"كمـَـثلِ من يعبدُ الشمس
أسردُ حكاية الشعاع
لستُ ليلا ولا من عبّاد الليل
إنّما أسردُ حكايا الحُـلم...
جلال الدين الرومي
====
"لا شيء لهذا الليل
حلكته لا تخصُه، والنجوم التي يرتديها لم تكن يوما خالصة له، سكوته وطوله وبرودته، كلها مستعارة من سماء أخرى... حتّى وان أطبق على روحي، وسدّ عليّ مداخل النهار".
هديل الحضيف، ص14، غرفة خلفية
د. ثريا الهادي السوسية
هذه الدراسة هي من أعمال ندوة "فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات" والتي أقيمت يوم الأحد 29 يناير 2023 للاحتفاء بصدور كتاب "تلوكني العتمات" للشاعرة التونسية عواطف محجوب عن منشورات سلسلة كتاب كناية، بحضور: د. ثريا السوسية، نجاة نوار، باسمة الحاج يحيى، ميس داغر، حكمت الحاج.
نصوص ليليّة، أم رسائل الوجود
على امتداد ثلاثين قصيدة وقصيدة، تشدو الشاعرة رؤيتها للوجود.وجعلت تحت العنوان الرئيسيّ للمجموعة عنوانا فرعيّا آخر، وسمته بـ “نصوص ليليّة”.
وهذا العنوان ليس مجرّد عتبة موازية للنصّ الذي يعنونه، تبعا لطرح جيرار جينات،بل إنّ مابين العنوان والنّص التقاء يصل إلى حدّ التقاطع، في بؤر دلاليّة معنوية خاصّة إذا كان العنوان مقتطعا من النص الأكبر. فلم تكن هذه النصوص المنسوبة لزمن الليل إلاّ قطعا شعرية صُنعت في عتماته.
من هذا المنطلق يمكن القول إنّ جملة (تلوكني العتمات)/ تجسّد اختزالا دلاليّا بالغ التوتّر والتّكثيف لنصّ يمكن أن يصنّف هو الآخر عنوانا شعريّا لتجربة عواطف الشعرية. فـ”عتمات” تعبُر بنا إلى تفاصيل العلاقة القلقة بين النصّ والمبدعة٬ بين فعل الأكل ومشيئة الظلمة٬ بين ظلمات متربّصة وأحلام باقية في أحداق الليل. .فترحل بنا إلى أقاليم القصيدة وقلق الشعر ومكابدة التجربة باعتبارهم مرآة للعبة الكتابة الخطرة.
ها هي عناقيد الاستعارة تتوالد على نحو هندسيّ، وهي بلا حصر، بل ربّما كان الديوان نفسه استعارة كبرى، وما عناوين النّصوص داخله إلاّ من بنات المعنى وهو يُصنع.وقد عددنا من الاستعارات الأكثر حضورا والأكثر كثافة دلاليّة،خمس استعارات لا تستقلّ بذاتها في مستوى التكوّن بقدر ما تتواشج تركيبيا وفنيّا مع بعضها البعض.
1 في استعارة الرّيح:
تُعدّ مفردة “الرّيح” من عناصر الطبيعة التي وجد فيها الشعراء قيمة جماليّة وطاقة دلاليّة. وقد استخدم الشعراء الحداثيّون هذه المفردة كرمز مكثّف ينبع من حركة الريح وتقلّباتها، ومدی علاقتها بمختلف أشكال الكينونة البشريّة. ومن أهمّ هذه الدّلالات لمفردة الرّيح ماتوزّع منها نحو طاقة العذاب ومشتقاته، كالدمار، والخراب، والعقم، والجدب،والقلق والعبث٬ وطاقة الرحمة وما يليها من الخير والحركة والتغيير والانتقال.
أمّا الشاعرة فقد أقبلت علی توظيف “الرّيح” باعتبارها رمزاً فاعلاً للتعبير عن رؤيتها الوجوديّة، فوجدنا أنّها تحمل دلالات لعلّ أبرزها دلالة التــّـــــغيير والرغبة في الانعتاق٬ فتواتر هبوب الرّيح في غير موضع من هذه النصوص، فهي ريح سارقة للطمأنينة وللصوت٬ في قصيد “احتفال” ص5:
“تهزّنا الريح،فتسرق
ظلّي
وأظلّ أنا ما بقي من ظلّي
هباء صوت
جلّ أمانيه لو يرتفع
فلا يسكت.”
وهي الريح الراقصة في قصيد “اختناق” (ص6)، تنتشي بجرح الذّات، وتخنقها بأفعال حركيّة تصاعديّة: تنثر،تثقب، تتحكّم برقصها ولامبالاتها حتّى في الفكرة تعنّ لصاحبتها:
“تأتي الريح راقصة
من قارورة طلاء أظافر يابسة
تنثره أوراقا
بقايا خريف باهتة
شهيق يطبق صدري
حتّى الريح يغريها الضيق
إذ تغشت بتراب الأرض
تثقب الافكار بسيخ القلق.”
هو نفس وجه الرّيح في نصّ آخر” أسئلة في الرسم” (ص22)، وجه منسجم تماما مع طبيعتها العبثية….فتــــــنـــفعل الشاعرة، وتقف متأمّلة فعل الرّيح وهي ترقص، ولا تملك لها إدراكا أو تقييدا٬ تستعير لها حركات لا تنتهي، دون أن تفهم أسرار تحوّلها، فتتالى الأسئلة والحيرة في مجاز الكلام:
“كيف نرسم الرّيح الراقصة في كلّ اتجاه؟”
ليس غريبا أن تكون الرّيح استعارة كبرى تتوالد منها صور، تجعلها أقرب إلى الكائن الهلاميّ الأثيريّ الذي يتدخّل بلا إذن في مصير هذه الذات منذ النشأة الأولى، فتخطف منها نار المعرفة: تقول في نصّ” النشأة الأولى” (ص15):
“مذ ولدتَ
عند أخمص الجبل
حافي القلب، مثلج الكتف
عميق الحاجة وفارغ الهم
شغوفا بفكرة البقاء
والريح تخطف لعبتك
نارا من حجري صوّان”
يتعمّق حضور استعارة الرّيح حين تصير الريّح ذاتها مسكنا للأنا تحتمي به، فترسم لنا مؤثثات هذا المسكن من معجم الطبيعة،ولكنّها طبيعة صلبة قاسية باردة صامتة: “جبال ووهاد وحجر وغبار”…قصيدة “ظلّ السراب” (ص 19):
“لا قصرَ لي، ولا سقفَ
أنا أسكن الريح
وليلي غبار حزن انتفض
ملأ الأرجاء
عدا كوة القمر
وتلك الجبال و الوهاد أفكار أربّيها
في قمقم من حجر”
لكن ما معنى أن تسكن الأنا الرّيح؟ ما شكل الإقامة في اللاقرار واللاثبات، وهي ذات خواء وبلا عتاد؟
وفي آخر نفس القصيدة تقول:
“وللنهر حافة فاض منها غراء
يشدّ خشب الغاب إلى الأرض
أطعمُ الحمام قمح السفر ليثبت
والطريق تغويه بالفتات ليسرق الرّيح
فكيف أتسلل إلى كوخ الجنون والتمرّد
وأعبث بلا أجنحة؟”
إنّ الطريق الذي كانت ترسمه الأنا هو طريق الحياة التي تراها بوجه التمرّد ولون الجنون٬ لذلك كانت تطلب الأجنحة: هل كان توسّلها بالريح معبرا لذلك؟ ولكن كيف أمنِتْ مَكر الرّيح، وعبثها؟؟ ها هي في قصيدة “طيف وذاكرة” (ص28)ترسم ملامحها:
“على ناصية الحيرة
إزميل بارد يحفر راسي
ملامحي صورة غائمة في مجاز الكلام
وسؤالي مطر مفاجئ معجون بالرمل والرّيح
فأتلاشى…”
هي تملك أن تستدعيها، وان تقيم في التواءاتها، وان تسكن فيها واليها، لأنّها شبيهة في فعلها بإيقاع الذات الداخليّ وأحوالها المبهمة المُعتِمة، تقول في قصيدة “من رسائل اللّيل” ص38 :
“البارحة قلتُ لأنوح قليلا على الرّيح من كهفها تأتيني طائعة
واركب إلى البعيد حيث يتلاعب الثلج والغيم الدّاكن
ومطر يثير حزني ورغبتي القاتلة في الكتابة بل نفَس”
……..
نسيت أن أخبرك يا صاحبي إنّني
أسكن التواءات الريح
أنا كورديليا يتقاطر جمودها على الحجر
تاريخ يتناسل القادم منه”
لقد توقّفنا في مفاصل بعينها من شذرات النّصوص التي تشكّل الرّيح جزءا من تكوينها، فبدت لنا منسجمة مع ما وقعنا عليه٬ حيث كانت الرّيح نافذة المشيئة، وسيّدة المشهد في أغلبها،… فلن نعدم من سيميائيّات الريح ما يوثق منطقيّة ذلك الرّبط، حيث تغدو الرّيح فضاء لحزن القصيدة، وهي ذاتها الرّيح التي تحتوي قلق الروح ولم تكن الشاعرة لتُودِع بقاياها ريحا سوى ريح القصيدة التي تنازعها دمها٬بل تعمد إلى اقتناص هوّية القصيدة في لحظة صيرورتها تلك٬ وتلاحقها في صور متعدّدة، فتكون الهجرة إلى الرّيح حينا، والى آية الروح حينا آخر، والريح تستدعي حقلا من دلالات القلق والحركة وما تنطوي عليه الذاكرة من نُـــذُر العذاب٬ كلّ ذلك مقابل علوية الرّيح وسكونها وما تستدعيه من دلالات ضاربة في عمق العاطفة الإنسانيّة المرتفعة أبدا نحو السماء.
ولا تتخلّى الرّيح عن مجازيّة دلالتها في المقطع التالي من النصّ، لتعصف بالعلائق الواهية مع اللّيل٬ لتتحوّل وحشا يحفر في الجرح الغائر بقوّة، في قصيدة “علبة ملح” ص46:
“الأسطورة بثتني حكاياها وودّعتني
أطلقتْ الريح تزفر
بين فراغات أصابعي
لألف ليلة وعثرة
معزوفة للعدم والكذب”
………………..
أيا جرحي
طفحت بالملح طوال الدّرب
ما من عطر يستر عفونتك
ولا قميص يرجع للحْمي بصيرته
وقد نسيت أنّ الريح وحش
يغضب تماما لمرآى الجرح”
إنّ هذه الاستعارة لا ينعقد حضورها إلاّ مع أخرى حتى يظهر مشهديّة العتمة الكبرى، من أوّل الديوان إلى آخره وهي:
2 في استعارة الظلّ:
تساءلنا طويلا: هل كان الظلّ هو الليل الذي يتبعنا بدورته، أم ذاك الشريد، أم الغريب٬ أم العابر بنصف وجه، يأتي ويمضي ولا يترك أثرا؟ (ص44) :
“وأنت ترحل
دون أثر
ولا بابا مواربا خلفك
بلا حبل سُرّي موصول بالذاكرة
ولا لغة تعرف وجهتكَ
أنت العابر الغريب”
لقد خرج الظلّ من تلك المدارات إلى المساحة الحميمة التي تحتمي بها الذات حينا٬ وتتوحّد فيه وتحُلّ، تقول في نصّ “حلق هارب” (ص53):
“قد ذاب حبري على عجين الورق
أسكبُ الكوب في مزاريب السطح
أتسلّق ظلّي وأهرب”
حتّى حين ترغب الذات في مواجهة قدرها وتحاول فهم ملامحها المنحوتة، يحاصرها الظلّ٬ وتغدو الذات مرّة أخرى تحارب غربتها: (ص9)
“أنت الهارب من نفسك
سجين خارطة البلد
حرائق الأخبار تشتعل من أصابعك
حطبا تيبّس من العطش
غريب أنت”
لكنّها تظلّ تستعير الظلّ ظلالا، ولا يتوّقف فعل الركض خلف هذه الظلال٬ لعلّها تدرك به ما فقدت، ففي نصّ “عمى” استعارة دالة عل حاجة الذات إلى ظلّ تسير به في الطريق، خوفا من أن لا تدرك زمنها: (ص 23)
“ألاحق ظلالي فلا أدركها
اللقاء وداع
والوداع وع
بظلّ جديد
جذوري مفقودة في الأرض
ولا يدركها الزّمن”
هل الظلّ هو الصاحب الآدميّ، من طينة التعب الذي يقيم في ضفّة أخرى أو كما تقول الشاعرة في “الما بعد”؟ هذا الظلّ الصاحب المصاحب بلا اسم:
“أبحث عنك في القرّ والدفاتر المهمّشة
في أوراق السجل المدنيّ
كلّ الأسماء مثبتة إلاّ أنت يا صاحبي
أقول كيف إذن ابحث عمّن يشبهني
كيف أثقُ في ظلّ يشاطرني لعنة يوميّة”
في نفس النصّ الاستعارة تزداد ثقلا حين تتوالى الأمنيات٬ حبّات استعاريّة صغرى كالغفلة والخطيئة والضيق والتلاشي..( ص39)
“يا صاحبي منذ زمن
وآنا انتظر غفلة الشمس الأولى لأراك
مذ ظننت أنني امتلكت خطيئة الشعراء
ستكون قصيرا ومرئيّا مؤنسا
وتسكن خفقا صرصرا مثلي
ولم أفطن أنّني من شدّة ضيقي
أنّك غادرتني فغادرتك
تلاشينا
سحابة في تلابيب الوهم”
الظل” وجه آخر للانا رفيق، غصن يترفّق بها يتوحّد بأحلامها، ويتوحّد بأوجاعها أيضا ولكنّه سرعان ما ينفصل عنها هو الآخر بفعل الرّيح ويتركها لوحدتها، وهذه الوحدة هي التي افتتح بها الديوان في احتفالية مازوشية، ينتظر القارئ حفلا فإذا هو حلف بين الذات وظلّها لا يكتمل:
“أنا وظلي وجهان
لوجع واحد”
…أنا وظلّي أغصان
بترتها يدٌ مرتعشة
سرقت أحلام النّخيل
………………
تهزّنا الرّيح،فتسرق
ظلّي
وأظلّ أنا ما بقي من ظلّي
هباء صوتٍ”
ولكن سرعان ما يتوقّف الركض الطويل، ويعلن الظلّ نفسه تعبه من هذا السبّاق الذي لا يتوقّف، هذه المطاردة التي استمات فيها الظلّ يتبع الأنا بعدد خيباتها “سنوات من العبث والعدم والكتابة” ينتهي الظلّ بلا حراك، في نصّ “ظل ميّت” تقول (ص48) :
“في غفلة منك
ظلّك
من فرط ركضه خلفك
اصطبغ بالإسفلت
وسقط عنك جثة”
لا تزداد استعارة الظلّ وضوحا إلاّ وهي تتركّب مع عنقود استعاريّ أكبر، صنعته استعارة الجرح.
3 في استعارة الجرح:
تقول الشاعرة في نصّ “تلوكني العتمات”(ص10):
“جرح بارد بخصر ساعاتي
يدميه الحنين”
ليس لهذا الدالّ من مدلول غير ما يمكن أن تسوقه لنا العلامات في نصّ الشاعرة، فقد صنعتْ لهذا الجرح حياة،فخلقت جدليّة قويّة بين الحسّي والمجرّد: فهو جرح لا يقتات إلاّ من ساعات عمرها، ومن دماء حنينها، وهي صورة موغلة في السريّالية.
أمّا في نصّ “علبة ملح” (ص46)، فقد استعيرتْ للجرح له صورة مادية، رغم مرجعيّتها الواقعية، كانت ايحاءات الاستعارة تعمّق مشهديّة هذا الجرح الداميّ الذي لم تفلح في التخلّص من عفونته ولم تقدر أن تكتم روائحه ولا أن تُسكت صراخه وأنينه: والصورة متنافرة الألوان:
“كناية عن علبة ملح هو جرحي
منه يسيل قيح ملوّن”
…
إنّ الجرح يصرخ مرّة
ومرّة خافتا يئنّ”
ينفتح الجرح في نصّ “المهجوس” (ص42 )٬ ويصير أخاديد، يرتفع مستوى التّخييل لتتحوّل استعارة الجرح إلى استعارة “الأفاعي” لا يدرك القارئ منها سوى رعب صوتها، وهذه الأفاعي ليست ترمز إلا” إلى كلّ عدمي وعبثيّ ومسموم، هي “أفعى الخرافة” الأفق كلّه يطاردها،فراكمت الشاعرة المجازات من مستويات أخرى تشترك كلها في غرائبيّة المشهد(ص18):
“من أنا؟
هذي الأخاديد بوجهي زادت فحيح الغربة
هذا العدم٬ هذا العبث
أيمشي عدم على قدمين؟
لا استغرب…
كان هذا هو الثمن الذي على الذات أن تدفعه لأنّها صدّقتْ موت الحبّ واختفاءه من أعماقها٬ وانطفأتْ شمس القلب، فتسلّلت العتمة إلى الجرح، وتمدّد الغيهب بالعيون، تقول في نصّ “مرثية” (ص50):
“كلّما انطفأتُ أشار بإصبعه إلى أعماقي وقال
تلك الشمس أتسمحُ للأعماق أن تعظها العتمة
ليلة صدّقتُ موته عضّتني العتمة
لسعني الملح بمجرى الخدّ”
أشكال الجرح كثيرة لكنّ الوجع واحد وقديم، وغصن الرّوح مبتور مهزوز، جلّ أمانيه لو يرتفع صوتُه ولا يسكت، بلغة الشاعرة (نص احتفال ص 5)، لذلك تماسكت الاستعارة وتفرّعت منها صور بذات اللون: ثنائية نسغ الحياة وقبح الموت،(ص8):
“بملامح الدجى
الموت يبعثك روحا مشوّهة
في رحم الحياة”
ليس بعيدا عن هذه البوابة المتقابلة دلاليّا، تنسج الشاعرة استعارة أخرى تـــُعمّق هذا التناقض.
4 في استعارة العتمة:
تشكّل الثنائيّات الضدّية جزءاً مهماً من حضور تلك المفارقات (الليل/ النهار، الضوء/ العتمة، الحياة/ الموت، الخ…)التي بُنيت عليها نصوص الديوان فكان الصراع بين جدولين من القيم العليا(النور والظلام) أو (الصدق والنفاق) أو (الإصلاح والفساد) وهي كلّها ثنائيّات تقابليّة تشير إلى أنّها تعمل في كثير من الأحيان على ترميزها في ثنائيّة أكبر وأوسع:الضوء والعتمات.
تقف الشاعرة في قصيدتها التي بعنوان ((تناقضات)) لتجسّد فاعلية العتمة في وجودها٬ في معنى طاقة السواد٬ بحثا عن شقّ للضوء تعبر منه الروح، تقول الشاعرة (ص7:(
“وأنا أفتّش عن مرادف للضوء
عن لون لتجاعيدي المتجهّمة
أدخّن قلمي في وجه المدينة
التي تقتات منّي”
تنسج الذات معنى للعتمة باعتبارها حجابا للنّور والحقيقة. فنستشعر حالة فقدان الضوء واللون حينما جعلتها مقترنة بالذات وفي أطرافها: (تجاعيدي،عظمي،جلدي..) صورة تمثّل نظاماً إشارياً رمزياً لانشطار الذات وهي تواجه طاقة الظلمة لونا تذيبه بالاحتراق، لا ريب أن نراها تتماهى مع هذه الظلمة نفسها فلا شيء يوصلها للضوء المنشود:
“لو أقابلُ وجه الظلمة
لو احزمُ الطرق
حطبا أحرق به لونها المبهم
لو تمزّق النقط لحافها الأسود
كسلها بآخر الأسطر
وأنا تلك الأنثى المرسلة من العتمة
كان أجدى العود عل البدء”
تعمد الشاعرة في مناسبة جديدة إلى توظيف الشمس٬ لتجسّد حالة الضياء المشتهاة، ففي قصيدة (مرثية ص50) التي تندرج ضمن النسق الدلاليّ نفسه، يستمرّ صوت الامتعاض ونشيد الرفض ورثاء الذات على امتداد أسطر القصيدة٬ إلى أن تأتي خاتمة المشهد تحوّلا في عمليّة السّرد الشعريّ: من ينقذُ شمس الشاعرة ويرفعها، للرّقص، طقس الرقص على الجرح احتفاء؟
“وقال الحزن انّه لا يحتملني إلاّ بالرّقص
أرقص أرقص أرقص واحترق
أرقص أرقص أرقص واهوي
أرقص أرقص أرقص فانطفئ
أرقص أرقص أرقص فاختنق
ولا أحد يرفع سماء لشمسي”
كردّة فعل مباشرة للعبة الحياة ضدّ العتمة، حتّى في لعبة الحبّ الأنا هي الخاسرة في كلّ الجولات:
“صديقي الذي مات
كلّما انطفأتُ أشار بإصبعه إلى أعماقي وقال
تلك الشمس أتسمحُ للأعماق أن تعظها العتمة”
وحين نحاول تحديد بؤرة الصراع الذي يشتغل عليه النصّ نجد أنّ ثنائية النور والعتمة هي أيقونة التعارض الداخليّ، فتتحوّل لغة النصّ من معياريتها إلى لغة انزياحيّة٬ تتّجه صوب الإلحاح على دلالات العتمة، فتمكّنت الشاعرة من ان تؤجج الصراع بطريقة رفض هذه الحياة التي ملأتها ظلمات الواقع، وأطلقت أوامرها إلى استعارات لها “صهيل الخيل” لتثقب رداء الليل(ص30):
“احرص أن تترك مساحة خلفية لأمنية واحدة
ابتسامة لوجه متعب٬ حوضا صغيرا لزهر البنفسج
لا تطمر ملامحنا كاملة نحن العابرون نحو العتمة
نحتاج أيضا إشارات طريق”
5 في استعارة ﺍﻟﻠّﻴل:
تعدّدت دلالات الليل في الشعر، فلم يبق مجرّد حيّز زمني مضاد للنهار، بل أمسى سفيرهم إلى ذواتهم،لكنّ الليل أيضا حمّال أوجه، فهو اللاّيقين، لأنّ الناظر فيه متحيّر في ما يراه، فإنْ أثبت معرفته بشيء ما أعقبه في اللحظة الثانية بالنفي، والليل زارع الهموم، وليس الشاعر إلّا عبد يختبره الليل بما يريد. وصار لهذا الدّال تاريخ من المدلولات يستنفر لها المتلقي لكلّ من يوظفّه في نصّ مربك كالنصّ الشعريّ.
إنّنا نرصد الليل في ديوان الشاعرة بوصفه موضوعا استعاريّا وهو المنسلّ من العتمة، من خلال تشكّل ﺩﺍلّ اللّيل ﻓﻲ أسلوب تركبّها. وقد ميّزنا نوعا من الاستعارات التي تسمّى بالاستعارة التنافرية métaphore dissonante وهي تقنية يوظفها الشعراء لغرض خلق التوازن الداخليّ الذي يفتقدونه خارجيّا. وتقوم في جزء كبير منها على المفارقة، ونجدها تقرّب المتنافرات، وتجبر أبعد الأشياء على التقارب في سياق فنّي جديد يثير دهشة المتلقي، بل تجاوز الأمر إلى مزج المتناقضات في كيان واحد.
وقد ارتبطت هذه الاستعارة بتجربة الشاعرة وهي تحيا تحت سطوة العتمات فضلا عن معايشتها لفضاء الضياع والبحث المستمر عن الذات.فهي تصنع علاقات لا منطقية بين الأشياء، بخلخلة المألوف منها تبعا لرؤيتها لوضع الأشياء في الكون، فخلقت لنا مثلا مفارقة بين فاكهة الرماد/ وقتامة المطر مثلا في نصيّن: نص اختناق (ص6) :
“قلبي فاكهة لبها الرماد
كلما اندلع حريق فيه همد
تلك الأمنية
لو يأتي المطر
تزهر قتامته”
ونعثر على نفس الثنائية وهي توغل في هذا الرّبط بين المتنافرات في قصيدة “لحظة مجاز” (ص21):
“إذ تمطر في البرّ
تزهر اللغة في حلقي
الطين ينهض إلى خامته الأولى”
تتبدّى مشهدية تصوير دلالات الليل، حين يصبح امتحانًا تخوضه الذات الشاعرة ولا يمكن مجابهته إلاّ بجعل الظلمات المدلهمة مفازة للنجاة أو طقس عبور،فتـــُكثر من استخدام تيمة الليل، وكأنّه مجرّد تمرين على وحدتها التي لا يؤنسها فيها غير الظلّ:
تقول في آخر قصائد الديوان (ص 56)”مديح”:
“الليل قلعة محصنة
الليل ظلّ
الليل قناع
الليل مرسى
الليل ميناء
الليل ملجأ
إذا ما ضاق الضوء والنهار”
وأن يكون الليل قناعا فهذا لأنّ الذات تخفي ولا تبوح.
وأن يكون الليل قلعة محصنة فلأنّ الذات أضعف من أن تكون بلا سند الحجر حولها.
وأن يكون الليل ميناء ومرسى فلأنّ الذات لاحت لنا طيلة الديوان هاربة من ظلال،ومتعبة من كثرة التسآل.إنّ الليل ينزع أداة البصر من الوجود الإنسانيّ، فيستوي فيه من يبصر ومن لا يبصر، مجازًا قد ألِفَ ظلمة الليل….
تقدّم لنا اللغة تناصّا فريدًا بين الحَزن الذي خلق منه الإنسان، والحُزن كأقسى المشاعر النفسيّة التي يعانيها، وكأنّه مجبول منه فلا فكاك له، كما لا فكاك للإنسان من جسد الطين إلاّ بالموت. والحُزن الذي نفخ بصلصال الليل فجعله وحشا أسطوريّا، ليل أشد وقعًا على النفس والجسد، هو ليل تمدّد بالعين وسكنها:قصيدة “مرثية” ص:51
“العين التي تحضن دمعتها
الحلق الذي يحاول أن يفتّت غصّته
القلب الذي يجاهد حتّى تعود رتابة نبضته
الروح التي فقدت بنفسجتها
والغيهب تمدّد بالعين”
لقد كان الليل حالة تجاوزت فيه الشاعرة بعده الزمنيّ٬ فخلقت منه صوتًا داخليّا يعبّر عن مخاوفها وقلقها، فظهر كمحرّك نفسيّ وكأنّ عتمة الليل صفيح ساخن كتبت عليه بمدادها٬
في قصيدة “ظلّ السراب” (ص 19):
“وليلي غبار حزن انتفض
ملأ الأرجاء
عدا كوة القمر”
ويأتي السيّاق في هذا النصّ مربكا للقارئ، إذ أنّ الليل يمارس طاقة القسوة٬ مستمداً من فعل الذئاب الافتراسيّ الدمويّ، ثمّ يأتي السياق الأخير ليقود هذه القسوة إلى فعل المطاردة المانع لفعل النوم، فيتنافس مع صوت العواء المنذر بالموت.ففي نصّ “صهيل يثقب رداء الليل” ص٬30 تتجلّى، استعارة الليل بؤرة نصيّة مؤثرة في إحداث حركة المعنى التي تنتج بطولة الليل٬ معنى غمر النصّ كلّه، فاستعار دالّ (المملكة) لليل الذي أطبق بظلامه على البعد المكانيّ تستقبله الأشياء وتتفاعل معه حتّى يغمرها،في نص مديح ص:56:
“في مملكة الليل
كلّ شيء يتحوّل عن عادته”
وقد عمّق معنى هذه البطولة تواتر أفعال المخاتلة والعبث التي أسندها له: تتلوى، تـــُـلبس، تشرب، تلاعب، تعبث،…وصولا إلى نهاية مأساوية عبر أفعال من جنس القتل كالنحر والاغتيال و إشعال نار الفتنة… هي بطولة القاسي المستبد بالأمكنة وبالبشر فشربوا الليل.
“أيها الليل وأنت تتلوّى على جبين حسناء ثكلى
تلبسها قميص حزن قدّ من لونك المعتم
تشرب ملح مآقيها ولا تثمل
….
بنات صغيرات تلاعبهنّ الشطرنج ثمّ تنحرهنّ
…أيها الليل وأنت تبعثر أحداث قصّة….
تشعل فتنة بين شخوصها لتبقى دوما البطل”
نرصد لليل قوّة جبارة قادرة على التحويل والتغيير، ولكنّها ليست قوّة حياة مخصبة ومولدة للحركة الموجبة فقط، فمنه أيضا تخرج طاقة مماثلة لظلمته، تنزع عن الحبّ لونه، وعن اللقاء فرحه، وعن الحنين ارتواءه: فهو زمن تجلّي الجريمة : تقول وفي نفس القصيدة:
“كلّ الجرائم تقترف في الليل
حبّ وفقد
وغضب ولقاء
سفر واشتهاء
حنين وموت”
لذلك كان طريق الهجرة إلى الليل بأقاليمه وأنوائه نوعا من المواجهة حلاّ بديلا عن القعود والاستسلام، مواجهة تخيّلتها الشاعرة٬ فبنتها على أسلوب الافتراض، فصرّحت برغبتها في مقابلة وجه الظلمة، وتوخّت في ذلك فعل الاحتراق، فهو الفعل الوحيد القادر على تبديد عتمتها الداخليّة، فلا ريب أن نراها تنحت من مواجهة الليل لونه، فتسمّي نفسها أنثى العتمة٬
(في نص تناقضات ص7).
لا تكاد تنتهي تشكيلات دالّ الليل، تتناسل كالعناقيد، هاهي دائرة القسوة.
فنرصد الليل الاستعاريّ، وقد تلازم وجوده مع جنون الذات وافتراسها لنفسها، بنوع من الارتداد والاستجابة المتنافرة بين الطرفين، تقول:في قصيدة “تلوكني الكلمات” (ص10):
“أكلّما غضب الليل
عضضتُ من الجوع نفسي
وأكلت نصفي
ونصفا منّي تلوكه العتمة؟ّ”
إنّ دالّ (الليل) بكلّ ما يحمله من معاني الضياع والقسوة والتوحش يتناسل خطوطا دلاليّة، كان أوّلها خطّ ارتباط قسوة الليل بقسوة العتمة ورمزيتها التي تشكّل، في هذه التجربة، أصلاً من أصول هذه القسوة، ويبدو أنّ العتمة الوجه الآخر لليل في تجربة الشاعرة قد استغرقت كلّ خطوط إنتاج الدلالة.
الخاتمة:
لقد أخذتنا استعارة العتمة أو العتمات، إلى مجهول أعمق من الموت والليل والقسوة، إلى مجهول البيان والكتابة،وانسلّت من هذه الاستعارة استعارة الحركة العبثيّة٬ ونعني بها استعارة الرّيح التي أخذتنا بدورها إلى قلق الكتابة وحيرتها، أمّا استعارة الظلّ التي غدت ظلالا، فقد أخذتنا إلى كلّ ما لا نستطيع إدراكه أو فهمه ببشريتنا الطينيّة، وأدركتنا هي بدورها وحاصرتنا، وغدت “تلوكنا” فتستبقينا في نفس السؤال. ربّما اكتمل العنقود الاستعاريّ باستعارة الجرح، وهي من علامات الحياة ، فعمقت استعارة الليل تجذيره في الدمويّة،لكّنها عناقيد ملعونة لعنة الكتابة ذاتها: تقول في قصيد “لعنة الكتابة” 32ص:
“أنا لا تتعبني الظلمة/ وليس بي خلل حتّى أخاف الوحدة
لطالما عبرت ضفافها وأنا عزلاء بلا حنين
كنت أبحث عن شرعيّة لسؤالكم عنّي/ مدى متعتي بقصّ جدتي/ أو سردكم الحالي / من هنا تبدأ اللعنة”
هوامش:/
1 الاستعارة العنقودية هي التي يعمد الشاعر فيها إلى خلق بناء استعاري ّمركب، وهي في التراث البلاغيّ العربيّ تكون بجمع أكثر من استعارة في البيت الشعري الواحد، وقد اعتبره عبد القاهر الجرجاني من شرف الاستعارة.. انظر كتابه أسرار البلاغة
2 هي نفس العناوين التي اعتمدتها الشاعرة في مجموعتها، فالشريد عنوان لقصيد بالصفحة 31 و الغريب عنوان لقصيد آخر بالصفحة 8
أضف تعليق