كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

, , , ,

مملكة الصّراصير بالجنوب التونسي: ببليوغرافيا سَرديّة استعمارية

فتحي الرحماني

من أعمال الندوة الفكرية حول مملكة الصراصير بالجنوب التونسي التي أقامها فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات مساء السبت 22 يناير 2022

يمكن المتابعة عبر صفحة فوروم كناية على الرابط التالي

http://www.facebook.com/kinayaforum



" تحت شمس أفريقيا الحارقة،

وفي رمال صحاريها اللامتناهية،

من قفصة فدوز إلى مدنين،

ومن قابس فجرجيس حتّى بن قردان وتطاوين،

لا يسود إلاّ سِيدِي الصَّرصور.."

·       من أناشيد الفيلق الاستعماري الفرنسي بشمال أفريقيا.




يعود اكتشاف هذا الموضوع والعثور على وثائق إلكترونية ذات علاقة به إلى سنة 2008. ويبدو أنّه من المواضيع المنسيّة وغير المعروفة حتّى في الأوساط الأكاديمية المختصّة في تونس على الأقل.

وقد شارك في تجميع مادّة البحث والتوثيق له الكثير من نشطاء المواقع الاجتماعية ومن بينهم الصديقان البشير بوعَضلة ومراد عتيق، والصديقة الأستاذة آمال بالرجب التي ساعدتنا في ترجمة وثيقة باللغة الإسبانية بحكم تخصّصها في هذه اللغة.

وقد رأينا في هذه الورقة أن نسلّط الضوء على ما توفّر بين أيدينا من هذه الوثائق ونضبط لها بيبليوغرافيا تصنيفية وتعريفية، ونحن نقترح في هذا الصّدد أن نبوّبها أوّلا حسب نوعها على هذا النّحو:

·       الدراسات الأكاديمية.

·       المقالات والتحقيقات الصحفيّة

·       الصور والمعلّقات والرسوم

·       مقاطع الفيديو

ثمّ نصنّف مادّتها ونعلّق عليها ونوضّح ما جاء فيها.

والملاحظة الأولى التي تسترعي انتباهنا ونحن نقلّب النظر في هذه الوثائق أنّها فرنسية في معظمها- إذا ما استثنينا مقالا وحيدا كُتب باللغة الاسبانية – وهو أمر مبرّر لأنّ الظاهرة قد نشأت في المستعمرات الفرنسية. فهي من الناحية الزمنية والتاريخية قد ظهرت في أوساط فيالق جيش الاحتلال الفرنسي في نهاية ق 19 وامتدّت حتّى الثلاثينات من ق 20، أمّا إطارها المكاني الجغرافي فهو الجنوب التونسي كما يُشير إلى ذلك المقطع من الأنشودة أعلاه. وهو ما يُؤكّده أيضا الباحث المختصّ في هذا الشّأن ” جان فرانسوا ستازاك ” الذي حصر دراسته للظاهرة بين 1881 و 1930، غير أنّ آثارها تواصلت إلى سنة 1937 فيما يبدو خاصّة في السينما الفرنسية آنذاك.

وجذور هذه التسمية واضحة فيما أورده رحّالة إسباني زار المنطقة في بداية القرن العشرين وكتب مقالا مطوّلا أشار فيه إلى ملاحظات دقيقة في هذا الاتّجاه، إذ من بين ما سجّله:

·       أنّ الفرنسيّين هم من أطلق اسم (مملكة أو إمبراطورية الصرصور) على منطقة في جنوب تونس، وأنّ هذه التسمية المُهينة قد شاعت في الأوساط الاستعمارية، إلا أنها لم تنتقل إلى الجغرافيا الرسمية.

·       أنّ لها أسبابا مباشرة من بينها أنّ الغرف في القصور ( وهي معمار تقليدي شائع في المنطقة) التي كانت مخازن للحبوب تحتوي على أعداد هائلة من هذه الحشرات إلى درجة أنّ ساحة السوق في مدينة مدنين عُرفت باسم ” ساحة الصرصور ” منذ 1910.

هذا السبب يدعمه مقال منشور في صحيفة ” صدى الجزائر ” بتاريخ 31 جانفي 1917 يصف فيه كاتبه وصول طلائع فرقة المشاة الفرنسية إلى مدينة مدنين قادمة من الجزائر، فيقول ” مدنين قبيحة ، رتيبة، كلّ ما فيها يبعث على اليأس ..هي لا شيء سوى هضبة طباشيرية شاسعة مغبرة تجتاحها باستمرار رياح حارّة قاتلة ؛ بدون ماء، بدون أشجار، مع مدينة عتيقة مترامية الأطراف تمثّل كابوسا حقيقيا، جميع بيوتها من الطين المتكتل (…) ولا حياة فيها ولا حركة ولا لون في هذه البيوت (الغُرف)، هذا لأنها ليست مساكن ، بل هي مجرد مخازن حبوب يقصدها السكّان الرّحل من كلّ حدب وصوب ليخزّنوا فيها قمحهم بكلّ أمان. (…) هذه الوفرة من القمح في مدينة بلا سكان أنتجت الصراصير بالآلاف ، بالملايين ؛ لدرجة أن أوّل فرنسيين وصلوا إلى مدنين وجدوا هذه الصراصير  في كل مكان ، في أطباقهم ، على أسرتهم ، في ملابسهم…”

·       أنّ هذه التسمية أُطلقت على فيلق عسكري من فيالق جيش الاحتلال الفرنسي. بل ابتدعوا ميداليات ونياشين طبعت عليها صورة الصرصور ويبدو أنّ أشهرها ” صرصور مدنين ” كما تبيّنه صور أدنى هذا عثرنا عليها في بحثنا عن هذا الموضوع في بعض المواقع الإلكترونية الفرنسية :

ولعلّه لهذا السبب اتّخذ فيلق الجيش الفرنسي بالجنوب التونسي من هذه المقولة شعارا عسكريّا له ” لست جنديّا جيّدا إذا لم تُصبك متلازمة الصّرصور “، ويبدو أنّ هذه القلائد والأوسمة صُنعت خصّيصا لتحفيز الجنود المصابين بانهيار نفسي، ففي مقال صادر بجريدة ” صدى الجزائر” سنة 1931 نعثر على إشارة إلى هذا المعنى تفيد بأنّ القيادة العسكرية قد ” استوحت من الصرصور رتبا عسكرية في قيادة مدنين  رغبة في تهدئة الجنود و تكريمهم ووشّحت بها أولئك الذين تميّزوا بالشجاعة والصمود ثمانية وأربعين ساعة في مواجهة هذا الوضع بمحض إرادتهم “.


·        أنّ ما كان له في البداية معنى مُهينا، اكتسب فيما بعد معنى مجازيّا أخفى مجموعة من المشاعر التي عانى منها الفرنسيون المستجلبون إلى المنطقة. إذ كان يستخدم للتعبير عن الشعور بالحنين والحزن الذي قد يؤدي إلى الاكتئاب. يبدو أنّ “الكافارد” بدأ في القرن التاسع عشر بالتعبير عن  حالة نفسية مرضية تغلب على المصاب بها تلك الأفكار القاتمة “السوداء”، فهو من هذه الناحية مرض من أمراض المستعمرات.

1/ الدراسات الأكاديمية المهتمّة بالموضوع:

لم نعثر في بحثنا عن هذا الموضوع إلاّ بدراستين كتبهما ( جان فرانسوا ستازاك) المولود سنة 1965 وهو باحث فرنسي  في علوم الجغرافيا وأستاذ محاضر في الجامعات الفرنسية والسويسرية وعضو في الأكاديمية الأوروبية منذ سنة 2020، وهو مختصّ في الجغرافيا الثقافية وخاصّة الكولونيالية. وقد نشر بحثين سنة 2016 في مجلّة علميّة محكّمة هي ” دفاتر الجغرافيّين ” اجترح فيها مبحثا جغرافيّا جديدا سمّاه ” جغرافيا المشاعر”.

·       الدراسة الأولى اختار لها ( ستازاك ) عنوانا هو التالي ” رهانات طبيّة وثقافية وسياسية في مواجهة شعور جغرافي بين 1880- 1930 “، وقد تتبّع في دراسته هذه ما عرف في علم النفس الكولونيالي أو علم نفس المستعمرات بـ ” داء الصرصور” أو ” متلازمة الصرصور “، وبيّن كيف ارتبطت هذه الحالة النفسيّة بالمناخ والمحيط في مستعمرات فرنسا وخاصّة في شمال أفريقيا ( الجزائر وتونس تحديدا).
 

·       أمّا الدراسة الثانية فقد بحث فيها ( ستازاك ) في ظهور هذه ” المتلازمة ” في السينما الفرنسية في الثلاثينات من ق 20 م، وتناول بالدراسة نماذج من أفلام مختلفة ظهرأغلبها في 1937 أشهرها للمثّل الفرنسي المعروف آنذاك ” جون غابان “، وهي أفلام يجسّد أبطالها من نساء ورجال أعراض هذا الدّاء وأبرزها الاكتئاب والميل إلى العزلة وصعوبة الاندماج والإدمان والعنف والتفكير في الانتحار..


2/ المقالات والتحقيقات الصحفيّة:

      وبين أيدينا وثيقتان في هذا الغرض:

·       مقال في صحيفة كانت تصدر في الجزائر اسمها “صدى الجزائر” وقد تضمّنت في عددها المنشور في 31 جانفي 1917 مقالا عن “مملكة الصراصير ” و “جيش الصرصور” الفرنسي ورحلته الشاقّة من الجزائر إلى الجنوب التونسي.

·      تحقيق صحفي أجراه مراسل مجلّة ” الشرطة الفرنسية ” في عددها 76 في سنتها الثالثة بتاريخ 8 ماي 1932 ، وهو تحقيق من صفحتين عنوانه ” في مملكة الصراصير” يرافق فيه الصحفي كتيبة في الجيش الفرنسي تُدعى  ” المرحون – les joyeux ” وهي كتيبة مكوّنة – حسب المصادر التاريخية – من جنود معاقبين في وحداتهم بسبب سوء سلوكهم فيتمّ إلحاقهم بالخدمة العسكرية في الجزائر أو جنوب تونس. وقد رصد المراسل الصحفي حياة هذه الكتيبة في صحراء تطاوين وركّز على سلوك منتسبيها وكيفية تمضية وقتهم وأنواع العقاب الذي يسلّط عليهم لفرض انضباطهم ، وعرّج على قساوة المناخ وعلى حالتهم النفسية، وقد أرفق مقاله ببعض الصور لتضاريس المكان أو لجنود من هذه الكتيبة.

يُذكر أن تسمية شعبية محلية دارجة هي “عسْكر جْوَيُّو ” تُقال تعبيرا عن استهجان سلوك استهتار يأتيه فرد أو مجموعة، ويبدو أنّ جذورها تعود إلى تلك الفترة الاستعمارية واستهجان المزاج الأهلي لسلوك جنود الاحتلال الفرنسي وتجاوزاتهم الأخلاقية خاصّة.


3/ الصور والبطاقات البريدية والرسوم:

      وجدنا عددا لا بأس به من الوثائق المعروضة في مواقع إلكترونية فرنسية سواء ما تعلّق منها بالمتاحف أو مقتنيات شخصية وبعضها معروض بغرض البيع. وتشترك هذه البطاقات في نفس البنية، إذ عادة ما تحمل عبارة ” مملكة الصراصير” أو ” إمبراطورية الصراصير” في أعلاها مع تاريخ محدّد، وتتوسّطها صورة صرصور، وفي جانبيها مشاهد لقصور أو سوق أو تضاريس أو لجندي فرنسي ، وفي أسفلها عبارات أو مقاطع من أناشيد عسكرية تتحدّث في أغلبها عن الصرصور..


4/ مقاطع الفيديو:

خصّص الباحث الأكاديمي (جان فرانسوا ستازاك) مقالة لأثر “متلازمة الصرصور” من حيث هي إحدى أمراض المستعمرات في السينما الفرنسية في الثلاثينات من القرن العشرين، وضمّن دراسته مقاطع فيديو  مختارة من بعض الأفلام أو الأغاني التي عبّرت عن هذا الموضوع، وهو ما يساعد على تمثّل هذه الظاهرة ويكشف حجم تأثيرها وامتدادها في مختلف الأوساط وأهميّتها في تلك المرحلة.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.