بقلم: * حكمت الحاج
ما هو المقدس؟ وما هي قوته؟
وهل المقدس دائماً قرين المدنس وصنوهُ؟
وكيف يكون فعل التدنيس في ثقافتنا العربية الراهنة؟
يجب أن نؤيد استفسارات واستجوابات من هذا القبيل.
وأنا من جهتي أشجع هذا الطرح وهذا التساؤل حول مصير ومسير المقدس في ثقافتنا الراهنة بخاصة.
لماذا؟
لأن البحث في المقدس والتساؤل عنه هو في الوقت ذاته إبطال لمفعول قدسيته، بل إنه شكل من أشكال انتهاكه وفضحه.
إن المقدس هو كل ما يتعين عليه أن يكون موضوع احترام ديني من قبل جماعة من المؤمنين. والمقدس وفق جميع التعاريف هو الدينيّ ولا شيء غير الدينيّ.
وفي الانثروبولوجيا فالمقدس هو تسمية يطلقها المجتمع على أشياء وأماكن وأعمال يعتبرها واجبة الاحترام لاعتقاده باتصالها بعبادة الآلهة أو القوى الما- فوق- طبيعية، أو لأنها ترمز إلى القيم الأساسية للمجتمع، ولهذا فهي تصان من العبث والتخريب. أي من التدنيس.
لماذا التدنيس؟
يبدو لي الأمرُ لغوياً هنا. فإن كل سؤال عن المقدس يتحول إلى سؤال عما يعاكسه ويخالفه، وكل تعريف للمقدس يحيل بالضرورة إلى تعريف ما نصطلح عليه بالمدنس. والمدنس هنا هو الدنيوي المتوسخ في مقابل الديني المستنظف. هنا لسنا أمام طِباق دياليكتيكي بقدر ما نحن أمام إمكانية حاضرة على الدوام للعبور من المقدس الى المدنس ومن المدنس الى المقدس على حد السواء.
واذا قلنا إن المقدس هو الديني لا غير، فإن المدنس يعني كل شيء دنيوي خارج عن نطاق الدين وكل سلوك لا يمت الى الطقوس التقديسية بصلة. من هنا يكون الأمر واضحا لدينا. فالثنائية مقدس مدنس هي الثنائية أُخرَوي دنيوي، وهي نفسها ثنائية سماوي أرضي ونفسها ثنائية نظيف ووسخ. لكن، وهنا يجب الحذر، هي نفسها بالضبط ثنائية السياسي والثقافي. وهناك من المفكرين المعاصرين من يرى إن المدنس ينحصر في اللاسَويّ واللانظاميّ، أي في كل ما لا يتطابق مع المتعارف عليه، والدارج والمألوف.
وفي هذه اللحظة التاريخية تحديداً، يتحالف الدين والسياسة من أجل مناهضة الثقافة. ويصبح المقدس هو الضمانة لكل انسجام في النسيج الاجتماعي بينما يكون الثقافي متهما بالفوضى والخروج على الطاعة.
إن ما يحصل الآن في عالمنا العربي ضمن ما يسمى بالحلقة الثالثة من مسلسل متفق لتحطيم الربيع العربي وثوراته، ما هو إلا شكل من أشكال تحالف قوى الدين والسياسة التي جمعتها لحظة انعتاق تاريخية صادقة حركتها الجماهير، ضد قوى الثقافة والوعي التي يصعب عليها أن تذهب للبنيان تحت الراية السوية قبل أن ترفع معول الهدم لتحطيم العالم القديم من أساسه فكرا وسلوكاً.
وحتى بدون فكر المادية التاريخية، فإننا نستطيع أن ندرك بتحليل بسيط، لماذا أجهض الربيع العربي وأجهضت ثوراته. لقد كانت ثورات ناقصة، بلا مؤمنين، وبلا فكر واع وواضح يقطع جذريا مع الماضي، فجرها الشباب الغاضب التواق للحرية والمساواة، واستولى عليها الكهول المساومون ليحولوها من الثورة الى الدولة، ولكأنها ثورة الطلبة في ماي آيار 1968، تعيد نفسها، حيث على السطح عنف القطيعة مع السائد، بينما في العمق سلاسة التطبيع مع الثورة المضادة.
إن التدنيس هو الأمل الأخير لأمة نهضت بعد قرون سبات، لأنه الأكثر تأرضاً وتجذراً وواقعية ودنيوية. وعلى المثقف أن لا يبارك للسياسي أبدا، مثلما عليه أن لا يبارك لسَدَنَة المقدس أبدا. فلا لقاء بين السماء والأرض كما لا لقاء بين الجوع والشبع.
أن تكون مثقفاً هنا والآن يعني، أن تخالف القداسة، وأن تكون مدنسا بكل ما يمنع حلف الدين والسياسة بأن ينعم بحياة هانئة لا يشوبها القلق.
أضف تعليق