أنور بن حسين
سَأَلْتُ صَغِيرًا إِلَى أيْنَ تَحْمِلُكَ الخَطَوَاتُ
وأيْنَ أبُوكَ وأهْلكَ يَا وَلَدِي
فَرَدَّ وفِي يَدِهِ حَجَرٌ يَرْتَعِشُ
أضَعْتُ الطّرِيقَ
وعَيْنَايَ قَوْسٌ مِنَ الضّوْءِ يَرْتَحِلُ
ليْسَ لَدَيَّ سِوَى أمْنِيَةٍ ويَدَيْنِ
وأُغْنِيَةٍ خَانَهَا السَّمْعُ فِي البَلَدِ
مَشَيْتُ بِأسْئِلَتِي مُثْقَلًا
أهَرْوِلُ بَيْنَ الضِّفَافِ
أرْمِي بِرُوحِي عَلَى ضِفَّةٍ لا أرَاهَا
كَأسْرَابِ طَيْرٍ تُسَافِرُ نَحْوَ المَصِيرْ
غَفَوْتُ وإِذْ بِي بَصُرْتُ نِسَاءً ثَكَالَى
صِغَارًا عُرَاةً
وأرْمَلَةً بِمَلامِحِهَا السَّنَواتُ العِجَافُ
تَقيّأ كُلَّ الأكَاذِيبِ مُذْ رَاوَدَتْهَا الحَقِيقةُ سِرًّا
وكَانَ لهَا وَلَدًا يَحْمِلُ الحُلْمَ مُنْذُ نُعُومَةِ أظْفَارِهِ
تَعَلّمَ كَيْفَ يُرَمِّمُ أجْنِحَةَ القَلْبِ عِنْدَ الفِرَاقِ
يَسْكُبُ كِيمْيَائَهُ فِي اللّغَاتِ الهَجِينَةِ
يَرْتِقُ آمَالَهُ فَوْقَ ألْسِنَةِ الرِّيحِ
يَبْحَثُ عَنْ مُدُنٍ لَمْ تَرَ النُّورَ بَعْدُ
هُنَاكَ أسَالَ رَحِيقَ الوِلَادَةِ مَاءً
وأفْصَحَ ذَاكَ دَمِي ضَخَّهُ القَلَمُ
فَمِنْ أيِّ بَابٍ تُطِلُّ القَصِيدَةُ؟
لِتَرْسَخَ كُلُّ الحِكَايَاتِ ضَوْءًا بِذَاكِرَةِ الوَلَدِ العَرَبِيِّ
تَسَمَّرَ يَرْقُبُ فَجْرَ المَدِينَةِ يُسْلَخُ مِنْ غَسَقٍ آفِلٍ
وصَوْتُ الجِرَاحِ يَعْوِي بِدَاخِلِهِ قَلقًا أبَدِيًّا
فَيُورِقُ فِي الغَيْبِ جِسْرًا مِنَ الأَرَقِ المُتَنَامِي
يَبُوحُ لِتِلْكَ الفَتَاةِ الّتِي َلمْ تَئِدْهَا الأيَادِي
بِأسْرَارِ رِحْلتِهِ للرُّؤَى
ويُخْبِرُهَا عَنْ جُنُونِ الصِّبَا
وكَيْفَ تَصِيرُ الشَّوَارِعُ كَوْنًا عَلَى كَفِّ أُغْنِيَةٍ
وحِينَ غَزَتْ قَلْبَهُ والمَسَاءَ الأخِيرَ
ظَلَّ يُرَاكِمُ أوْجَاعَهُ فِي لَفِيفِ الهَزِيعِ
وذَاتَ رَبِيعٍ
تَسَلّقَ أبْرَاجَ بَابِلَ والنَّهْرُ يَهْذِي
وصَاحَ بِصَوْتٍ يَهُزُّ الكِيَانَ الغَرِيبَ
يَفْضَحُ وِزْرَ الجُنُونِ المُقَدَّسْ؟
وقَالُوا لِمَنْ تَكْتُبُ يَا آبْنَ السَّبِيلِ؟
فَقَالَ لَهُمْ ولَهِيبُ النَّشِيدِ عَلَى مَتْنِ صَرْحٍ أثِيلْ
تَوَارَيْتُ مِثْلَ الغُرُوبِ بِظِلِّ الغِيَابِ
أُحَرِّفُ زَيْفَ البِدَايَةِ
لَمَّا مَلائِكَةُ اللّيْلِ تَرْفَعُ آلامَ نَفْسٍ لِخَالِقِهَا
لَمَّا الجِيَاعُ يَنَامُونَ وقُوتُ الصَّبَاحِ بِأحْلَامِهِمْ
طَفِقْتُ أنَادِي الصُّخُورَ أفِيضِي عُيُونًا
ويَا أيُّهَا الغَيْمُ سُحَّ نَبِيذا
لِكَيْ لا يَجِفَّ مِنَ النَّبْضِ
مَنْ كَانَ يَتْلُو قَصِيدًا بِمِحْرَابِ أمْنِيَةٍ
وفَتّحْتُ عَيْنَيَّ ولَمْ أكُ إلّا صَدًى حَائِرًا
وذاكَ الفَتَى القَرَوِيُّ يَزْرَعُ سُنْبُلَةً
فيُولَدُ فِي مُقَلِ الضَّوْءِ أهْزُوجَةً
ويَكْبَرُ شَيْئًا فَشَيْئًا
يَطوُفُ بِشَمْسِ المَدِينَةِ فِي المَلَكُوتِ
يُعَلِّقُ أشْرِعَةً فِي المَدَى
بُؤَرًا، حُفَرًا، جُزُرًا، أرْخَبِيلا بِلا مُنْتَهَى
يَهُسُّ هَسِيسًا عَلَى حَافَّةِ الأغْنِيَاتِ
يُلْقِي بِأنْفَاسِهِ تَسْتَرِيحُ عَلَى مَوْكِبِ الوَجَعِ القَدِيمِ
وهَمْسُ الطّفُولَةِ يَعْلو نَشِيدًا
تُرَدِّدُهُ الرُّوحُ عِنْدَ الرَّحِيلِ
إلَى أرْضِهَا المُشْتَهَاةِ.
أضف تعليق