د. وفاء صلاح
لقد مضى وقت طويل قبل أن يستوقفني عمل قصصي للقراءة. وحينما قرأت جزءاً من إحدى قصص المجموعة على إحدى المنصات أدركت أن لهذا الكاتب صوت جدير بالتوقف عنده. ولم يخب ظني حينما بدأت في قراءة هذه المجموعة المميزة، شاطئ النسيان، الصادرة حديثا عن منشورات “كناية”، وإن كنت بصدد كتابة رأيي فيها فهذا لا يقلل من جمالها واكتمالها ولكنه مجرد رؤية شخصية، فالقارئ دوما يفتش عن نفسه في تفاصيل العمل الأدبي، بل ان أكثر الأعمال الأدبية قربا لنا هي تلك التي تماست مع لحظات أو مواقف خبرناها.
القصة القصيرة هي فن اللقطة، تلك اللقطة التي يمر عليها أي شخص مرور الكرام لكنها تتشبث بذهن الكاتب وتراوحه في صراع مخاتل حتى يقتنصها في نصه القصصي، والمجموعة هذه متفردة ومميزة جداً في القطات التي تقتنصها.
اللغة جاءت مناسبة للون الأدبي بلا إسراف في الخيال أو الصور او الوصف. الحوار جاء موظفا تماماً وموجزا، وهذه إحدى الميزات التي أفضلها بشكل شخصي في القصة القصيرة.
بناء أغلب القصص جاء مكتملا موقفا فعقدة فلحظة تنوير، والأشخاص محدود العدد، والتركيز والتكثيف متحقق بشكل كبير.
بشكل عام، النصوص ممتازة باستثناء تفصيلة صغيرة أتت في عدة قصص وهي رأي الكاتب أو صوت الراوي، وفي الكلاسكيات من نصوص القصة القصيرة يختفي صوت الراوي ورأيه إلا اذا كان هو البطل، ولذلك في بعض قصص المجموعة جاءت النهايات بشرح زائد ربما قلل من متعتي كقارئ، وربما لو تم تخطيها لكان ذلك أفضل.
مثال على ذلك، في قصة “اتحاد الأرانب”:
اغلق جدي المصحف الذي كان بين يديه وهو يردد هذه الآية (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) الأنعام، 38.
هذه النهاية أفقدت النص جزءا من قوته لأنها شرحت الفكرة التي قام النص فعلا بتوصيلها لي كقارئ، بل كانت احدى نقاط قوة النص أنها أشارت للحيوان كمعادل موضوعي للانسان، ووجود نهاية بهذه المباشرة قللت من هذه القوة.
مثال آخر، في قصة “العناق الأخير”:
يأتي زمن على الانسان تختلط الحقيقة بالخيال.. الجملة تقريرية والنص بدونها مكتمل.
أما درة قصص المجموعة اكتمالا وجمالا فكانت قصة “العرض الأخير” التي أراها نموذجية بشكل كبير.
أتمنى للكاتب الفاضل مزيدا من التقدم ومزيدا من الجرأة في حذف التفاصيل ومزيدا من الجرأة في الصمت والتوقف في النقطة التي يترك فيها النص قارئه وهو في ذروة التحامه معه.

أضف تعليق