرا ولكن ثمة تدرخات متعددة بمزجة مع اللوان حارة.
سرعان ما تعود كريستينا وهي تجر طاولة خشبية لطيفة عليها القهوة وفواكة جافة وبعض المكسرات وصحن من السوشي وصحن يحتوي قطع صغيرة من الخبز تلف بداخلها شرائح السلمون المدخن وبعض زجاجات الجعة ولكن ماركة غريبة لم يشرب مثلها قبل، تصبح الطاولة امامه وهي تجلس على الكرسي مقابلة له، ثم تنهض وتحضر التابليت وهاتفها وورقة.
كريستينا :ـ إن أحببت خذ راحتك وانزع معطفك وتفضل يمكنك أن تأكل كما تحب وتشرب أيضا هذا نوع من الجعة اليابانية طعمها لطيف وممتع لا توجد في أسواقنا هنا.
يشكرها ممتنا، يرفع فنجان القهوة الصغير ويبدو أن طعمه أعجبه.
كريستينا : زميلتي د. سونيا حولت لي بملفك لا تهتم بشأن الاتعاب التأمين الصحي سيغطي التكاليف وكذلك مراكز البحث التي أعمل معهم، أخبرتني د.سونيا ببعض التفاصيل..أرجوك كن مسترخيا وبدون توتر سنتحدث وتسمح لي بتسجيل جلستنا وأرجوك أن توقع لي هنا بموافقتك على العلاج.
تناوله الورقة من يدها، الصيغة بسيطة ومفهومة وبحدود سطرين لا أكثر، يسارع بالبحث في جيب معطفه عن قلم ، يوم بالتوقيع راضيا ويعيد إليها الورقة، تسارع بوضعها على مكتبها، تعود وتبدأ التسجيل.
كريستينا :ـ أريدك أن تحكي لي من لحظة استيقاظك إلى الآن وكل مادار في رأسك حتى لو كان شيئا بسيطا وتافها.
يبدأ ويحكي لها وبطريقة سردية متناسقة وبشكل متسلسل وحتى أنها تسمح له أن يدخن ويشرب زجاجة جعة، أن يفعل ما يشاء، يقف، يصمت، يؤدي بعض المشاهد بطريقة تمثيلية أقرب إلى المسرحة، لم يخجل أن يحكي عن الواقي الذكوري والسائل المنوي بداخله وحتى أنه حكى لها نظراته لمؤخرتها وصدرها.
ينتهي من الحديث، يستأذنها لدخول الحمام تسارع إلى ارشاده وتعطيه قنينة فحص بول صغيرة وشيء أخر لعمل فحص براز.
كريستينا :ـ أريد أن أعمل لك بعض الفحوصات وسأتصل بمختبر سيأتون لاخذ العينات، فحص بول، براز ودم.
يبدي موافقته ويدخل الحمام ليقضي حاجته وترك عينات.
تتصفح كريستينا جهاز التابليت، تختبر التسجيل، تجده جيدا، تصور ورقة الموافقه، تسرع وترسل ايميل مختصر بالحالة لأحد المراكز في اليابان.
يعود وهي تظل تكمل مراسلاتها، ينظر لما حوله ليستكشف المزيد، تكمل عملها، تبتسم.
هو :ـ تركت العينات هناك، لدي بعض الأسئلة.
تتجه نحوه وبيدها كما يظهر الأدوات لعمل فحص الدم، يفهم ما تريد، يخلع معطفه، يجلس على الأريكة، تقوم بأخذ عينات دم منه، ثم تجري اتصالا للمختبر لأخذ لعينات.
هي :ـ كل شيء سيكون جيدا، سيأتون لأخذ العينات وستصلني النتائج بعد ساعات قليلة، وقد نحتاج للمزيد من الفحوصات، أرسلت لأحد أساتذتي في اليابان بتقرير مختصر للموافقة..أكيد سيوافق لآني لم أكن أملك عينة مثل حالتك وأرسلت له القصة بصوتك.
يقاطعها :ـ ولكن هل سيعرف فرنسيتي؟
هي، تضحك :ـ برامج الذكاء الصناعية متطورة جدا تترجم وتحلل وتنسخ وتدبلج لا تقلق إن أحببت الحديث بالعربية لا مانع لدي..قل ما هي أسئلتك؟
هو :ـ يعني أنا مصاب بفقدان الذاكرة المؤقت أم الخرف والجنون؟
هي :ـ الجنون والخرف لا..لا نستبق الاحداث قد يكون نوع من فقدان الذاكرة المؤقت وسنبحث عن أسبابه وسنذهب إلى بيتك كما أظن لايزال كل شيء بمكانه؟
هو :ـ نعم لم لمس أي شيء حتى المناديل والواقي لا يزال هناك والكلسون وكل شيء، لا أدري إن كان لي رفيقة وستعود إلى البيت أم أنها عادت لم يصلني اتصال ولا رسالة ولا توجد لها أشياء في البيت…ولكن هل يمكن أن يكون كل هذا من خيالاتي؟
هي تدون ملاحظات :ـ تقصد أنك كنت وحدك مثلا؟ أو كانت معك عاهرة أو شيء من هذا أي تشك أنك تفتعل فقدان الذاكرة واقنعت نفسك به؟
هو :ـ ماذا يسمى هذا جنون شاعر أم انفصام بالشخصية؟
هي :ـ نحن بالنقطة الأولى كل شيء سيتضح بالتحليل وأحتاج لتصوير لوحاتك ونسخ ملفات كتبك ومقالاتك وحتى أفلامك وفيديوهاتك.
هو :ـ واو كل هذه ستترجم إلى الانجليزية تحتاج وقتا وميزانية
هي :ـ لديهم برامج متطورة وسريعة ودقيقة في الترجمة والتحليل، كل شيء ممكن، لا تقلق من هذه النقطة.
هو :ـ وهل مثل حالتي يمكن أن يعودوا لحالتهم قبل الحادثة؟ إن كنت كاتب هل سأعود للكتابة والرسم والتخيل؟
هي :ـ سنعمل على فعل ما يمكن فعله.
هنا تستلم رسالة على هاتفها، تسارع وتحمل عينات الدم ولبحث عن العينات الأخرى لتسليمها إلى المختبر، هو يعود ليتوقف مع لوحه خشبية لامرأة أسيوية يلتف حولها ثعبان أبيض منقط بنقاط بلون أحمر ضعيف جدا وحول المرأة رجل سمين بقناع وسيدة كأنها تعزف على اله موسيقية غريبة في الشكل.
شدته اللوحه إليها ويزيدها جمالا تلك الاضاءة الخاصة عليها.
تقترب منه ومن اللوحة وتنظر لملامح وجهه المشدود إلى اللوحة، تترك له مساحة من الوقت ليكمل تأمله، يلتفت إليها.
تبدأ بشرح اللوحة وكأنه ادركت سؤاله.
هي :ـ تسمى أسطورة الثعبان الأبيض أو الأفعى البيضاء وهي أسطورة شهيرة في الصين واليابان، اقتنيها بثمن غير مبالغ فيه بسوق شعبية للتحف ويبدو أنها تحكي أسطورة رجل أحب امرأة وعشقها ثم تزوجها، لكن أحد رجال الدين العرفين أخبره أن المرأة ما هي إلا جنية ثعبان، حب الرجل وعشقه لزوجته جعله لا يصدق ولكنه رأى بنفسه بعد ذلك أن جنية، استدرجها إلى سرداب تحت أحد المعابد ثم سجنها إلى الأبد، الأسطورة مشهورة والكثير يقوم بمعالجات فنية مختلفة لها بالرسم، النحت، الرقص، الموسيقى وحتى الأفلام.
يستمع للقصة بكل حواسه.
هو :ـ ربما كان رجل الدين على غير حق وزرع الوهم في رأس الزوج العاشق وقد يكون ما شاهده تخليلا ووهميا، تبدو حكاية مثيرة، ربما حكايتي ستصبح مثيرة بعد ذلك.
هي :ـ أنت مشهور سابقا، قرات أن لك ثلاثين كتاب وقصص ولوحات وأفلام، توجد مئات العناوين في محركات البحث بأسمك أو عنك باللغة العربية والقليل أيضا بالفرنسية خاصة معارضك الفنية.
هو :ـ شاهدت بعضها لكني لا أتذكر ولو صورة ضبابية ولا حتى همسة صوت ولا أي حديث لي مع أي شخص في الكون، كما قلت لك كلمتين تحدثت بها لجارتي عند خروجي من البيت ثم د. سونيا وأنتِ.
هنا يأتيها إشعار بوول إيميل، تسارع لفتحه وتنشغل بعملها، هو يعود إلى القناع الغريب ليتأمله، يأخذ وقته، تنشغل كريسينا بعملها ويبدو أن الرسالة من اليابان من استاذها وكأنه تلقت منه بعض الارشادات، هو يتأمل القناع وكأن دقات طبل خفيفة لبداية طقوس وثنية ترن في مسمعه لكنها خافته وتتقطع، يقترب أكثر من القناع لعل صوت هذه الدقات يرتفع ولو قليلا أو يستمر دون تقطع، يشعر أن هذه الدقات تشبه صوت مصباح الممر في بيته لحظة الاستيقاظ ويحاول أن يستمع للصوتين ليقارن بينهما ليفهم المشترك بينهما.
تعود إليه بخطوات هادئة وقد طبعت بعض الأوراق من استاذها البرفيسور يو.
هي :ـ سنضطر إلى الذهاب لعمل فحوصات وأشعة وتخطيط دماغ، وصلتني رسالة من د. يو وكذلك وصفة بسيطة لك.
هو :ـ نهاية اليوم وأعياد ميلاد أين سنجد كل هذا؟
هي :ـ لا تقلق مستوصف خاص ومركز سان مارتان الطبي وسندفع لهم كل طلباتهم..الأمر لن يأخذ أكثر من ساعة وخذ هذه الأوراق موافقة طبية للعلاج للتوقع عليه ستجد البنود بالفرنسية والانجليزية والعربية ..هيا لنسرع سيارتي بالخارج.
يتبعها موافقا ويمسك الأوراق وهو مستغرب لهذه السرعة القوية في التعامل مع حالته وهل ستكون حالة عادية أم مختلفة وجديدة.
في السيارة، يكون المساء قد بسط ارديته على المدينة، تسير السيارة بزقاق وشوارع شبه فارغة، هي تشغل أغنية سيلين ديون كي تحبني أكثر.
Céline Dion – Pour que tu m’aimes encore
كأن الأغنية تشده لوجه لا يتذكره، لمشهد طاولة عليها شمعة تشع بالأزرق وصحن أخضر وصوت سيلين يتغلغل بداخله، قد تكون صور تخيلية ليست من الماضي.
هي :ـ هل تحب سيلين ديون؟
تصمت ثم تواصل حديثها :ـ هي ي مغنية بوب كندية مشهورة وعالمية، تشتهر بعدة أعمال موسيقية منها أغنية لفيلم ديزني الجميلة والوحش ولفيلم تيتانيك.
هو :ـ لا أتذكر شيئا ولكن وأنا أسمع الأغنية كأن بريق مشهد خافت لمح أمامي لطاولة عليها شمعة تشع بالأزرق وصحن أخضر وصوت سيلين هذه الأغنية ولا أدري لمشهد من الماضي أو تهيؤات لحظية وكذلك القناع في عيادك حاولت أن أمسك بصوت دقات طبلة كان الصوت يتقطع وكأن الصوت يشبه صوت تقطع مصباح الممر في بيتي.
هي :ـ تعلم بالدور الثالث يسكن فنان من أصول أفريقية وهو يبتكر اعمال قريبة لطقوس دينية غرائبية، الصحن الأخضر كان هناك صحن أخضر على طاولتي بالعيادة الا تتذكر صحن السوشي ولونه؟
هو :ـ لا يبدو أني قد أرى الأشياء ولكن بعضها قد أتبه لها بعد خروجي من المكان ولكن قل لي هل سأصبح طبيعيا وكأني قرات عن الذين يفقدون الحياة ثم يعودون إليها يتحولون إلى أكلي لحوم بشر أم مصاصي دما؟
الا تلاحظين شربت فقط قهوة أو زجاجة جعة ولم أتذوق من المكسرات ولا أي شيء من تلك الأشياء وتشدني صور لأساطير كالقناع وأسطورة الأفعى البيضاء.
يصمت، هي تظل واجمه، يشعر أن رعشة خوف تلامس جسدها وتكاد تشله
هي :ـ أنت لم تمت ..مجرد فقدان مؤقت للذاكرة.
هو :ـ ربما نفقد ذاكرتنا بعض الوقت بعد الموت
هي كأنها تجره لحديث اخر :ـ لاحظت ولعك وانفتاحك للكتابة عن الجنس وعن نساء ذو ميولات جنسية متنوعة وكأن في جزء أحد نصوصك كأنك ترحب بدعوة امرأة تقودك إلى لذة متفوقة أو تدعو امرأة أخرى لخارطة ثلاثية.
هو :ـ حقيقة لا أدري حتى كيفية ممارسة الجنس؟
هي :ـ قلت لي أن مؤخرتي وصدري بعثوا فيك رعشة رغبة فهل شعرت بقضيبك يتحرك؟
هو :ـ سأحاول التذكر أو ربما يحدث بعد ذلك، يعني لا أزال طفلا يتعلم الحياة وكل شيء وإذا لم تعد ذاكرتي سأحتاج لدعمك في تعليمي.
هي :ـ لا تقلق سنحصل على دعم ويمكن أن نستعين بمتخصصات بمجال التدريب على الجنس وهن أشبه بالممرضات الفاتنات، هذا التخصص يوجد في المانيا والسويد وأمريكا واليابان خاصة لمن يصابون بالصدمات ويصبحون معاقين جنسيا وكذلك للمعاقين ولفئات عدة ويوجد كذلك شباب كممرضين وهي مهنة ليست سهلة وليست العهر.
تصل السيارة إلى مدخل المركز الطبي، تختلط أضواء المصابيح بالمطر الذي ينسب مشبعا بضوء القمر المكتمل، كأن المطر رذاذا قمريا، تارة يسكبه بغزارة وتارة يبعثره كرذاذ لطيف.
قبل خروجهما، تشير إليه بالتوقيع على ملف القبول بالعلاج، يلقي نظرة سريعة ويوقع بثقة عالية، تأخذ الملف تضعه في حقيبتها، يسرعان بالخروج من السيارة، تستقبلهما ممرضة أنيقة وجميلة، شابة ومتسمة وكأنها ستقوده إلى الرحلة في دهاليز هذا المركز.
كريستينا :ـ ممرضة جميلة..ستكون ملاكك الحارس والأمين، أنا يجب أن اطالع النتائج وارسلها إلى البرفيسور يو، لكل دقيقة ولحظة أهميتها.
يسلم نفسه للمرضة وكأنه يفقد النطق للحظات، تعرفه بأسمها دي، دي مثل حرف دي سهل وموسيقي وناعم.
تبدا الرحلة سريعة بتبديل ملابسه وبعض التعقيمات، روب قماش مفتوح من الخلف وقد يظهر ظهره أو جزء من مؤخرته أو أشياءه الذكورية، رحلة لم يشعر بضجيجها وتعبها بصحبة دي والتي تسلمه وتستلمه من مختص إلى اخر وقد تساعدهم، تمسك بيده أو ذراعة وفحصوا حتى أشياءه كل شيء القضيب والخصيين والمؤخرة وأمسك دي بقضيبه خلال هذا الفحص، هي مهنتها ولا يوجد حرج وتبتسم وأكثر من مرة لاحظت اهتزاز قضيبه.
طمأنته بعبارة : ـلا تتوتر لا تهتم بأي شيء.
ثم ينتهي به المطاف بأخذ استراحة بأحدى العودة وعودة ملابسه كاملة ودي تستمر برعايته والابتسامة الدائمة الأنيقة.
تأتي د. كريستينا لرؤيته وهي تبعث بأي نتيجه تصلها إلى د. يو.
د. كريستينا:ـ جيد كيف حالك؟ تم كل شيء، سنغادر إلى بيتك مباشرة وقد نذهب غدا إلى باريس لعمل فحوصات نوعية طلبها د. يو.
يهز رأسه ويظل يحدق بالممرضة دي وكأنه يتمنى أن تطول أقامته هنا.
تهمس له د. كريستينا:ـ هيه يبدو أنها أعجبتك إن أحببت يمكنني أتفق معها لتكن ممرضتك الخاصة..لا يمكنني أن ادعك لوحدك ولن اسلمك إلى أي مركز نفسي هنا.
يبدي فرحة كفرحة مراهق.
تتحدث د. كريستينا إلى دي ويبدو أنها نجحت أن تأخذ موافقتها، تستأذن دي لتبديل ملابسها وتنتهي د. كريستينا من أخذ أغلب النتائج.
يسألها :ـ النتائج؟
ترد بصوت إيجابي :ـ لا قلق وأنت لم تمت ولن تكون زومبي أو مصاص دماء..أفجعتني بفكرتك المرعبة.
يضحك بصوت منخفض
تعلق على ردة فعله :ـ أكتب قصص وأفلام رعب ستكون جيدة كقصصك الجنسية المثيرة.
هو :ـ لماذا لا لو عاد لي عقلي.
هي :ـ أنت عاقل وعاقل جيد وسيكون كل شيء بخير وحتى قد يطلب د. يو زيارتك له إلى اليابان..اشتقت كثيرا لذلك البلد الساحر.
تأتي دي وهي جاهزة، فستانها القصير جدا الأخضر الممزوج بلون أصفر وخطوط رفيعة رقيقة حمراء، مكياجها الناعم وشعرها السلس الأسود يميل في بعض الأحيان للون البني، في لحظات قدر أن يلم بجوانب أكثر لمواصفات جمالها.
الجميع بالسيارة، ثلالتهم إلى شقته، ينشغل بشم عطر دي، ومرة اخرى تصدح سيلين ديون بأغنية على قيد الحياة ويبدو أن دي مستمتعة جدا بالأغنية.
لم يهتم كثيرا بمتابعة رؤية الخارج، ثرثرة المطر والفراغ المخيم الذي يحتضن الطرقات والمباني وكل شيء.
في الشقة، مع وصولهم ودخولهم وأول خطوة لهم يهمس لهم :ـ لا تعتبوا من فقد ظله، أقصد ذاكرته.
يشعل مصباح المدخل ثم يتقدمهم إلى الصالة، تستخرج هاتفها د. كريسينا وتأخذ لقطات وصور لكل شيء وكل شبر، لكل زاوية ولوحة وملصق، تظل دي تنتظر أوامر د. كريسينا والتي تقترب من الطاولة وتأخذ المناديل بيدها، تفتش بداخلها، تجد فعلا الواقي الذكوري وكأن بداخله سائل منوي، تشير إلى دي والتي يبدو لديها بعض الأوامر وتبدأ بجمع عينات للفحص وكأن المشهد لوحدة البحث الجنائي بموقع جريمة قتل متسلسل.
جولات وصولات، تمشيط وتصوير لكل زاوية والغرفة وبقية المرافق، تجمع دي بنشاط عينات لكل شيء بقايا النبيذ وبقايا الطعام والمناديل، تجلس د. كريستيان على الكرسي مقابل جهاز الابتوب.
د. كريستيان :ـ سأحول كل جهازك للتحليل بمركزنا باليابان سيتصل بي الفني ويأخد الدي إن اي الخاص بحسوبك وكل شيء سيصبح تحت تصرفهم..لا تمانع ليس لديك أسرار؟
هو ـ مبتسما :ـ كشفتم وفحصتم كل شيء حتى مؤخرتي ..يا سيدتي كما يحلو لك دكتور.
تنتهي دي من جمع ما يمكن جمعه، يبدو أن الدكتورة أرسلت بطلب حضور أحدهم ليأخذ العينات وفعلا يصل سريعا ويدق الباب تسلمه العينات، تتحدث إلى دي ويفهم أنها طلبت منها تنظيف الشقة، تسارع دي وهي تحافط على ابتسامتها.
تراجع د.كريستينا مشاهدات حبيب على النت، تجد فيلما هنديا، فيلم ساموهانام للنجمة البوليودية أديتي راو حيدري وتتصفح بعض المشاهد وكأنه تصاب بصعقة وهي تردد
معقول..شيء لا يصدق
تنادي حبيب ودي وتعرض لهما أحد المشاهد، تظهر الدهشة على وجه دي وتتسمر بمكانها، لم يفهم حبيب ما يحدث، يتأمل وجه أديتي راو حيدري وينظر إلى دي التي تكاد ملتصقه به.
د.كريستينا :ـ حقا تشبهينها كثيرا كأنكم تؤم أو أنتي النجمة أديتي راو حيدري
يدرك هو أيضا شدة التشابه ويظل محافظا على تلاصق كتفة بكتفها ثم صدرها.
دي :ـ أنا أصوي أسبانية ووالدي أسباني وأمي برتغالية، كنا نقينم في اليونان ثم إيطاليا وأنتهى المقام بنا هنا ..يخلق من الشبه أربعين.
تنصرف دي لتكمل عملها، يجلس هو بجانب الدكتورة، سرعان ما تبتسم وهي تفتح موقع بورنو جرافي وتنظر إليه
د. كريستينا :ـ تبدو معجبا بالممثلة كاتسوني وذوقك جيد في بطلات البورنو يشبه ذوقي تقريبا.
هو، يتلعثم، تسارع هي وتبتسم
ـ كل شيء جيد يفعله الإنسان شرط عدم التهور، الجنس، مشاهدة أو قراءة قصص جنسية أو الشرب والمتعة
هو :ـ لا أدري كيف كنت أقضي الليالي وخاصة البارحة، قل لي بماذا ستفيدكم كل تلك العينات؟
هي :ـ لا ندري أوامر د. يو والآن يفحصون ويحللون حاسوبك وكمان أعطني هاتفك سوف أحوله لهم.
يعطيها الهاتف وترسل شيء إلى رقم وهو يظل لا يفعل شيء.
بخفة ونشاط تنتهي دي من التنظيف، وتكون النتيجة مبهرة.
د. كريستينا :ـ حسنا استرحي أنسة دي..يحق لنا الأكل والمرطبات سأطلب لنا وجبات لحوم مشوية ومقبلات وخبز هندي بصحة نجمتنا أديتي راو حيدري.
تضحك دي :ـ شكرا د. كريستينا، العمل معك رائع وأنتِ لطيفة جدا.
د. كريستينا :ـ أرجوكي أعطي حبيب علاج السكر والكوليسترول وغدا لا تنسي فحص السكر ومقياس الضغط والأكسجين وأي شيء أتصلي بي، ستنامين هنا أو بغرفته يوجد كل المستلزمات.
تهز دي رأسها بالموافقه ثم تنهض وتدعو حبيب لمرافقتها للفحص ثم أخذ علاج السكر.
سرعان ما يصل الأكل، تفرش السفرة وهنا يجد حبيب شهية لتناول الخبز واللحوم والمقبلات.
يغني:ـ لا أنا زومبي ولا دراكولا
أحب ألخبز والمشاوي بلا كوكا كولا
تعجبه العبارة ويغنيها بالعربي، يترجم لهم معناها بالفرنسي يرحبان بها بصوته العربي وبلكنته اليمنية.
يمضي الوقت سريعا، يأتي وقت مغادرة د. كريستينا وتعطي حبيب عدة حبات علاج لينام في سلام، يتناولها راضيا وكأنه يريد أن تعود له ذاكرته ويشكر الصدفة التي جمعته بالفتاة الأنيقة الجذابة دي، هي تبدو صغيرة رغم بلوغها الثلاثين وهو لا يدري كيف وأين يصنف نفسه ولا يعرف شيء عن ماضيه أو مستقبله؟
ماذا لو يظل مجرد عينة وحالة تتناقلها المراكز والخبراء ويدرسونها وقد لا يجدون علاجها، لا يدري إن كانت دي ملمة بحالته ولا يبدو عليها أي ملامح خوف أو قلق.
تقوم دي بتبديل ملابسها، تلبس بيجاما قصيرة يميل لونها إلى الوردي الهادئ، يتأملها للحظات، تبتسم ثم تستأذنه لأخذ سيجارة من علبته.
يرد مرحبا :ـ تفضلي الباكيت وصاحب الباكيت تحت أمرك وكل شيء هنا..حتى أنا تشوقت لتدخين سيجارة
يسيران إلى المطبخ، يفتح نافذة المطبخ، يشعل لها سيجارتها ثم يشعل سيجارته، رغم لفحات البرد إلا أنها تبدو محبة لهذا الطقس، البرد الممزوج بالضوء والقليل من المطر مع رفرفات ناعمة للريح وأغاني الشجر المتناثر بالحي.
لا يدري ما يقوله لها وكأنه لأول مرة يكون مع امرأة.
هي :ـ تبدو معاملاتك لطيفة مع النساء.
هو :ـ أحقا..لا أعرف الماضي وإن كنت سببت سعادة أو تعاسة لبعضهن، لا أدري من أكون وأي نوع من البشر؟
تبتسم له ابتسامة تبعث فيه طمانينة مبهجة.
هي :ـ أشعر أنك إنسان طيب وجيد، الشاعر والفنان لا يكون وحشا ولا شريرا..حسنا عليك الاستعداد للنوم، ثم تأخذ العلاج قبل أتحتاج مساعدتي ؟
يشكرها، يتوجه لتجهيز نفسه، هي تظل في حالة تأمل للكون خارج النافذة.
بغرفة النوم، يسند رأسة على المخدة، تدخل دي بفرش صغير وبطانية وتفرشها بالجانب الأيمن من السرير.
دي :ـ حباية الدواء ستمنحك نوما عميقا ومريحا، افضل النوم بجانبك إن لم يضايقك ..رغم أن سريرك واسع جدا.
كأنه يشعر برغبتها النوم بجواره ويأتي بخاطره دعوتها فهو سيفقد تواصله مع العالم تحت تأثير الدواء الذي تناوله.
هو ـ بد تردد :ـ تفضلي هنا..السرير واسع ولا خوف مني..سيكون نومي كموت سريع بعد هذا الدواء وأشعر أن جسدي يثقل ويثقل ولن أكون مشاكسا معك أو أي امرأة وأنا في هذه الحالة.
تسارع بعفوية وتنتقل بجانبه، تطفئ الضوء إلا من ضوء ناعم بحمرة ممزوجة بصفرة رقيقة.
هو :ـ لو أني كنت بالماضي وحشا بشعا ربما هي فرصة للتطهر وأن أعيش إنسانا طيبا.
هي :ـ تصبح على خير أيها الشاعر الفنان..نوم سلام وطمأنينة.
يتمكن منه الدواء وكأن روحه تنسلخ من جسده لتحالق لعالم علوي وربما هناك ستسأل عن كينونتها وكينونة هذا الجسد.
في الصباح، بحدود العاشرة، يشعر أن روحه تعود إليه بسلام، تكون دي بفستانها الأنيق، يشعر وكأنها هي من زرعت بجسده الروح، يفتح عينيه ولا يشعر أن ثمة عين أوسع من الاخرى ولا غربة زمانية أو مكانية، في ثواني سريعة جدا يرى شريطا مصورا لما حدث له بالأمس فقط ولا يتذكر ما قبله.
دي :ـ صح النوم يا حبيب، فحص السكر والضغط وسوف اسحب عينة من دمك للفحص وسأحتاج لعينة من..
يدرك ما تعنيه وكأنها لا تستحبذ ذكر البول والبراز وخاصة في هذا الوقت لحظة الاستيقاظ، عودة الروح إلى الجسد من اللحظات الأكثر حساسية لأي كائن.
يترك لها نفسه لتفعل به ما تشاء، ينهض لعمل التوليت وغير ذلك وعمل العينات، تنشغل دي بتجهيز الفطور ويبدو أن د. كريستينا طلبت البقالة وأعطت أوامرها إلى دي ببرنامج هذا اليوم الجديد.
يدخل إلى الصالة ويشتم رائحة الورد العطرة، كل شيء مرتب ونظيف، تناديه ليأخذ الفطور بالمطبخ حيث توجد طاولة طعام صغيرة وثلاثة كراسي بمساحة جانبية صغيرة تطل على الخارج.
فطورخفيف، طاولة تزينها ثلاث وردات بيضاء، دي المبتسمة الأنيقة كقصيدة صباحية لم يكتبها أي شاعر أو يستكشف رونقها وقداستها اللأمحدودة.
دي :ـ سيكون لديك نظام غذائي وقد يصل اليوم دواء كتبه لك د. يو، برنامجنا سيكون الفطور ثم جولة بالمدينة وسوف استاذنك للمرور إلى سكني هو ليس بعيد بقرب الجامعة ثم سنعود، ستأتي د. كريستينا للحديث معك ولا أدري إن كنا سنحتاج لكشف وفحوصات جديدة بالمركز.
يستمع إليها باهتمام، تبادلات لنظرات مودة وابتسامات، تفتح دي أغنية وجه لوجه للمغنية البرتغالية ليندا دي سوزا.
Face À Face – Linda De Suza
تهز دي رأسها وصدرها منتعشة.
دي :ـ أمي كانت تحب أغاني الفنانة البرتغالية ليندا دي سوزا وربما بسبب ذلك اسمتني دي ومن حين إلى آخر أعود لسماع ولو مقطع صغير لها.
يستمتع بهذه الأغنية ويستثمر اللحظات للمزيد لتأمل وجه دي الملائكي الساحر.
ثم تسمعه احدى أغاني المغنية من أصل يوناني ديماندا جلاس.
Diamanda Galas
تتحدث دي عن ديماندا جلاس بالكثير من الاعجاب بفنها ونضالها
الاجتماعي ضد الظلم ودعم المرضى وتسميها فنانه الكرامة والمحبة، تتراقص دي مع أغاني ديماندا وكأنها تخرجها من دائرة الممرضة المراقبة إلى الصديقة الودودة.
تختم هذا الفطور وكأنه أول مرة يشهد مثل هذه المناسبة، فطور أنيق وصحي مع ثلاث وردات بيض ودي الساحرة وأغاني متنوعة يكون ختامها أغنية هذه هي الحياة للشاب خالد.
تتغلغل الكلمات بداخله.
هي :ـ اعجبتك أغنية هذه هي الحياة للشاب خالد، على فكرة الشاب خالد صديقك ولك معه عدة صور، يسمى ملك الراي وهو مشهور عالميا.
يطرق برأسه، يبحث عن أي ذكرى لكنه لا يجد إلا الفراغ.
هو :ـ لا أتذكر وتصلني رسائل كثيرة من الشرق والغرب من أصدقاء وصديقات..حقيقة لا أتذكر أحدا منهم، اغلقت هاتفي حيث من المحرج أن ترد على صديق أو صديقة أو قريب وتقول له لا أعرفك.
في المدينة، بوسط مدينة كون، يصعدان إلى الشاتو، على أحدى شرفات هذا القصر القلعة حيث يمكنك أن ترى معظم أحياء وأزقة مدينة كون، قباب ومنارات كنائسها الكثيرة والأنيقة، تدق اجراس الكاتدرائية الضخمة أنه يوم 25 ديسمبر، يوم صلوات وتذكار للسيد المسيح، هو لا يعرف شيئا عن المسيح ولا قداسته ولا يتذكر أي معلومة عن أي دين أو ملة أو مذهب.
يستمع بأهتمام لنبذات مختصرة من وجهة نظر دي عن الأديان المعاصرة والاعتقادات، يبدو وكأنها تؤمن بكل هذه الأديان وكأنها تصيغ لنفسها وللعالم دينا جديدا أنيقا وإنسانيا لا يفرق بين لون ولا جنس ولا لغة ولا جغرافيا ويمنح الجميع الجنة والخلود والسعادة ويخمد نار الجحيم وعذابات والخوف والهلع.
تصمت دي بعد هذيان طويل تكشف من خلاله جزءا من روحها وعمقها الفكري والإنساني ويبدو كأنه أول المؤمنين بها كنبية جديدة أو ملاك يرسله الرب إليه خاصة وللبشر عامة.
يتجولان بعدة أزقة بوسط المدينة وخاصة الشارع البارد وكأنه يشبه أزقة الف ليلة وليلة ويبدو سعيدا بهذه المدينة الأنيقة والهادئة وخاصة في هذه المناسبة.
في الشقة، مع دخولهما بعد الجولة المرحة وما حدث فيها من تلاصقات وملامسات جسمانية بينه وبين دي والأكثر ما كشفته له من أفكارها ودخولها سكنها الصغير والبسيط، بعد دخولهما تأخذ مقياس الضغط والسكر وتناوله أدويته، تظل النظرات وحواراتها المتعددة نشطةبينهما.
يدق الجرس، تأتي د. كريستينا ويبدو أنها مرهقة بعض الشيء بسبب عملها، تنصرف دي لتعد الغداء.
د. كريستينا :ـ تبدو بروح مطمئنة وهادئة، لنكمل عملنا، أريدك أن تحكي كي كل شيء من لحظة استيقاظك بالأمس إلى اللحظة.
يحكي لها وبقالب سردي كل التفاصيل، يخفي مشاعره تجاه دي وبعض المواقف وكأنه يخاف أن يفقدها ولو للحظة.
تسجل كريستينا ما يقوله وترسل به إلى د. يو.
كريستينا :ـ لقد تحدثت مع البرفيسور يو وهو مهتم بحالتك وسنسافر إلى اليابان وأمريكا وعواصم عالمية كبيرة، د. يو جعل حلتك من النماذج المهمة والآن تترجم قصصك وقصائدك وكتاباتك ومقالاتك لعدة لغات أي الأنجليزية واليابانية والفرنسية والألمانية وكأن الحظ يمنحك الفرصة للشهرة.
يسألها :ـ هل ستون معنا دي في هذه الجولات؟
كأنه ليست راضية عن سؤاله
كريستينا :ـ سنوفر لك مئة دي ودي وأجمل منها، وكل رغباتك مجابة.
يهز رأسة وكأنه أدرك أنها ليست راضية عن سؤاله، يشعر أن كريستينا تنظر إليه كحالة ومادة للبحث وعينة وفأر تجارب، يحاول الا تجعلها تغضب من دي أو تطردها ولكن بقراره نفسه يصمم أن يتمسك بها.
يتصل د. يو، وعبر برنامج خاص دقيق بالترجمة، يحكي حبيب قصته ويحافظ أن يخفي مشاعره بخصوص دي، يستمع د. يو مهتما بالقصة ويخبره أنه سيكون الحالة والعينة الأكثر أهمية بالمركز وسيسارع بتنظيم الرحلة إلى طوكيو.
تتحدث د. كريستينيا عن جمال طوكيو وتسميها أميرة الدنيا ودرة العالم حيث تجمع العلم والفن والأدب والمال فهي بحسب تعبيرها الفردوس الحقيقي الواقعي وليس المتخيل البعيد وكأنها تريد دفعه للخضوع لها وأن يكون مطيعا.
تحدثه عن المكاسب الكثيرة وخاصة ترجمة كتبه وأعماله الفنية والمسرحية والشعرية إلى أربع لغات عالمية والربح الوفير والرغد الماديمع الشهرة العالمية.
يبدي رضاه لكل هذه العروض التي يتمنى أي كاتب ولو واحد من المئة منها، هنا يدق الجرس ويأتي العلاج الذي أرسله د. يو عبر البريد الدولي السريع جدا، تعطي د. كريستينا تعليماتها الدقيقة إلى الممرضة دي ويبدو أن ثمة أوامر ومحاذير فلا عواطف، كأنها لا تمانع حتى بوجود علاقة جنسية ميكانيكية شرط أن تخلو من العاطفة.
الليلة ميلاد المسيح، نور الرب وبهجته وضحكاته وهديته للبشرية بحسب وصف دي، هو لا يعرف الرب ولا أين يكون؟
تقول له دي :ـ أنت مسلم وديانتكم مختلفة ونبيكم مختلف لكن الجميع يجب أن يحب المسيح حتى وإن اختلفنا على طريقة صلبه وموته أو رفعه إلى السماء بحسب بعض العقائد، لكن المسيح تألم وذاق مرارة الصليب من أجلنا جميعا، لكن العالم يتنكر وينسى تلك التضحيات ويتمادئ في العنف والشر.
تبدو الليلة تضج بالنور والضوء والطقس الجيد مما يبعث الكثير من السلام لروح هذا الكون.
تقوم دي بتحضير ليلة متميزة، مائدة أنيقة بوجبات متنوعة ونصف زجاجة من النبيذ المعتق وشموع وبخور، ليلة فردوسية ذات قداسة خاصة وكأنها ستودعه وتعلم أن د. كريستينا تريد أن تتخلص منها وهو أيضا يدرك هذه النقطة ويحاول أن لا تحدث.
تنتهي الليلة بعد أنسمع الكثير من دي، حكايات وأساطير من البرتغال وأسبانيا واليونان، حكت له عن أسطورة الملكة إيزابيلا ملكة الورود التي أحبت العالم وتعاطفت مع الفقراء بتوزيعها للخبز عليهم ورفضها أوامر زوجها الملك دون دينيش الذي نظر إليها كمبذرة أو ساذجة، يبدأ يتخيل أحد المشاهد ويرى دي تلك الملكة الكريمة وهي تخفي الخبز بفستانها ثم يرى د. يو وخلفه د. كريستينا وهما يحاولان تجريدها من فستانها ورمي الخبز بالنهر، تصرخ دي ما أحمله بعض ورود المحبة، تتدخل قوة من الحرس الغلاظ ويجردونها فستانها، تتناثر الورود بعدة الوان وتصبح حمائم ثم نجوم.
هكذا تذوق وتخيل الأسطورة وكأنها توحي إليه وتعمق قداسة دي.
يبدي أعجابه بها وهي تحكي له عن لا داما ديل لاغو
La Dama del Lago
الحورية تالجميلة التي كانت تعيش في بحيرة مليئة بالبجع وحولها حقول الزهر والياسمين وعبادة الشمس، موطن تزاوج العصافير والطيور الجميلة والتي كانت تظهر للناس وتعطيهم نصائح السعادة.
ينفصل عنها للحظات ليراها متألقة، يرى دي هي لا داما، يرى نفسه يطلب نصحيتها وبركاتها ولكنه لا تبدو سعيدة فالكثير من الذين أعطتهم النصائح والأغاني نسوها وخالفوها، يقسم لها أن يكون صادقا.
تقول له :ـ كن الأنسان الجديد..خذ السعادة الجديدة.
يزداد إيمانه بها، يقرر أن يأخذ بالنصيحة.
ليلة الميلاد، ها هو يولد من جديد، يلتصق بها وكأنها لا ترفض هذه الملامسات، يتغير المشهد في لحظات حيث تثور الرغبة بينهما، قبلات ثم مداعبات ويذهبان أبعد من ذلك، دعته أن يفعلها بحب، يقع فستانها القصير، ويكون ما يكون، في الصالة ثم الغرفة، ليلة فردوسية يفعلانها مثنى وثلاث.
في الصباح الباكر، تنهض قبلة وتجمع المناديل والواقيات الذكورية وبقايا تلك الليلة وتخفيها في حقيبتها، ينهض بروح منتعشة، يشتعل شوقه إلى دي الحورية والملاك، المرأة التي منحته ليلة ميلاد خاصة، يجدها بالمطبخ ويطوقها بذراعها تذعن لرغباته، فعلة صباحية لذيذة وممارسة على الريق، ما أجمل الجنس الصباحي على الريق لذته مسكرة، يغتسلان، يعدان الفطور، بينهما حوارات واتفاقات وعهود إلى حياة جديدة.
يقرر أن ينسى الماضي ولا يركض ليستعيده، أن يترك الشهرة والمال والرحلة إلى طوكيو، أن لا يأبه بالمجد القادم وترجمة كتبه إلى لغات متعددة، لكن عليه الحذر من د. كريستينا، قد تنتقم منه وترميه بمستشفى المجانين أو تكتب تقريرا بأنه شخص خطر على المجتمع.
تدخل د. كريستينا ويبدو أنها نسخت المفاتيح وكأن شكوكها تكبر، يكون هو بالصالة ودي تقوم بأعمال التنظيف، تبدأ جلسة عادية وتطلب منه أن يحكي كل التفاصيل، يعيد لها الحكاية ويحذف بذكاء ما حدث بينه وبين دي، تعرض عليه وصفة دواء جديدة أرسلها د. يو، تلمح أن ينتقل معها إلى مكان خاص وجديد تجهزه لمتابعة العلاج وتتوفر فيه مواصفات التواصل مع د.يو وبقية المراكز، يبدي موافقته، تتركه وتتحدث مع دي للبرنامج الجديد وتعاليم الوصفة الجديدة، ثم تضطر للمغادرة.
يدرك حبيب أنه مع خيارين أي دي وحياة جديدة دون ذكريات ولا أصدقاء قدامى ولا مجد قريب أو أن يصبح فأر تجارب في مختبر د.يو وبقية المختبرات ويجرب كل أصناف هذه الأودية الغريبة، يختار دي ويودع الماضي.
يصارح دي بقراره، يتعانقان ولغة الحوار تستمر بينهما، عن مخاطر الهروب من الماضي ود. كريستينا ومختبر د.يو، تقترح عليه الذهاب إلى قرية هادئة حيث بحيرة لا داما ديل لاغو.
يتخلى عن كل شيء، يأخذ فقط بعض اللوحات والتي كأنها تقرأ بعض الأساطير كأسطورة الأفعى البيضاء
وأسطورة لاداما.
هي أيضا تقرر أن تذعن للرغبة وأن تكون لاداما حبيب .
اترك رداً على Hamid Oqabi إلغاء الرد