سمير إسماعيل
رواية قصيرة جدا
1. سكون المقبرة..
عشرات القطط، لا بل مئات من مختلف الأنواع والألوان والأشكال، تجمعت لتسير خلف جنازة الرجل الذي كان يطعمها (محي الدين) محمولا على الاكتاف في طريقه الى القبر. وهناك، في مقبرة “باب لكش” القريبة من بيته، انتشرت القطط حول العدد القليل من المشيعين من أقاربه وأهل زوجته وبعض الأصدقاء الذين شعروا بالرهبة والقطط حولهم تموء بالبكاء. لحظة انهال التراب على جثمانه وقفت صامته بخشوع وكأنها تدعو له. انسحب الجميع وثمة توجس وخوف على وجوههم بعد ان دعوا له باستعجال كعادة اهل المدينة ، عندئذ تقدمت القطط بهدوء واحاطت بالقبر وانسل القط الأبيض ذو الطرة السوداء على جبينه من بينهم ليبدأ بالحفر عند قدمي الميت حفرة اتسعت ليدخل منها الى القبر ولحقته القطط الأخرى ، من البعيد كانت نظرات المشيعين تتابع القطط التي ضاقت دائرتهم حتى تلاشت ولم يبق الا قط صغير غادر المقبرة على عجل نحو ازقة المدينة .
هذه الحادثة استمرت تتداولها الأجيال والازقة لأيام متتالية وتحولت الى اسطورة وحكاية من حكايات القصخون في مقاهي باب لكش وباب السراي والسوق الصغير. فكيف بدأت ؟ وكيف انتهت ؟
هذا ما قصته جدتي عن صهرها القصاب محي الدين الذي كان دكانه في سوق القصابين وكان كل يوم يجمع سقطات اللحم والعظام والمعلاق الأحمر من السوق ليأخذه للبيت طعاما لقططه رغم اعدادهم الكبيرة وهم يملئون مساحة الحوش بعد الظهر منتظرين قدومه ناظرين لوجهه بحنان من أعماق ارواحهم بمواء فرح وكانه نتاج موسيقى شعرية تعني له جملا مادحة وكلمات تتوالى لتنبثق في راسه الاخيلة وهو يحس بانهم يحملون روحه وجسده على اكتافهم نحو سماء الخيال ليولد من جديد بحلم المتعة واللذة المستمرة بيديه وهو يقدم اللحم للقطط .
منذ زمن بعيد كان عائدا من السوق وعند رأس الزقاق كان قط صغير لون شعره ابيض كالثلج وعلى كصته طرة سوداء عبره وعيناه تنظران اليه بتعجب لجماله وصغره هامسا لنفسه :
ـــ ربما يحتاج للحليب .
لكنه تجاوزه بدون التأمل لا خذه الى البيت ، فاذا بالقط الصغير يتبعه ويتمسح بملابسه فانحنى والتقطه بيديه بحنان واخذه الى البيت ليفرح به زوجته التي ليس لديها طفلا ترعاه ، احتضنته لتمنحه جرعة من حليب لديها ، تلك كانت اول قطة تعيش في بيته ، عندئذ بدأ الحلم يكبر ، حلم لا يعرف الحدود وجد فلسفته في تربية القطط وتأريخه في انفجار عواطفه المكبوتة منذ ان ماتت طفلته بعمر الأربع سنوات ، كانت قد ملأت البيت فرحا وبهجة ، لتكبر عاطفته من جديد ويبني تجاوزه لتكوين عالم خاص لتربية القطط من حادث التقاطه تلك القطة الصغيرة نازعا لحظة الكراهية من قلبه المملؤء حقدا على القطط اللواتي يدرن حوله طوال النهار في دكان القصابة ويسرقن بعض اللحم منه ، هي لحظة اخترقته لتغير مسار وعيه نحو احتضان تلك الجوهرة الصغيرة التي حطمت كبرياءه بالفعل للقطط ورسمت له عالم جديد نفذ للذهاب الى اعمق حالاته من دون ردة فعل عدائية تجاه الحيوانات الاليفة ليساهم بشيء من الحب لها وتحقيق أمنية عدم الانجاب ( بعد موت طفلته بمرض الحمى الخبيثة) بتربية القطه الصغيرة واعطائها الحب الابوي بديلا عن الاستلاب في واقعه .. كان يقول لزوجته :
ـــ عيناي ما زالتا تنتظران مولودا منذ سنوات مرت ولم تلدي ، هذه القطة الجميلة اريد ان تربيها وتحبينها مثل ولدك ، افهمت ذلك .. هذه القطة مستقبل حياتنا معا.
حلما بالطفل ، وكل من لا يحلم يبقى مقطوع الجذور ويعيش الوهم وتتواطأ الخرافة في رأسه ويتعكر الماضي فلا يقدر على تجاوزه ابدا .
في لحظة مثالية تكون له عالم خاص من الحب نحو مستقبله ، ويمكن للمحبة ان تولد من العدم ولكنها تولد بصمت من جرح يتقيح في القلب على ولادة لم تعاود الحدوث مجددا وامرأة لا تحبل وحيوان يموء متكلما عن جوعه ، ربما حاجز الزمن أوقف الرؤية عن عينيه فاغوته القطط باحتمالات العلاقة معها ، فهل الحب شيئا واضحا ، ام وضوحه قد يبقى عند حدود الكلمة كاشفا عن عذرية الفهم المنتظر لعالم يعيشه ، يعرف كيفية الاقتراب منه والغوص في جمالياته والنفاذ بالعينين داخله ليسكنه ذاكرته ويعيش مع قططه المتزايدة لالتهام اللحم الذي لايزال يقدمه لها كل يوم بعد الظهر ليطعمها وتعيش معه بسلام معتقدا بأن لذته تحدد هدفه الأن بالحياة فقد كانت ميوله السياسية تقوده انحو المد الشيوعي حتى اصبح واحدا منهم وقد كانت الحرب المستعرة بين القوميين والمد الشيوعي قوية وكان هو في البداية واقفا في المنطقة الوسطى بينهما ، ما بين الأصدقاء من القصابين واعتناقه لمبادي الحزب الشيوعي أخيرا ، والقوميين وكان اخو زوجته منهم ، ولاته ملحد لا يؤمن بأي شيء سوى بقوته وضخامة جسده انحاز للشيوعية رغم تعليمه البسيط لكنه كان يقرأ الكتب كثيرا ، كتب يمدها به أصدقائه من الطرفين.
كان قويا شديد المراس يلعب لعبة تكاسر الأيدي ، في احدى المرات تحداه بطل من المدينة امام الجميع بضعفه وعدم استطاعته الفوز عليه باللعبة واشتد الخلاف بينهما ووصل الرهان لمبالغ كبيرة بين القصابين فقبل التحدي وكانت المباراة حماسية وامام الجميع استطاع كسر يده واسقاطه على الأرض بعد ثوان معدودة .
ورغم المحاولات المستمرة من كل الاقرباء والزوجة لهدايته لكنه كان مصرا على الالحاد ورفض كل القيم الدينية والايمان بشدة وعزم لأمثيل له لا يمانه بما يعتقد فربما كانت لكتب الماركيسية تأثيرها عليه .
ولتحقيق قدرة العقل وشفافية الوعي للحظات من المتعة لا سعاد نفسه بتربية القطط واطعامها والميل العميق لارتباطه بها سعيا لتحقيق قيمة إنسانية بعيدا عن ألم عدم الانجاب ، كي يبقى الشعور من اهواء ورؤى ذاتية مستمرا للعلاقة بينه وبين زوجته والقطط ، زما متعته في احتضان القطط الا عملية لاشعورية نتيجة الكبت المستمر في البحث عن طفل يملأ حياتهما ويخفف من وطأة وثقل اعراض مرضه المزمن بالحرمان وانحرافه تربية عشرات القطط تعويضا عن ذلك .
ـــ هناك لحظات في الحياة أكون فيها بحاجة للانشغال عن قططي والابتعاد عنها ونسيان جلب الطعام لها ، لا بل تركها ترحل عن داري الى عالمها الخاص ، أفكر جديا بذلك ، وربما س ابعدها قسرا عني كي تساعدني لحظتها في إعادة التوازن لحياتي لأخذ فسحة الاختيار القادم ما بين الزوجة والنقص في الانجاب والزواج مجددا من امرأة أخرى تديم نسلي ، وربما تكون هذه الأفكار خدعة اعيشها ينقصني ردمها بالحب المتجدد بيننا .
عند وصوله لمنعرج الزقاق يشاهد القطط على الأبواب وجدران الاسطح والشرفات وفي زوايا الزقاق منتظرة قدومه مع الطعام ، يفتح القط الأبيض ذو الطرة السوداء ( شيخ القطط كما يسميه ) باب الدار الخشبي بدفعه ببطء ويسلم عليه بمواء فرح مع القط المبقع باللونين الأبيض والاسود ، يحتك بساقه القط الصغير ، الوراء ، يجلس ويموء بخوف مواء متقطعا يكسر القلب من الجوع ، يركض وراءه قطان يحاولان نهش الكيس من بده ، قط اخر يحتك بملابسه بلطف ، تصيح زوجته بالقطط فيتراجعون مكونين صفا واحدا وكأنهم جنود مستعدون لأداء تدريبهم الصباحي ، نلتقط كيس اللحم من يده وتبدأ بالتوزيع ، يتقدم القط الأسود فتصرخ عليه ليعود الى مكانه في اخر الصف فقد كانت تتشاءم من لونه الأسود لاعتقادها خرافة انه شيطان قد تلبس بجسد القط كما تروي العجائز للأولاد والاحفاد وكما يتناقلها الرجال بجلساتهم في المقاهي كلما دخل اقطا اسود اللون الى المقهى بأبعاده والتعوذ بوجهه ، يستلم كل قط حصته من اللحم ويموء بالشكر منحنيا ثم يغادر بهدوء خارج البيت ماعدا القط الأسود لأنها نرمي له حصته من اللحم خارج البيت ليلتقطها ويجري هاربا نت غضبها عليه ، كل يوم تتكرر العملية وكل يوم يزداد عدد القطط .
ـــ هل حققت تجربتي خلق السعادة في قلبي وأصبح حلمي واقعا بتربية القطط وان توقفت عن ذلك بالتأكيد ستضيع في تلك اللحظة سعادتي ولذتي ومتعتي التي اتوق تأخذني لتحقيق ما أرغب به طائرا الى النجوم وباحثا عن حلمي في الجبال والمطر وحتى في أعماق البحار عن الطفل ، فهل ساجده .؟ ربما.!
في صباح ما ستأتي القطط الى قبره لتحدثه عن حالها لان روحه ستسمح لهم بذلك ويمكنهم ان يتحدثوا بشكل واضح بحيث تظهر دلالة ذلك على وجوه القطط ويمكنها ان تتصل بأفكاره دون وسيط سوى التقاء محبة مدفونة لحاجتها الى غذائه واعتقد ان تلك الفكرة اخترعها الأهالي ليضيفوا على قصته طابع الأسطورة فمن يدري ربما فيها شيء من الصحة لأنني في احد الصباحات كنت عابرا بمحاذات المقبرة متجها الى مدرستي الإعدادية الشرقية رأيت جمعا من القطط تدور حول قبره وتموء بحزن وربما تبكي بصمت ، فهل هناك تفاهم بينهما ، فقد مضى على رحيله سنوات ومازالت اخيلة تعامله مع القطط تدور في رأسي وتطهر لي احلاما كان اخرها التقاء القطط عند حافة الأفق حاجبة بقايا الشمس وجسده طائرا في الفضاء مقتربا منها ، بدأ لي حلمي ان القطط ستطبق عليه وربما ستلتهمه ولكن حدث العكس فقد انقسمت القطط حوله وظلال الغروب تتوهج على اجسادنا كأنها نجوم تتلألأ …
لا توقظيه فانه قد غفا منذ عمر في انتظار اللقاء بها
يداه متشابكتان كأنه يحتضنها.
لا تهزيه فيستيقظ من حلمه ليمسد بأصابعه شعرها الأسود المبقع ب الابيض ويقبل ما بين عينيها فقط
حوطوا جسده بالحنين و أعيدوه للحياة كي تظل يداه ممدودتان اليكم باللحم والطيبة .
لتتناثر كلماته بين مواءكم والزمن الذي غادركم غيه .
مازال العمر لم يقطر رأسه لكن تجاعيد وجهه تتمسك بسنوات عمره ، يصير عجوزا يحمل عكازه كما لو أنه سيفتح أبواب وشبابيك المستقبل قدام قططه ونفسه مرفرفا بجناحي ملاك مرسوما في ذاكرتي ب الوانه البراقة وصورته الروحية داخل الرؤيا حتى اقتنعت بانه حقيقة لولا صراخ زوجتي الذي ايقظني فأدركت بأنه حلم بسبب الفارق في احداثه وافكاري المعطلة ، صدمتني نفسيا الوقائع داخل حلمي والمحتشدة بالكلمات حول القصة المكتوبة في داخلي ، ومع ذلك فقد غطست في اعماقي كي اجد مبررا لحلمي رغم العرق البارد الذي يغزو جبهتي من منحدرا نحو خدي خوفا من تحلل جثته والقطط حوله في عمق الأفق وذلك الغموض المكتنف ذاتي لا حساسي بالانتماء اليه وهي اشد عتمة من قبل أن أعيش الحلم المدرج في الواقع . مازال الحلم مشهورا حتى في يقظتي ، لذلك الآن أجد روحه تصعد ببطء نحو السماء ومجاميع القطط حوله مشكلة حلقة نورانية ينبعث منها وهج يومض في عينيَ ، وفي اعماقي تسأل أن كان سيكمل بقاءه في الفضاء الى درجة سيتخطى فيها كل الحروب المشتعلة في البلاد وصورها تترا قدامه كـنها شريط سينمائي من صور الدمار وبقايا البيوت والاشلاء والغيوم السوداء والقنابل تطأ المدينة لتدك بوحشية كل شيء تاركة بحرا من الدماء لجمع القطط والبشر ، لكنني تداركت ذلك بما رواه العالم عن موته من الخرافات كأنها قلادات أحاطت رقبته بنور كلماتها وقد اثارت حفيظتي عند سماعها من القص خون ومن جدتي كذلك عن القطط عندما دفنوه في المقبرة وغادر الرجال لتبقى القطط تحيط بالقبر ثم تتجمع حوله ويبدأ كبيرهم القط الأبيض الذي شعره كالثلج وطرة سوداء على حبينه بالحفر عند قدميه حتى كون حفرة كبيرة أنسل منها الى داخل القبر ليلحقه بقية القطط ويلتحوا بجسده هناك في عمق الأرض ، حكت جدتي لي ذلك وهي تتعوذ وتبلسم وتحوقل خوفا من الموقف ذاك وتقول بانه كان يربي الجان في بيته ، جان ، اعوذ بالله ، وجنيات صغيرات ، لاحول ولا قوة الا بالله ، ألم يكن يخاف منهم وزوجته بعد موته تعاني الهلوسة وتتخيل أشياء مخيفة وربما ستلحق به قريبا ، والخرافة الثانية قبره عندما غرق بالماء لشدة السيل وغزارة الامطار بحيث تغطى القبر وانخسف ، وبعد توقف المطر اقترب الرجال من الحفرة ليجدوها فارغة ، كانت قد انخسفت تماما واختفت عظامه فلا اثر لها مما جعل الرجال يؤمنون بأن وجوده غير محسوس على الاطلاق وكان هناك جدار منع الماء للوصول اليه ليقولوا بأن الجان من قططه قد حملوا جثته الى مكان بعيد لا يعلمه احد كي يبقى جسده صامدا سليما ، فهل كان لهذه الخرافة معنى وهي تتوالد بين السنة الناس على انها حقيقة حدثت في وقت ما بعد موته ، يبدو ان الخرافات عن حياته لن تنتهي وكذلك عن مصيره بعد موته والتشابكات في سردها مازالت لحد الآن تحكي من قبل القص خون والعجائز امام دورهم في الامسيات الدافئة في ازقة المدينة .
2. التركة..
في اليوم الأول لموت محي الدين اجتمع الاخوة ليقرروا اين تعيش الأخت الارملة وعند من وأخيرا اتفقوا ان تعيش في بيت اكبرهم حسب شروطه ، وافق عليها الجميع على ان يقوم اوسطهم بجرد موجودات البيت وبيعها وإعطاء ثمنها لأخته حاليا . وفعلا تحرك في اليوم اللاحق لانتهاء العزاء بالذهاب الى البيت . عندما فتح الباب فاجأته القط بمواء باكي ، شعر بالخوف منها ، لازمته قشعريرة سرت في بدنه من كمية الحزن في موائها، حاول تفريقها ونزل أولا الى السرداب كي يخرج ما موجود فيه ليرى الاف العلب وقواطي معجون الطعام واغراض أخرى مكدسة بعضها فوق بعض وما ان حركها حتى انهارت عليه ، ، انسحب عتها ثم بدأ بأخذ علبة وفتح الغطاء فوجد فيه بقايا اقمشة ملونه ، تركها وفتح الأخرى وجد فيها بقايا من نقود معدنية من قيمة الفلس، وضعها في جيبه وواصل عملية اخراج مجموعة وراء الأخرى ليكتشف انها مخزن للمواد و بقايا ملابس واوراق من المصحف وفلوس معدنية وورقيه من زمن العصملي والملكية والجمهورية وحتى حكم البعث وصورهم وصور للقطط مختلفة ، وضعها كلها في شال مخطط بالأحمر وجده في السرداب وكذلك وضع العلب والقواطي في صناديق كارتونية ورماها امام الدار وعاد والتعب قد استنزف طاقته ليخرج بقية ما حشرته في السرداب من بطانيات ممزقه وسجاد ممزق من الجوانب منسوج باليد مصنوع في ايران وهو غالي الثمن جدا ونادر وكذلك سجادات صلاة تركيه قسم منها جديد و هي من هدايا الحجاج وفي كل قطعة يفتحها يجد مبالغ ماليه بفئات مختلفة ومن عهود زالت منذ الملكية اخرجها جميعا الى حوش البيت الصغير وعاد لا خراج بقية الأغراض الموزعة بين اغطية وتحف نحاسية واخرى من الفافون اكثرها فيه عيب او كسر واخير رفع العديد من أوراق الادعية محشورة في شقوق الجدران ، ولم يبق غير الغرفة الوحيدة في البيت الممتلئة بالعديد من التحف والزجاجيات منذ عهود غابرة وبأشكال نادرة من اطباق الزجاج والفضيات ووجد معالق الطعام والشوكات مطلية بالذهب وأخرى مطلية بالفضة وكمية من النقود في جيوب الملابس وبين طيات السرير ومخدات النوم وتحت السرير داخل صناديق صغيرة مقفلة ، جمعها كلها في صندوق كبير وكذلك ملابسها في صندوق اخر ونقلهم الى السيارة مع الثلاجة والتلفزيون والراديو نوع ماسكت والطباخ والاواني الجديدة والنظيفة من المطبخ ليوصلها اليها في بيت أخيه واما باقي الأغراض فقد باعها لاحد سماسرة سوق العتيق , وبقي الدار خاليا الا من عشرات القطط متخذة السرداب والغرفة والحوش ملجأ له.
3ـ البيت المقبرة..
في اللحظات الأخيرة من دفن جثة محي الدين واهالة التراب عليه كانت القطط تتجمع حولنا مما اثار مخاوف بعض من المشيعين القليلين من الاهل والأصدقاء والاقارب فانسحبوا بهدوء بعد القاء كلمات معدودة من الدعاء كعادة اهل المدينة لتقع نظراتنا على مئات القط تتقدم من القبر وتملأ المقبرة بعد تركنا لها وصوت بكائها ( موائها ) الحزين كانه نشيج انتشر في ارجاء المقبرة والازقة القريبة في محلة باب لكش وجامع خزام والثلمي والتنتنة وجوبة شارع حلب ومحلة الجديدة ووصل كما يقول الأهالي الى محلة النبي شيت بل ان البعض سمع أصوات القطط تنوح في كافة انحاء المدينة على الأبواب والاسطح والشرفات والازقه والشوارع وكانت تنسل بهدوء نحو المقبرة لتودعه الوداع الأخير بعدها عادت مجتمعة الى بيته لتجده مقفلا لكنها لم تيأس وارتقت الى البيوت حوله لتعبر الى حوش الدار وتعقد مجلس عزاء هناك وكان مواءها الذي يقطر بالحزن ويثير الألم والوجع في قلوب من يسمعها , لكنها بعد ساعات خرجت تبحث عن صاحبة البيت التي كانت تقسم اللحم والعظام بينهم كل يوم , انتشروا في الطرقات وعلى اسطح المنازل وبين المارة يتلمسون عباءات النساء ويشمون رائحتهم علهم يجدونها ليكملوا حياتهم قربها دون جدوى فقد رحلت الى الجانب الايسر من المدينة في بيت اخيها لتعيش هناك , لكن احدى القطط (الأبيض ذات الشامة السوداء في جبينه وكما كان يسميه شيخ القطط) لم ييأس وعبر الجسر الحديدي باحثا وراكضا وراء كل امرأة يشمها فهو يعرف رائحتها جيدا محاولا الوصول اليها وبعد اكثر من عشرة أيام من الجوع والعطش والتعب توصل الى رائحتها قرب الفيصلية في بيت اخيها ليستقر في سطح الدار متحينا الفرصة للقائها واحتضانها فهي امه المربية له منذ ان كان صغيرا جدا لا يرى اطعمته وسقته الحليب ليكبر ، في المساء انسحب بهدوء داخلا الى البيت والى شباك غرفتها ليجدها نائمة ليبقى حاصرا نفسه عند حافة الشباك مريحا جسده لينام، عندما استيقظت خلال الليل فزعة وصرخاتها تملأ البيت لتوقظهم جميعا وتسرع الارجل لفتخ باب غرفتها والدخول اليها مجتمعين مما افزع القطة فهربت وكانت يدها تشير الى الشباك وهي تصرخ :
ــ انها هناك خلف الشباك القطة الكبيرة التي ربيتها واطعمتها بيدي لسنوات ، لقد وجدتني خلف الشباك واقفه وورائها يقف محي الدين دعوهما يدخلان ، حاول الجميع تهدئتها والبنات طغى الرعب على وجوههم من كلامها فلا احد وراء الشباك سوى الظلام ، قادها اخوها الى السرير وهو يتعوذ وبعد لحظات غفت جفونها على حلم او كابوس اخر والحقيقة كما رواها اخيها بأن القط كان يأتي في النهار ليظل واقفا خلف النافذة حتى المساء ثم يغادر لكن اين يذهب هذا ما سمعنا أنه خلال الليل يذهب الى المقبرة ويدخل الى القبر من حفرة صغيرة كان قد حفرها يوم دفن الجثة لينام مع صاحبه داخل القبر حتى الصباح ثم يغادر ، تلك خرافة أخرى قالها لي عن القط.. اما بقية القطط فأنها كل مساء تتجمع حول القبر وتظل تدور حوله الى ان ينخر التعب اجسادها فتستلقي في اماكنها وتنام حتى شروق الشمس لتغادر الى الازقة والبيوت باحثة من جديد عن من يطعمها .مازلت متعجبا من عمل القطط والمدينة تحكي الاساطير عنها وعن بحثها المستمر عن أصحاب الدار والتي أصبح ملجا للقطط المشردة وامتلا منها وكلما حاول اهل المحلة ابعاد القطط عن اللجوء الى الدار، فشلت محاولاتهم وزاد عددهم واخيرا ملوا منها وتركوها تعيش فيه حتى لحظة سقوط صاروخ ذكي عليه اثناء تحرير المدينة من ظلامي الدواعش ليحوله والقطط الى ركام دفن تحت حجارته مئات القطط الكبيرة والصغيرة . لكن اسطورتهم ماتزال حية يتداولها الإباء عن الأجداد والابناء عن الاباء و الأجداد للأحفاد حيث يقولون بأنهم يسمعون مواء القطط خلال الليل يتعالى من تحت الأنقاض ، وكما ترويها القطط الناجية من القصف والموت في المدينة للأجيال القادمة من القطط .
4. شذرات من حياتهما معا..
1.
ربما يهبني الله القدرة على التطهر من ادران القطط وعيوبها الذي اخذ حياني وتعلقت بها لفترة طويله ، علي تفجير الروح المخبئة في اعماقي في لحظة قادمة تهدر وتزلزل جسدي لان العمر قصير وها هم يسجنوني في غرفتي الصغيرة ما بين شباك مفتوح على خضرة واشجار وباب مقفل لا يدخله غير اخي لدقائق ثم يغادر لا عيش جمود الزمن في مكاني فلا اعرف يومي من أمسي اكثر ما تحتاجه روحي هو الحرية والانطلاق والطيران في الفضاء نحو عوالم أخر ى ، عوالم نهار بنوره وانفتاحه وطاقاته ليتواطأ مع نفسي التواقة للسير في الشوارع واقتناء ما احبه وارغب به ، ان خروجي من الغرفة هو تحرير لروحي من الأوهام الكثيرة المعلقة في سقف الغرفة والقيود الممتدة من خيالاته والقطط عبر النافذة واكاد اراها تعبث معي وتدغدغ ذكريات تمر في نومي كوابيسها واخاتل للهرب منها لكنها تقبض علي بيد من حديد كل ليلة لتمعن في اسراعي نحو الجنون انها معاناة تدفعني للصحو طوال الليل خوفا من النوم ومن اندساس الكوابيس في رؤية تمسك بي وترفض ان تغادرني مهما حاولت التخلص منه الا يعد صراخ والم ، وقد يأتي احدهم ليوقظني فاخرج من الكابوس بسلام
2.
اذا لنبدأ معها منذ طفولتها المبكرة ، كانت الفتاة الوحيدة بين سبعة اخوة ، رقيقة ، جميلة ، مفعمة بالحركة ، نشطه في اعمالها ، درست القرآن عند الملاية واتقنت تلاوته ، ذهنها متوقدا سيما نظراتها وعيناها السوداوان وانفها الروماني ، رقيقة رقة قصائد الغزل ، هادئة ، حيوية ، لجمالها مسحة سحرية ، خازنة في قلبها حب الحياه واحلامها وبنت في اعماقها حلم لمن سيكون رفيق دربها بعد الزواج لأنها المدللة في العائلة ولكي تكون قوية فقد احتضنها اخوتها ووقفوا معها وعندما بلغت السادسة عشر تقدم لخطبتها محي الدين ولم تقدر على الرفض وبقيت لأكثر من عشرة ايام تفكر في طريقة العيش معه تجاهد السهر الذي تغلب عليها لعدة ليال واحست بالنشوة والفرح ، وبعدما انتقلت الى بيته كانت كشعاع ينيره وكان كظل تستظل به بعد ان منحها نور حياتها وكانا في ليالي الحلم الناعمة بينهما تحتدم الرغبة وتنهال الهمسات والقبل ويحتد صوتها بهمسات تفجر خلايا جسدها لتعبر الأيام بينهما بزهو وسعادة ولكن تسأل الام عن الحمل كان ينغص عليها لحظات المتعة معه وكادت ترقص بعد مرور اكثر من سنه على زواجهما عندما قال لها زوجها .
ـــ عليك مراجعة الأطباء حول الحمل فرغبتي في طفل او طفلة من روحك يخلدان اسمينا .
سكتت وثمة فرح كبير في عينيها وقالت :
ـــ سأذهب هذا المساء الى طبيبة نسائية يقال لها سيرا نوش وسنرى ماذا ستقول
ــ أحس بانك ستكونين بخير
ـــ ان شاء الله
اسرعت الى غرفتها وثمة شعور بالسعادة ينتابها من حديثه الذي كانت ترغب ان تسمعه من شفتيه عن الحمل والولادة .
عندما عادت مساء ذلك اليوم ووجهها مشرق بالفرحة وعيناها تملاهما البسمة وكأنها ستطير في الهواء معلنة له بانها حامل منذ اكثر من شهرين ، قفز من كرسيه وحملها بين ذراعيه يدور بها والسرور يحيطهما صائحا ..
ـــ سيأتي وريثي ليجلس في عرش بيتي وبين احضاني ، شكرا لك فقد اسعدتني بهذا الخبر الذي انتظرت ولادته منذ زواجنا .
ــ شكرا لله على عطائه .
قالت ذلك والدموع في عينيها من فرحتها بما في بطنها من حياة أخرى .وبما تشعر به من لذة وسعادة ، شعور سينظم ايامها القادمة من استقرار لحياتها واندثار خوفها من هروبه منها والزواج ربما اذ لم تلد له الطفل او الطفلة ، لقد كانت ظمأى لهذا الخبر الذي اظهر على وجهها النشوة في مستقبل ستنطلق فيه بشوق لتربيته ومنحه حبها .
وجاءت الطفلة لترى النور في احضانها وعاشت بزهو مع زوجها يقدمون الحنان والحب لابنتهم حتى بلغت السنوات الاربعة لتداهمها الحمى لأيام قليلة وترحل بعدها الى عالم النور الازلي تاركة حسرة وألم في البيت الذي كان الفرح فيه كبيرا بوجودها ، فتقوضت سعادة الخالة زكو وغابت راحتها و غدت حزينة لابسة السواد زاهدة بأفكارها خاصة عندما علمت انها لن تقدر على الولادة مجددا فمرضت كمدا بالخبر الذي اذهلها وجرح كرامتها ولكن زوجها حاول بكل حب ان يخرجها من مأساتها وان يحررها من افكارها السوداء حتى انتصرت على نفسها واستجمعت قواها من جديد لتربي القطة البيضاء ذات الطرة السوداء على جبينها وكأنها ابنتها المفقودة .
ـــ الأولاد هم وسيله لتكاثر النوع وبما انك لم تلدي بعد فهذه القطه ستعوض محبتك للأولاد .. فحافظي عليها .
ـــ ربما سأعيش معها اكثر وما اريده من راحة لتحقيق هدف الامومة .
ولكنها لم تنسى طفلتها فكانت تبكي فراقها عندما تتوهج رؤيتها في احلامها ،جسدها يذوي وكان مرضا ما قد أصابها ، ولكنها مع مرور الأيام تزيل عن جسمها الجراح وتعود لتكتشف حياتها مع زوجها كما يستحق ان تعيش له .
3.
عندما تبدأ الحياة بالتفتح ،
يبدأ الخوف كوحش بالنمو في القلب
منذ مدة سمعت بتحركه للزواج ولكنها لم تصدق ذلك حتى لحظة انقضاض الخبر عليها كوحش كاسر شل حركتها فبكت على حالها ولكنها تماسكت واستسلمت للواقع الذي وضعها فيه لرغبته بالأنجاب فزاد ذلك من معاناتها ووحدتها واترف تفكيرها الى تركه والعيش بطريقتها وكما ترغب ، لكن الوهن لم يصيبها وانتظرت لأشهر مضحية بلياليها لزوجته الجديدة حتى أصابه الوهن من عدم انجابها فعاد مخذولا اليها والفرح ينمو في وجهه من حبه لها لغسل قلبها من ادرانه وحزنه كما يغسل الماء الجسد ولتسوية جميع إشكالات الغياب عن عالمها والعيش بين احضانها بعد ان اكتشف انها الوحيدة التي تغطي عيوبه المخفية في اعماقه . وهكذا أصبحت وادعة كالقطط فيما حولها ، جميلة ، رشيقة ، تتزين له كل مساء ، تحدثه بفطنة ، لا تتحدث عن الأولاد ، قانعة بحياتها معه .
4.
لقد ارتبط محي الدين بصداقات مع صنفه من القصابين الذين قادوه للعمل السياسي من تحقيق الحرية للشعب والوطن كما شرحوا له ذلك بحيث صار طموحه تحقيق العدالة والعمل من اجل حريته ، لقد كانت صورة أصدقائه الجدد من خارج صنفه قد اذهلنه بفكرهم ونشاطهم وسياستهم و الحرص على تحقيق الاهداف المتخيلة في راسه التي كانت تنمو مع كل كتاب يقرؤه من كتب الماركسية و الاشتراكية والحزب الشيوعي وما حققه في الاتحاد السوفيتي من إنجازات للشعب ، مما زاد يقينه بتحقيق حلمه وقطع ثمار الثورة الاشتراكية في ارض الوطن والغور في جذوره التاريخية العميقة المنعشة لذاكرته فسار قدما معهم ولكن .. ؟
ـــ ما لذي حدث لك ، اراك تتقلب في منامك والنوم يجافيك .
ـــ لا شيء راسي يؤلمني قليلا .
ـــ منذ ان عدت مساء اليوم ووجهك مهموم وكأن غمامة سوداء تغطيه . قل ما لذي يحدث في البلد بعد ان جاء الاخوة من بغداد
ـــ الكل يطارد الكل والدماء تسيل في الشوارع والجثث علقت على أعمدة الكهرباء والاخرى اعدمت ، لقد فجعت لما يحدث في المدينة من جرائم ضد الانسان البسيط من أناس لم يفهموا معنى الاشتراكية والديمقراطية همهم الوحيد الانتقام والقتل ، لقد ضاعت المبادئ التي أمنت بها وخوفي الان على اخيك من ان يقتل ، حاولي ان تخفينه عندنا فلا أحد سيقترب من بيتنا .
ـــ هل حقا ما تقول .. يجب ان تأتي به الى هنا ، هيا انهض واتي به بسرعه
غادر مسرعا وبعد أكثر من ساعة جاء ومعه اخيها ملثما كي لا يعرفه أحد من اهل المنطقة . وعند المساء عاد الى الشارع مستطلعا عن ما جرى لأهالي المدينة ثم عاد خائفا ، حزينا، تتأكله الهموم والخوف على اصدقائه وبعض من اهله البعيدين في الاحياء الأخرى .كان ذلك في العام 1959 ،، لتستمر المدينة تعاني من ويلات القتل والاغتيال حتى عام 1963 وزج الشيوعيون في المعتقلات وتم القبض على محي الدين وادخل السجن في المركز العام الذي كان سابقا تجري فيه المحاكمات ضد القوميين وهكذا تتبدل الأيام يوم لك ويوم عليك ولا احد يعلم ما الذي يجري وما قد يحدث للهاربين الى الجبال والمختبئين في أماكن سريه لا يعلمها احد ، لكن محي الدين اخرج من السجن بضمانة اخو زوجته الذي شهد له بمواقفة معهم قبل سنوات أيام المحنه في العام 1959 ، على ان يترك العمل السياسي وهكذا عاد الى بيته محتضنا قططه المتكاثرة بالولادات والباحثة عن الطعام من بين يديه في البيت .
5.
حوادث متفرقة..
1ــ حادثة الثور الهارب
استنجد الرجال بشيخ القصابين لذبح ثور هائج خرج عن السيطرة محصور في عوجة ضيقة ليس لها سوى منفذ واحد ، ومن يمكنه ان يوقف الثور الهائج سواه لذلك طلبوا من محي الدين الذهاب للامساك بالثور وتقيده وبالفعل ذهب الى هناك في محلة الجامع الكبير وفي احد عوجاتها كان الثور يشخر ويهاجم كل من يتقدم منه وبعد محاولات عدة اقترب محي الدين منه ورمى الحبل على رقبته واحكم فبضتيه على قرني الثور ليطرحه ارضا ومن ثم ليقوم الشباب بشد ارجله ويأتي قصاب المنطقة ليكبر ويبسمل ويعمل السكين في رقبته ليسيل الدم ويرفس رفسته الاخيرة في الحياة .
2ــ حادثة لعبة كسر اليد..
أحس ذلك المساء وهو عائد الى البيت بانه سيسبب الحزن لزوجته وهي تنظر الى يده المكسورة ، لقد أراد ان يجنبها رؤية منظر اللفافات على ساعده محاولا اخفائه تحت ملابسه ولكن اوجاعه كشفت خدعته ، وبرقة وهدوء ان يجنبها الغضب والخوف عليه بكلمات تفوه بها حقيقة ما حصل له ..
ـــ تعلمين بان الكثير من الرجال يتحدونني بلعبة تكاسر الايدي من المدينة ومن خارجها ولحد الان لا أحد استطاع ان يربح في مباراة معي ومرات اضطر للرفض وأخرى بالاعتراض فليس لدي حاجة للبطولة ولا ظهار القوة على الاخرين كي يشار لي ولكن في مرات عديده جاء ابطال اللعبة من العاصمة ومدن أخرى يتحدونني ..
ـــ وبعد ذلك ماذا حدث لساعدك .؟ الا ترى انك كبرت ويدك لم تعد بالقوة التي كانت عليها ، لم تعد تمييز الناس وقوتهم لذلك ستخسر شهرتك وقوتك . ولا أحد يقدر ان يرغمك على ذلك .
ـــ دعيني اكمل لك ما حدث ، كنت موهل للفوز عليه فقد كان ضعيف البنيه مفتول العضلات قصير القامه جاء من العاصمة خصيصا ليتحداني متبخترا بالفوز على اقوى الرجال في اللعبة ، ودون تفكير وافقت على تحديه ، لقد استفزني الرجل وجعلني اغضب ابن … لقد كان قويا صلبا كالحديد ولم يقدر أي منا على زحزحة يد الاخر من مكانها حتى سمع كل الحاضرين وكانوا بأعداد كبيره صوت اذهلهم وميزه الجميع فصاحوا بصوت واحد ،، لقد كسرت يد احدهم ، والحقيقة نحن معا قد كسرت يدانا في اللحظة نفسها فاستشطت غضبا وهو كذلك والألم يأكل في جسدينا , سارع المجبر الذي يحضر دائما اللعبة بتجبير ساعدينا بمخلوط الحمص المجروش والبيض بعد ان أعاد العظم الى مكانه .. ارجو ان تهدئي وتعدي لي ماء دافي لاستحم ..
كادت تصرخ بوجهه ولكنه أشار لها بالصمت .
3ــ حادثة قرن الثور..
الحرص والحكمة ان يتجنب الانسان المخاطر ويخشى على نفسه من الاصابة خاصة والعمل كله بالسكاكين الحادة جدا , ولكن كل رجل له ميزة تميزه عن الاخرين في عمله خاصة أيام المناسبات الدينية وفي اليوم الأول لعيد الاضحى يشتد عمل القصابين وخاصة ذوي المهارة والسمعة ، يتم الاتفاق معهم قبل أيام من الذبح وفعلا استطاع محي الدبن ان ينحر تسع ثيران خلال اليوم الأول من العيد ولم يبقى له غير ثور واحد ولذلك فانه لم يأخذ جانب الحذر عندما تقدم لذبحه كما يفعل دائما إضافة ان التعب قد سرى كالهشيم بجسده ورغم انه جازف بالاقتراب كثيرا منه الا ان الثور لم يحرك ساكنا الا في لحظة لمعان السكين في يده وقبل ان يشرع با مساكه قفز الثور وبقوة مد راسه مستخدما قرنيه للهجوم عليه مما دفع محي الدين الى تقديم ساعده ليلتحم بقرن الثور الذي انغرس فيه لينبثق شلال الدم من مكان التحام القرن بالساعد ويثور الثور ويزبد وعيناه تنظران الى لون الدم الأحمر مفجرا فيه غضب عارم لولا ان الشباب وبسرعة قيدوا ارجل الثور بلف الحبل عليها ليقع في مكانه وهو يشخر .. وبدون انتظار اخذوا محي الدين الى المشفى ليعالجوه رغم امتعاضه ورفضه ذلك
4. الخالة زكو..
لم تكن عجوزا ، مازال وجهها مشرقا وقامتها منتصبة ، ترى ايامها جميلة بعينيها الواسعتين وبشرتها البيضاء تسطع بالمساحيق ، لم تكن مقهورة لكنها تحس بذنب ليس ذنبها ان مات زوجها بعجز في القلب ، كانت ذكية وتعمل بصبر ودقه في لف ورق السجاير العربي في زمانها ، الذهب يطوق ساعديها والقلائد الذهبية تزين رقبتها وترفض ان تخلعها ، وكلما طلب منها احدا خلعها تتصنع الغضب وتزمجر وتهيج وكأنها لبوة تنقض على السائل ، لم يكن للفقر مكانا في حياتها ، لكنها وحيدة لم تنجب وهذا ما كانت تعاقب عليه من زوجها كلما عاد من الخمارة ليلا مزمجرا وصارخا بها بكلمات تجرحها عن عقمها ويباس رحمها فتظل طوال الليل تبكي خائفة ان يتركها ولكنه في الصباح يعتذر منها ويغادر الى عملة في سوق القصابين تاركا لها مجموعة القطط كي ترعاها وتقدم لها بقية اللحوم والعظام التي جلبها يوم امس لهم والان وحدها ترقب روحها المعلقة به وتعض اصابعها على أيامه الغافيات في صدرها حنينا يعزف لها وتر القلب أوهام الكلمات المندسة في تفاصيل صورته ، صارخة من اعماقها بنشيج ينخر بالألم وروحها معلقة في سقف غرقة سجنوها فيها بعد رحيله ، وحيدة تتحسس الاشواك المنغرزة في دمها كما لو انها تكاد تخنقها لتجمع تفاصيل تضرب بها عرض الخوف وتمضي اليه من دون دموع او ضحكة مكبوته وضجيج تملأ به الغرفة السجن وجحود الاخوة الذين قيدوها لدى احدهم بدفع كل أموالها له من اجل رعايتها ، لكنها سقطت في فخ جحوده مثقلة بالماضي غير عابثة بخيالاتها المتقدمة منها عبر النافذة وثقل الساعات العابرة على جسدها المملوء بالخرافة والذنوب المتكدسة على وجهها ذاك الجميل محولة إياه الى بشاعة الذعر من الموت ، ما لذي تفكر به .؟ الجنون كما يدعون ، الرغبة بالتخلص من الحياة بعد رحيله ، ما الذي يؤرقها لهذا الحد وتلك الأصوات التي تطلقها مستنجدة به من خلال النافذة وهي ترى ظلا له كما تقول يتقدم منها يوميا منذ شروق الشمس يحاكيها ويرسم لها طريقا للقاء به في العالم الذي غادر اليه ، ربما تشوش افكارها وضيق مساحة غرفتها قد قيدتها ب اوهام وابعد افكارها لانعزالها عزلة الموت الذي وضعوها فيه ، تدور في الغرفة ، تدور، تدور الى ان تتعب ثم ترمي بنفسها على السرير ونظراتها مركزة على صورته في سقف الغرفة كانه صدى يرتد الى داخلها صارخة به : لقد انكسر داخلي وروحي تترنح بخيالات واوهام لا صل بها اليك رغم كل الحواجز قدامي كي لا اعبر جدار الخرافة هذا وفقداني لحريتي فالوصول الى ظلك اصبح مستحيلا . فقد نمت بعيدا عني في قبرك وحيدا لتخرج من اعماقي تاركا اياي ملفوفة بذكريات تتقلب في داخلي كالجمر تكويني بلهيبها وتشدني الى أيامنا هي لم تزل ترغب بتجميع العلب الفارغة من قواطي المعجون المستورد وزجاجات بأشكال مختلفة واواني بلاستيكية وصحون وعلب فارغة وتعيد تنظيمها وترتيبها كل يوم وتضيف اليها كل ما يقع تحت يدها وما تجده في الشارع حتى وصل عددها لمئات القطع ولم يعد سرداب البيت يسعها فقامت بنقل البعض منها والذي غلفه الصدأ الى سطح الدار دون ان تتخلص منها لعشقها جمع كل قديم ، كان لديها شمعدان قديم جدا وقنديل من الزجاج حجمه كبير ازرق اللون وعليه نقوش لورود مختلفة قد ترك منذ دخول الكهرباء الى البيوت ولكنها تأبى ان تتركه فهو تحفة فنية كما كانت تقول إضافة الى نحاسيات واواني زجاجيه ملونه بصور روميو وجوليت ونسور وسجادات عتيقة ممزقه وصندوق اثري من نوع الصندقجة القديمة جدا والتي وضعت فيه ملابسها عند زفافها قبل اكثر من خمسين سنه وهي ماتزال على نقوشها وتلك المسامير البارزة على غطائها المذهبة ، كانت تنهض مع الفجر متثاقلة تعد الفطور لمحي الدين الذي مازال رائحة الخمر في شفتيه وراسه يترنح من ثقله راغبا بالنوم الذي غرق فيه بكوابيس الطفل الذي لم يولد ولكنه عوض عن ذلك بتربية القطط في بيته الممتلئ بهم والباحثين عن طعامهم يوميا عند عودته من السوق، يغادر لعمله وتبقى وحيدة مع القطط طوال نهار تزدحم فيه الاحلام والذكريات والخوف من مستقبل مشحون بالجنون فيما بينهما فهي دائما تحس بالرعب من كلماته التي ينبش فيها عدم انجابها وان نسله سينقطع بموته دون النظر الى شعورها بالخيبة والخسران لعقم رحمها ويباسه عن الولادة ، تتسرب الساعات في يومها ليدخل المساء فتلامس اصابعها وجهها لتزينه بالمساحيق وتعيده لشباب غادرها وتلامس شعرها الذي يصل الى خصرها بتلوينه بالحناء ضاربة اخر الالوان كي يبقى خاضعا لوجهها وجسدها الفتي الممتلئ ببسمة مفرطه وقامة شامخه محتفظة بدفء مراهقة فتيه ، معطرة ملابسها وفمها بماء الورد ورائحة الياسمين وفاتحة قلبها لاستقباله بأحلام الأيام الاولى لزواجهما . ا
ان ما يحدث لها هلوسة ام كوابيس تجردها من انسانيتها وتحولها الى وحش داخل احلامها فتمزق كل شيء يقع بين يديها وتكسر كل اطباق البيت والاواني الزجاجية محدثة صخب يثير كل الموجودين حولها دون ايقافها او الإمساك بها ، كانت خائفة جدا وخاصة ان الكوابيس تأتيها ليلا ونهارا ويتمثل لها زوجها كظل في الحديقة وقطتها البيضاء في الشباك تموء تنادي عليها . لقد بقيت لا يام تحت وقع الصدمة وملازمتها لأحلام ترعبها وتشل لسانها عن النطق لساعات بعد الاستيقاظ من النوم وجسدها متعب وتكاد تنهار من الخوف ، ووجه زوجها لا يفارقها والقطة تصاحبها خلال النهار وتغيب في الليل ليظهر لها في الحديقة يعزق النباتات ويسقي الأشجار ويكلمها بهس وبكلمات شفافة تدغدغ مشاعرها فتقف قرب الشباك تناديه دون ان يرد عليها وبلحظات يختفي ليظهر لها داخل الغرفة وقبل ان تمسك بيده يختفي ليعود واقفا على الشجرة واغصانها تمتد لتدخل من النافذة وتطوق عنقها حتى تكاد تختنق فتصرخ فزعة وتستيقظ من كابوسها الذي رأت نفسها فيه تركض وسط الشارع وجمع كبير من الناس يلحقون بها ليعيدوها الى غرفة سجنها الهاربة منها على جناح الريح الطائرة في فضاء المدينة.
تكاد تموت ضجرا بسجنها الذي اختاروه لها غصبا لان عقلها قدم لهم إشارات عن الخرف الذي أصابه وخوفا ان تهرب وتتيه في الشوارع وضعوها داخل الغرفة وقفلوا الباب عليها ليزيدوا من هلوساتها وكوابيسها واحلامها المخيفة ، صرخت مناديه على اخيها
ـــ رأسي يؤلمني ، يكاد ينفجر ، اريد الخروج ورؤية السماء .
دخل عليها ابن اخيها وقدم لها حبة ومعها كاس الماء ، بعد لحظات احست بالراحة من وجع راسها ومن جديد استلقت على السرير تحدق بسقف الغرفة وسرعان ما أنداحت ذكرياتها وتأوهاتها وسالت الدموع من عينيها ووجهه يقابلها مستحضرة الاف الدقائق بينهما واهتمامه بها وحبه الكبير وسعادتهما تنبهها الى تلاحمه معها ورغم ذلك تعيش ممزقة وألم مضني يفتك بها ويقتلع من جذورها احلامها وحبها ليغادر الى عالم النور تاركا روحها مضطربة يسكن قلبها الحزن الذي لم يبارحها حتى اللحظات الأخيرة من حياتها ، عذاب استبد بها اخذها من عالم يحيطها نحو عالم مجنون دخلها ونشب اظافره في جيدها لتولد الاحلام والرؤى ، وليموت بصيص الامل في صحوها وخلاصها ، فربما تقدم على الانتحار بعد ان رأت عشرات الاشباح تحاصرها وتأخذ جسدها لتدفنه بجانب زوجها وتهيل عليها التراب ، وكان اخوها يشعر بصمتها وكأبتها والمرارة التي تعانيها وخوفه عليها للحزن الذي يجلجل على وجهها والمرارة في حلقها وتعثرها بالنطق وتركها لشعرها المنكوش وملابسها الوسخة فهي ترفض الاستحمام لا بل تخاف ان تستحم بالماء وتحكي بصوت عال عن الكائنات المخيفة الظاهرة في الغرفة ولا تبالي لاي شيء سوى للأخيلة التي تداهمها في كل لحظة .. اعادها اخاها الى سريرها بعد ان حاولت ان تكسر الباب واعطاها حبة لترتاح من اوهامها واحلامها.
قالوا ان الجنون قد حشر نفسه في راسي وانني اهلوس في كلامي واتخيل أشياء غريبة واحاور زوجي الميت كأنني اراه وهم لا يعرفون ان رائحته تملأني وعشقه ينبض في صدري وان اسمه منقوش في قلبي ومكتوب على كل جدار في غرفتي المنعزلة عن العالم فكل ما حولي يقودني اليه ويفقدني اتزاني واراه في الحديقة يقلم الأشجار ويزرع الورد ويقطف كل يوم وردة حمراء يقدمها لي عبر النافذة فيأخذني جسدي اليه ولا احد يقدر على منعي من لقاء روحه بروحي ، اصبحت أنفاسه وكلماته واغانينا القديمة ، اتشبع منه بينما أكون ممددة على فراشي احتضن وسادتي جسده ونرقص معا , لاشي يمنعني من الحلم الذي اعيشه معه ودموعي مازالت معلقة على خدي اغسل بها وجهه وارد اليه ابتسامته كي يتنفس انفاسي وتعود له الحياة ، ولان ذاكرتي قد جمدت وتعطلت عن استقبال أي كلمه سوى كلماته وتعطل قلبي عن الحب وانزرع فيه الكره للذين حبسوني بين الجدران الأربعة وصورته تتوالد في الوانها الغامقة وكـأنها ظلام دائم يغطي حياتي لتثقب جدران ذاكرني العمياء وتعود الى بقايا من ايامي .. اختمرت فكرة في راسها عندما رات ان البيت تحول الى ملجأ للقطط ولم يبق مكان في الامسيات للجلوس في حوش البيت الصغير الذي يتكون من غرفة واحدة واسعه تصعد اليها بدرجات ثلاث وسرداب اكتظت به العلب المنوعة والخردوات والبضاعة القديمة من اواني ومفارش منذ زواجهما لذلك قررت بعد موته التخلص من القطط والبقاء وحيدة في البيت ولكنها لم تقدر فقد تحرك الخوف في مفاصلها ودخل الرعب الى صدرها في الليل فلم تقدر على النوم واكتشفت انها ترى ظلال لزوجها تتحرك في الحوش وتسمع طقطقات الاواني وحركة الاقدام وزعيق وصرير من السرداب ولد الرعب فيها وطار النوم من عينيها تلك الليلة المفزعة فاستنجدت بأخوتها في الصباح ، وها هي في بيت اخيها مسجونة في غرفتها تستيقظ مذعورة لتحدثه مقتربة من النافذة ويديها تطوق وجهها بصوت عال يسمعه كل من في البيت ليأتي اليها اخيها ويعيدها الى الفراش وهي تصرخ به . ـــ انظر الى قطنا الأبيض المحنى بطرة في جبهته ينظر الي من وراء النافذة ومحي الدين يحمله برفق ومحبه ، هما يطلبان مني مغادرة الغرفة والذهاب معهما ، اتركني ارحل من هذا السجن الى حريتي ، لماذا لا تدعو محي يدخل الى الغرفة ، البرد قارس في الحديقة ، الا تراه يرتجف ، سيمرض من البرد ، الظلام كثيف ولا اكاد اراه ، الان رايتهما يهربان مني عند رويتهم لك ، انهما خلف النافذة ، لابد انهما جائعان ، لا .. قفلت جفونها وكأنما صعدت روحها بهدوء اليه ،غطاها باللحاف الثخين وغادرا قافلا الباب خلفه . في الصباح استيقظت وتناولت طعامها الموضوع على المنضدة ثم جلست امام المرآة واخرجت عدة مكياجها وزينت نفسها وكأنها عروس ليلة زفافها ، ابدلت ثوبها وجلست على السرير بعد ان أخرجت حليها من تحت المخدة وارتدتها كلها منتظرة قدومه عابرا طريق الموت مقتحما ضوضاء الشوارع وكأنه طائر بجناحين كبيرين ليفتح النافذة ويدخل اليها في الوقت الذي رسمه لها في خيالها كي يأخذها معه ويرحلان لعالمه السرمدي كظلين متحدين حتى لحظات الموت القادمة . ــــ لكن لا احد يطرق قلبي بكلمة حب ، لا احد من يفتح الباب ببسمة ، لا احد يضئ قنديلي في الليالي المدلهمات بالسواد والظلال ، اقصد ظله الدائم في عيني والقط الأبيض بين يديه ، لا روحه تقترب مني وتتوحد بأحلامي الناتئة في ذاكرتي الهرمة ، لا احد .. لا أحد .. لا أحد سوى دقات قلبي تتضاءل وينقطع نبضها رويدا ، رويدا ، رويدا .
انقرة من 2/7 إلى 22/7 عام 2023
أضف تعليق