حكمت الحاج
أن تكون كاتبا، يعني عندي ان تكون جزءا من الطبيعة، وفردا ضمن الإنسانية، وان تستعمل لتبرير وجودك هذا، إحدى أهم هبات الطبيعة، الا وهي اللغة.
الكتابة هي اللغة، والنضال معها، والنضال ضدها، من أجل التعبير عن نفسك وعن الفئة التي تنتمي اليها بشكل من الأشكال. ومع تنامي وعيك بالحياة والموجودات حولك، يتطور اسلوب تعاملك مع اللغة فتنتقل من اللغة المشتركة العمومية، الى لغة خطابك الخاصة بك، فتبدا بتجميع مفردات قاموسك اللغوي، ما بين اللغة المحكية واللغة الراقية، لتتحول بعدها الى مروض لهذه اللغة، وصانع ألعاب ماهر فيها، وسرعان ما سيتخذ خطابك اللغوي هذا منحى نحو جنس أدبي ما، قد تجد نفسك الأقرب اليه تعبيرا، فنراك بعدها شاعرا او ناثرا أو كاتبا دراميا أو ما سيروق لك من التصنيفات.
لقد اخترت من البداية أن اكتب الشعر وأتمرن في المسرح في عين الوقت، متأثرا بعبارة اغريقية أو مأخوذة عن الإغريق، مفادها ان الشعر والمسرح صنوان.
وبينما أنا اخوض مغامرة الشعر وتاريخه وأشكاله وأعلامه، راسيا بشكل نهائي على قصيدة النثر دون غيرها من الأوعية الشعرية، كنت بدأت مسيرتي المسرحية ممثلا ضمن الكومبارس، وموضبا للديكور، ومساعدا للمخرج، ومعدا للنصوص، ومن ثم مخرجا لثلاث مسرحيات إبان حياتي الجامعية، ولكن بعد سنوات طويلة، وتقلبات في الحياة والمصير، رسوت على التاليف في الأدب المسرحي ضمن تيار اللامعقول أو مسرح العبث، تحديدا، وأنجزت في ذلك عدة مسرحيات نشرت في كتب، منها ما هو باللغة العربية الفصحى، ومنها ما هو مكتوب بالعامية العراقية، ومن ثم بالعامية التونسية، وقد تم تقديم بعض من تلك النصوص على خشبات مسارح تونس وخارجها.
أنا الآن اعيش في السويد، بلد الشعر والمسرح، بلد غونار ايكولوف وتوماس ترانسترومر، بلد أوغست سترندبيرغ العظيم الذي أمضيت حياتي متتبعا خطاه مقلدا إبداعه في الرواية والدراما، لعلني ذات يوم أن اكتب عملا يشبه ولو قليلا مسرحية “ثلاثية الطريق الى دمشق”، أو رواية “الغرفة الحمراء”. ومن يدري، فلربما الأقدار هي التي قادتني، منصاعة إلى رغباتي الدفينة الغائرة تحت طبقات ذاتي، إلى أن ينتهي بي المطاف هنا، في هذه المدينة الجميلة التي تنام على كتف البحر فتذكرني كل يوم بساحل البحر الأبيض المتوسط الذي يمتد حتى يقترب من شرفة بيتي بسوسة البهية، جوهرة الساحل، فأسمع كل فجر تلاطم الأمواج في كورنيش بوجعفر، والنوارس تغني للشمس لكي تطلع من جديد.
- نص الكلمة التي ألقيتها يوم 21 فبراير أمام طلبة معهد تعليم اللغة السويدية لغير الناطقين بها، Sfi, بطلب من معلمتي الأستاذة ل. م. يوهانسون..
أضف تعليق