حكمت الحاج*
نحن في السابع من شهر ديسمبر من العام 2022. إنه يوم خاص في حياتي. ومطلوب مني في هذه المناسبة التي تجمعني بالسيدات والسادة أعضاء “الجمعية الملكية لرحالة الشرق الأدنى وجغرافيي المناطق النائية” أن أتحدث عنه.
هل أحدثكم عنه؟
نعم! سأفعل.
ففي مثل هذا اليوم قبل عشرين عاما، التقيت بها صدفة في المكتبة العامة للمدينة القطبية التي كنت أسكنها. كانت امرأة جميلة مهندمة وفارعة الطول بشعر داكن وعيون عسلية. بعد جملتين او ثلاث، خمنت انها قد حصلت على تعليم جيد، وقد تعبت لتكون مثقفة. إثر ابتسامة صادقة ودودة منها، طلبت مني كتابا بعد أن كانت يئست في البحث عنه في قواعد البيانات، كما قالت. لكني لم أكن أعرف ذلك الكتاب، ولا كنت قد سمعت به من قبل. وعدتها أن أبحث عنه بشكل ما. ثلاثة أيام بعد ذلك، التقينا في نفس المكان. اعتذرت لها انني لم أجد الكتاب. قالت لي حسنا، لم يعد الأمر مهما. لقد وجدته. آه هذا اكثر من رائع. يا للسرعة! قلت مفتعلا الإندهاش. وسألتني: هل تريد أن تلقي بنظرة؟ قلت لها: نعم، في الحقيقة، وقد يتآكلني الفضول. نعم، أرجو ذلك. ثم ضحكنا قليلا على سبيل المجاملة.
أخرجت فارعة الطول ذات الشعر المجعد، من حقيبتها كتابا صغير الحجم بغلاف أسود. تناولته منها شاكرا، وبدأت أتصفحه. كان الكتاب كما هو واضح بين يدي اقلبه ذات اليمين وذات الشمال بصفحات لا تربو على الستين ويحمل العنوان على صفحته الاولى بعد الغلاف الخارجي: “تلوكني العتمات”. لم أفهم جيدا ما هو المعنى. جلست على مقعد قريب في الفضاء المخصص للزوار، وأخذت أقرأ الكتاب. كان يبدو كما لو انه كتاب شعر او مجموعة من القصائد التي تحمل عناوين منفصلة لكنه لم يكن يشبه دواوين الشعر المعهودة. عدت الى صفحة العنوان لمعرفة اسم المؤلفة. “عواطف محجوب”. بدأت أقرا النصوص واحدا تلو الآخر مستغرقا فيها لدرجة اني نسيت السيدة الجميلة التي أعارتني إياه. كنت أقرأ سريعا وبشكل مستمر دون توقف حتى وصلت إلى منتصف الكتاب حينما عثرت على تلك القصيدة العجيبة التي غيرت حياتي برمتها. كان عنوانها “انت يا من تقرأ كتابي الآن، تمهل، ولا تعبر هذه القصيدة”. وصرت أقرأ بتمعن كما طلبت المؤلفة، وأنا خائف أن يحصل معي شيء ما، فقد كنت رغم دراستي العلمية وفكري المادي، أؤمن ببعض الماورائيات. “لقد بحثت عنك طوال سنين بعد ان افترقنا، ولما يئست من وجدانك كتبت لك هذا الكتاب الذي لا أعرف ما نوعه وما جنسه، ذلك أنه مكتوب لإنسان واحد فقط على وجه البسيطة. وقلت مع نفسي فلأبحث عن ناشر يطبعه ويوزعه على نطاق واسع فلعلك أن تجده ذات يوم وتقرأ رسالتي إليك. دفعت أموالا طائلة لناشر رضخ أخيرا لشرطي الغريب، وهو أن يصدر الكتاب بغلاف من الجلد أسود اللون، وبلا أية خطوط أو رسوم، وبدون اسمي، وبلا عنوان”. انتبهت للأمر فتركت القصيدة واضعا اصبعي كمؤشر على الصفحة كي لا تضيع مني، ورحت اتمعن في الغلاف. وفعلا كان كما قالت المؤلفة التي يبدو انها من إحدى دول الشمال الإفريقي، حسب بيانات الصفحة الثانية من الكتاب، أين يضع الناشرون تفاصيل كتبهم المنشورة. وعدت لمواصلة القراءة من حيث توقفت. “فإذا ما كنت مستمرا بالقراءة لحد هذه الصفحة من كتابي، فاعلم بأنك تحت تأثير برج العقرب حينما يدخل في العذراء. وتحسب انك قد نجوت وما انت كذلك، إذ تطيح بك ذكرى أو صورة أو رائحة جلد حذاء جديد. يا فلان، إنني عندما افترقت عنك ذلك اليوم البعيد في تلك المقهى البحرية على كورنيش المدينة المتوسطية، جوهرة السواحل، كنت أريد أن أجيبك على سؤالك. نعم، كنت أريد أن أجيبك قائلة بلى يا سيدي سآتي معك تاركة كل شيء ورائي دون وجل أو ندم، لأنني أحبك. أنت كنت بغلا حقيقيا ولا تفهم في الحب بينما تفهم في كل شيء آخر. كنت تريدني لعملك، وأنا كنت أريدك لنفسي. لي فقط. لي وحدي بلا شريك، ولا حتى المال والعمل وأهلك وذويك وقططك السمينة بوبرها الطويل. ولكن لست أدري ما الذي حصل. فقد نهضت من مكاني فجأة وأنت ما زلت تتكلم، والتقطت حقيبتي اليدوية من فوق الطاولة التي بيننا، وغادرت مسرعة المقهى دون أن أجيب على سؤالك، ودون أن ألتفت إلى الوراء. كنت أعلم أنك تنظر إلي حينها مندهشا فاغرا فمك من هول الصدمة وقلة الذوق”.
رفعت رأسي عن الكتاب ونظرت إلى لا مكان. كنت أحتاج أن أفكر قليلا، لكني لم أستطع. كان رأسي فارغا تماما. كانت تلك السيدة فارعة الطول تقف على مبعدة ولاحظت انها تلبس حذاءا رياضيا، ربما لأنها طويلة القامة، أو لأنها لم تكن تريد أن تصدر أصواتا في المكتبة العامة. وطفقت اتخيل ذلك المشهد هناك في تلك البلاد البعيدة حيث كانا يجلسان معا وأمواج البحر تلطم حافات السياج الزجاجي. هل كان ثمة شمس في الحكاية؟ لم تذكر القصيدة ذلك التفصيل. وكدت أن أنهض من كرسيي لأذهب إليها وأسلمها الكتاب الغريب، لكني تسمرت في مكاني وعدت أقرأ فيه: “والآن، وبعد كل هذه السنين، أنت بعيد عني في بلاد باردة، وأنا جرفني الزمان وطمرني في تراب مدينتي التي لطالما أنكرتني وهمشتني وعذبتني، ولطالما كرهتها. أنا لم أتزوج بعدك، وأنا متأكدة إنك لم تفعل، رغم انك لم تذكر لي هذا ابدا. كان شعارك لا أحاديث في الحب ولا في الزواج ولا حتى في الرغبات المظلمة الدفينة. لم تكن تتكلم معي سوى في العمل، لكني كنت أعلم جيدا إنك تريدني ولا تستطيع العيش من دوني. ربما هو الحب. لست أدري. ربما هو الصراع في سبيل البقاء. ربما شياطين أخرى. من يدري؟ المهم أيها الرجل الذي مر بحياتي كعاصفة وأنبتني في ترابي كشجرة، إذا أتتك امراة بهذا الكتاب فلا تتركها تلوكها العتمات. رافقها وكن معها ولا تستمع الى حجج انشغالاتها. لا تفكر في شعرها ولا في كعب حذائها. وليكن هذا آخر ما ستقوم به من أجلي في حياتك، وانا أدرك كم أنت فعلت من أجلي من منذ أن أحببتني. رافقها. رافقها. دع الكتاب الآن، بل قم وارمه في أقرب سلة أزبال. اتركه. لا تكمل قراءته. امض معها الآن فورا. امسك ذراعها ولا تخف فهي لن تصرخ طالبة النجدة. هيا امضيا سوية واكتبا معا فصل الكتاب الأخير ولا تجعلا الزمن ولا العتمات تلوككما كما أنا لاكتني العتمات ذات سنين عجاف”. أيها السيدات والآنسات والسادة، بطبيعة الحال، وكما هو واضح من سردي المرتبك للأحداث، فالقصة لم تنتهي عند هذا الحد. ولكننا ربما نكون في حاجة ماسة إلى لقاء آخر وإلى دعوة أخرى لكي نعرف ما الذي حصل في نهاية المطاف، سوى أنني أقف أمامكم الآن وحيدا إلا من الذكريات، وغير مستحق للتصفيق، إن فكرتم في ذلك، أبدا.
أضف تعليق