تقرير: أنور بن حسين/ سوسة/ كناية (خاص)





ناقشت الطالبة التونسية لبنى علي مفتاحي يوم 31 جانفي 2023 رسالة الدكتوراه في اللغة والآداب العربية التي حملت عنوان” سيميائية الأنثى في الشعر الجاهلي والقرن الأول للهجرة” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة بالجمهورية التونسية. والتي أشرفت عليها لجنة تحكيم متكونة من د.رضا عبد الحميد الذي ترأس جلسة المناقشة، أ.د عبد العزيز شبيل بصفته مشرفا، د. منصف الوهايبي مقررا، و د. آمنة الرميلي عضوا. كما حضر ثلة من المهتمين لمواكبة الأطروحة نخص بالذكر الأستاذين الطاهر مناعي ومختار العبيدي.
وقدمت الطالبة حوصلة حول بحثها الأكاديمي الذي ورد في ثلاث مائة وعشرين صفحة، حيث انطلقت من العنوان وقسمت رسالتها إلى بابين الباب الأول هو “سيميائية الأنثى في الشعر الجاهلي” والباب الثاني حمل عنوان “سيميائية الأنثى في القرن الأول للهجرة” مع العلم أن كل باب يحتوي على فصلين. وقد تضمن العنوان ثلاث إحالات مهمّة، إحالة إلى المنهج الذي هو السيميائية، وإحالة إلى الأنثى موضوع البحث، وإحالة الى الفترة الزمنية وهي الجاهلية والقرن الأوّل للهجرة.
فالموضوع هو الأنثى كما وصفها الشعراء في قصائدهم، أمّا الفترة الزمنية فهي الجاهلية والقرن الأوّل الهجريّ، وهو جمع لافت للنظر لأنّه يتضمّن العصر الجاهلي الذي ازدهرت فيه القصيدة العربية أيما ازدهار والقرن الأوّل الذي ظهر فيه وجه للأنثى هو وجه العاشقة الناطقة بلا خوف ولا حذر بما يعتلج من داخلها من مشاعر وأفكار. أما المنهج فهو السيميائية التي هي علم يدرس أنساق العلامات والأدلة والرموز داخل الحياة الاجتماعية. وهو المنهج الذي أصبح قائما بذاته بعد مجيء الفيلسوف السويسري “فرديناند دي سوسير ” والفيلسوف الأمريكي “شارل سندرس بيرس” وقد ساعد هذا المنهج الباحثة كما قالت في تقديمها لأطروحتها، على دراسة بحث أرادته معمّقا للنصوص الشعرية والغوص إلى المعاني البعيدة وقراءة ما بين السطور ومحاولة الوقوف على إيماءات الشعراء وعلى ما يخفى من مقاصدهم القريبة والبعيدة.
وقد وضفت الباحثة المنهج السيميائي في فهم الوقفة الطللية وما ترمز إليه من دلالات، كما وضفتها في فهم صورة الأنثى، وتناولت سيميائية اسم العلم حقيقيا كان أو متخيّلا وأخيرا سيميائية الصدّ والهجر.
وقد ساعدها التساؤل عن العلامات والرموز على تقديم بعض التأويلات في فهم الوقفة الطللية في علاقتها بظعن الحبيبة وبمسألة التحوّل والزوال، كما تساءلت عمّا يمكن أن يرمز إليه شاعر الغزل الحضري بصفة خاصة فقد كان عاشقا متيّما وفي ذات الوقت معشوقا مزهوا بنفسه ورمزا للفتى المنتصر في مغامراته الغرامية ومؤذنا بظهور ما سمي في أوروبا في القرن التاسع عشر بالدونجوانية وهو تيار له علاقة بشعر الغزل القائم على الترف والمجون والعلاقات الغرامية مع الأنثى.
وبعدما أكملت الطالبة تقديمها تفضل الأساتذة المشرفون في اللجنة بجملة من الملاحظات التي تثمن العمل والإضافات التي قدمها معرجين على بعض الإشارات التي يمكن أن تدعم البحث وتطوره.
حيث اعتبر الدكتور عبد العزيز شبيل أن هذا البحث يدفعنا إلى طرح أسئلة جوهرية إذ كيف يمكن أن نفسر هذا الكم الهائل من الدراسات في الشعر الجاهلي ومع ذلك ما زال يحتمل عديد البحوث والدراسات ولعل هذه المقاربة السيميائية يمكن أن تفصح عن تجليات جديدة لم يقع طرحها سابقا فتصبح بذلك الدراسة السيميائية من المفاتيح التي يرجى أن تكشف إلينا جوانب لم نتفطن إليها. كما أشار د. عبد العزيز شبيل إلى موضوع النسيب إذ اعتبره حالة سيميائية تستبد بالشاعر لكي يبدع وأن الشعر يبقى حالة شعورية تنأى عن الواقع لتحقق كينونتها في الخيال ورأى أن الطالبة لبنى علي مفتاحي رغم محاولاتها لم تستطع التخلص من سطوة الواقع كما ينبغي.
كما قدم د. منصف الوهايبي جملة من الملاحظات منطلقا من تثمين المجهود المبذول في هذا العمل لأنه يعنى بالأدب القديم من وجهة نظر حداثية. كما قدم ملاحظات حول تبويب الرسالة والجانب النظري الخاص بالأطروحة واقترح بعض المراجع التي يمكن أن تدعم البحث وتجعله أكثر متانة وثراء وأردف بأن هذه الملاحظات لا تنقص شيئا من قيمة العمل بقدر ما هي تفتح أبوابا لمزيد البحث والتعمق إذ أن البحث عملية مستمرة تقوم على التنقيب والاكتشاف خاصة وأن تطبيق المنهج السيميائي على الأدب القديم يمكن أن يشفع لمريديه لأنه يتطلب عملا حثيثا ومتواصلا.
وتفضلت عضو لجنة التحكيم د. آمنة الرميلي بالتركيز على بعض الثغرات التي يمكن للباحث أن يتحاشاها ليحقق خصوصيته ويتجاوز المكرر وأكدت على ضرورة التدقيق في المراجع ليكون البحث قائما على أسس علمية وتطرقت إلى ضرورة التثبت من القسمين النظري والإجرائي إذ لا بد للعمل أن يرتكز على توازنات لا يجب الإخلال بها حتى يكون البحث متماسكا من مقدمته إلى خاتمته لأن البحث ليس متروكا لزخم الأفكار ويجب أن نمارس عليه سلطة النظام والترتيب كما بادرت بذكر بعض المراجع التي يمكن أن تجعل البحث أكثر تنزلا في السيميائية.
وفي نهاية الجلسة عبر د. رضا عبد الحميد عن تحمسه لهذا العمل لأنه يهتم بالمنهج السيميائي ورأى أن الملاحظات التي طرحتها اللجنة مهمة للمضي قدما ورصد المعارف واكتشاف عوالم جديدة يمكن أن تضيف للأدب العربي وتثريه، وأعلن عن نيل الطالبة لبنى علي مفتاحي شهادة الدكتوراه بملاحظة مشرف جدا.
أضف تعليق