عواطف محجوب
لطالما مثل الجسد هاجسا في الأدب النسوي الذي لم تتردد أقلامه نسائية كانت أم رجالية في طرح قضايا مرتبطة بأطروحات كبرى كالهوية والوعي. فاختلفت التناولات، وكسرت حدود الممنوعات. وعلا سقف الجرأة مع كل طرح جديد. وأصبحنا نرى نماذج أنثوية متنوعة تقدمها النسوية، كل واحد منها ينتمي إلى مرجعية ثقافية ذات خصوصية مختلفة عن الأخرى. وكان الجسد في رواية هبات ساخنة للروائية سعاد سليمان ثيمة بارزة، منه انطلقت الأحداث، وبسببه تعددت النتائج، وبه تطورت أحداث السرد وتفرعت إلى قصص جانبية كثيرة. فانبنت الحكاية داخل الحكاية. وطفا الماضي على سطح الحاضر. وتكلم السكوت. واحتجت الطبيعة على الطبيعة. وعلا صوت التذمر والنحيب حين خذل الجسد الجسد. ولم تجدِ المقاومة نفعا، فلم يبق سوى الاستسلام والمواساة والرضا. وتحول الجسد من هوية وأداة إلى مجرد خيبة ومعاناة كادت أن تودي بالراوية إلى مصير مأساوي. إذ انسحبت منها طاقة الحياة حين تعطل جسدها عن قيامه بوظيفة حيوية معتادة، ناهيك عن المشاكل المختلفة التي عانت منها حينما كان ذلك الجسد في ريعانه. أصبحت ببساطة مجرد بقايا لا فائدة ترجى منها. لكأنها مسجونة في جحيم لا مهرب منه يصليها بعذابات دون توقف.
كثيرة هي المؤلفات النسوية التي تناولت موضوع عمر المرأة وما يصاحبه من تحولات نفسية وجسدية، لكن قلة قليلة من الكتاب الذين تطرقوا إلى المرحلة العمرية التي تأتي بين سن الأربعين والخمسين. تلك المرحلة الحساسة التي تنتهي فيها خصوبة المرأة، أو ما يعرف بسن اليأس. من بين الذين كتبوا عن ذلك نجد الطبيبة والروائية السورية هيفاء بيطار، وقد عملت في روايتها “امرأة في الخمسين” على دحض مفهوم سن اليأس والتقليل من أهمية أعراضه. وجعلت بطلات روايتها يستخلصن بأنفسهن أنه ليس هناك سن لليأس بمعنى الكلمة، وإنما سن الخمسين هي سن الانطلاق والتحرر من قيود الخوف الذي يبعثه التقدم في العمر، على عكس الروائية المصرية سعاد سليمان التي أظهرت في روايتها هبات ساخنة شدة وطأة الاضطرابات التي يتعرض إليها الجسد قبل وعند وصوله إلى سن اليأس وما يرافق هذه المرحلة من متاعب تتضخم لتتحول إلى فوضى عارمة يتخبط فيها هذا الجسد.
فكيف تجلى ذلك في المتن الروائي؟
تتحدث الكاتبة عن سيرة الجسد الأنثوي قائلة :”كل ما فينا أوجاع، بداية من الختان، آلام الدورة الشهرية، ألم أول عملية جنسية، حمل ولادة، رضاعة، بؤس انقطاع الدورة” ص10. سيرة مليئة بالتحولات والاضطرابات تستحق وقفة تفكير واهتمام.
بتتبع الوقائع والأحداث في رواية هبات ساخنة نلاحظ أنه بالإمكان تقسيمها إلى فترتين زمنيتين، الفترة الأولى هي فترة ما قبل سن اليأس حيث لا يزال الجسد في ريعانه، ينبض بالحياة، لا شيء يكسر جموحه أو يراقب رغباته. أما الفترة الثانية فهي مرحلة سن اليأس. إن المرأة وردة يانعة ما لم يقطفها العمر على حين غرة. لكن تغتالها سن الخمسين، وتفترس جسدها الذي توقف عن الإخصاب. زحف عليه الجفاف، وتحول إلى وسط تعشش فيه الأمراض، ليصبح مجرد سعير تصطلي بناره المرأة. وفي كلا الفترتين يغرق الجسد في فوضى لا سبيل للخلاص منها ما لم يتم التعامل معها بعقلانية وذكاء.
تعيش الراوية في مرحلة مبكرة من العمر دوامة من الرغبة المتأججة. فوضى من الشهوة تخرج جسدها عن طوره الطبيعي. تحدثنا عن ذلك فتقول “منذ بلغت الخامسة عشرة أعيش برغبة جنسية عارمة، أقل كلمة حب، لمسة دافئة، مشهد عاطفي، غمزة عين، رنة صوت محبب، رائحة عطر، تثير شهوتي، تهز جسدي كله” ص12. جرأة غير معتادة نتلمسها في هذا الخطاب، وهو أمر ليس مألوفا، إذ لم تشأ الروائية أن تقدم لنا نموذجا نسويا نمطيا خجولا، بل امرأة تبادر وتعبر عن رغباتها بكل حرية، وتصرح بفقدانها القدرة على التحكم في تلك الرغبة وترويضها. واستدعت أيضا صديقتها سلطانة كنموذج ثان للمرأة المتحررة لتروي لنا فوضاها لحظة استعار رغبتها. صديقتها هذه لم تكن سوى مرآة تعكس صورتها وذاتها بكل ما تحمل من انفعالات حسية. وانتهت إلى خلاصة تعنيها بدرجة أولى حينما كنّت صديقتها على أنها “شهوة تمشي على قدمين” ص12. فسيطر التوتر والاضطراب، والاستسلام لأفلاك الفتنة التي طوحت بالراوية وباقي الشخصيات النسائية في تيار من اللانظام حيث يغيب العقل تماما، ولا مجال للسؤال هل هذا ممنوع أم مشروع. هذا الهوس شجع المرأة على التحرش وملاحقة فرائسها من الرجال لترويضها واشباع رغباتها المتمردة، وإن فشل ذلك يتحول الأمر إلى تحدي ، فتبحث المرأة عن بديل حتى تجده. فللجسد جوع وحشي لا يمكن مقاومته لأنه لا يعود إلى وضعه الطبيعي ما لم يتم إرواؤه.
لم تتردد الروائية في التصريح بحاجات الجسد ورغباته، والسعي الدائم لسد النقصان دون تزييف أو خجل نظرا للسلطة المعنوية التي تتمتع بها الشخصيات. فالبطلة سلمى اعلامية معروفة، وسلطانة مخرجة أفلام سينيمائية إلى جانب تخصصها في الكيمياء، وسماهر أستاذة جامعية وفنانة تشكيلية وغيرهن من الشخصيات النسائية اللائي يخرجن إلى العمل ويساهمن في الحياة العامة. لكن ذلك الحضور لم يسد باب الخلل، إذ أدى إلى مشاكل كثيرة لها تداعيات اجتماعية وصحية ونفسية جراء الانسياق وراء الرغبة التي لا رقابة عليها. نجد أولا تصدع العلاقات الإنسانية، فسلمى تتهمها صديقتها نجوان بخيانتها مع زوجها، ورغم نفي ذلك مرارا وتكرارا، لكن الثقة بينهما لم تعد إلى سالف عهدها، تحدثنا سلمى عن ذلك بمرارة، تقول:”ما بين لعنة الرغبة واختفائها، والإتهام الذي طوقتني به نجوان لم تبرئني هباتي التي امتنعت عن الحضور، كأنها تواطأت ضدي، لتؤكد ظنون نجوان، وجدتني أضحك لدرجة البكاء، تخيلت لو أني فعلا أقمت علاقة مع زوجها كما تدعي.” ص14. ثانيا، نفس الرغبة الثائرة أباحت للدكتور أمير حسب الله أن يخون زوجته ناهيك عن إيمانه بالتعددية الجنسية، ولم يخجل من تأكيد ذلك. فعمله كطبيب أمراض نسائية أتاح له ظروفا مناسبة ليشبع رغباته كما يشاء دون حسيب. يسقط مريضته في حبائله ثم لا يتوانى عن التحرش بها إذ ” لا تمر أية امرأة أمامه، حتى لو كانت في سن أمه، إلا ويستعرض أمامها خفة دمه، مستحيل أن يمنع نفسه من لمسها في أي مكان تطوله يده” ص50. وكان مبرره برود زوجته وعدم انجابها، في حين أنه كان طوال سنوات يوهمها بأنه يعالجها بنفسه بحكم تخصصه، لكنها تكتشف في الأخير أن الدواء الذي يحقنها به لتنشيط المبيضين لم يكن سوى مانع للحمل. هذا الخطأ ساقها إلى ارتكاب خطأ آخر انتهى بها خلف القضبان. ثالثا، فمن تداعيات الرغبات الفوضوية، تطفو فجأة المشاكل الصحية الكارثية، فسلطانة نقل لها زوجها إسحاق داوود مرض الايدز، وهو من الأمراض المنقولة جنسيا، أصيب به جراء شذوذه الجنسي. لم تقدر زوجته على إطفاء جحيم رغبته أثناء حملها، فبحث عن بديل. هذا البديل ليس سوى عشيقه القديم الذي استغل الفرصة، وأغراه لينقل إليه المرض انتقاما منه لتخليه عنه وعن مثليته بعد زواجه من سلطانة. فغياب الرقابة الذاتية على الجسد ضيّع لغته النقية وحوّله إلى مجرد كتلة فيزيائية حيوانية، كلما اتقدت ناره إلا وضاقت مساحات المنطق والفكر والإبداع، بدليل أن معظم الشخصيات في الرواية ظلت مشاريعهم الفنية معلقة غير مكتملة ومحض أحلام.
وكما انخرط الجسد في نسق من الفوضى في أوج عطائه، فإنه يشهد فورة معاكسة في مرحلة سن اليأس. إذ يختل توازنه ويزحف عليه تعب طارئ غير معتاد، تؤكد الراوية أن هذه المرحلة هي “المرحلة الأصعب، تسرب الأستروجين من جسدي هذا الهرمون اللعين عندما يتخلى عنا لا نستطيع تعويضه” ص10. فسن اليأس هي مرحلة عمرية يصل إليها الجسد الأنثوي، تتوقف خلالها الدورة الشهرية. ويحدث ذلك عادة ما بين الأربعينات والخمسينات من عمر المرأة. في هذه الفترة ينتفض الجسد ويقوم بردود أفعال غاية في التعقيد. الأمر الذي يجعل المرأة تدخل في دوامة من الاضطراب وعدم الاستقرار. اذ تجتاح علامات سن اليأس الجسد ليتخبط في مشاكل الصحية التي لا نهاية لها، على غرار سقوط الشعر، جفاف البشرة، التعرق الشديد، تهدل الأعضاء، ألم المفاصل، هشاشة العظام، زيادة الوزن، التعرض إلى هبات ساخنة متتالية أو هبات باردة، الأرق وعدم القدرة على النوم. يشهق الجسد شهقة أخيرة قبل أن يجرفه طوفان الفوضى، تقول :” يلعب الجسد المحروم من حنان الهرمون الغادر ألعاب اليأس الأخيرة، تحت عرق وسخونة يتلوهما صقيع يفتت جسدي” ص11. ألعاب بل قل أزمات ناجمة عن انخفاض هرمون الأستروجين إلى أدنى مستوياته في الجسم. من هنا تبدأ المعاناة والتعب، وينتقل الألم البدني إلى ألم نفسي وروحي، وتتحول المرأة بسببه “إلى ربع إمرأة” ص8. فيتعكر المزاج، ويطبق الاكتئاب، وتحتل الأفكار السوداء الرأس، تقول في هذا الصدد: “تراودني أفكار انتحارية بل ضبطتني في طريق لإلقاء نفسي من فوق كوبري قصر النيل” ص8. هكذا تنقلب الحياة إلى جحيم لا يطاق. وتصبح المرأة في حاجة إلى دعم نفسي عاجل لأن الاستسلام في هكذا وضع سينتهي بكارثة. فالكثيرات من النساء يستنكفن عن الذهاب إلى طبيب نفسي، تقول سيناء صديقة سلمى بعد ان علمت بمحاولة إنتحارها: “يا لهوي لازم تروحي لدكتور، أنت محتاجة مساعدة نفسية وما تسيبيش روحك يا بنتي المرة دي ربنا ستر بعد كدا مش مضمون” ص10. فليس من السهل تقبل التغيرات الفيزيولوجية التي تحدث، الرغبة العارمة غدت مكعبات ثلج، والجسد المرغوب أضحى مهجورا معطوبا. والبطلة ترى نفسها أنها” لم تعد صالحة إلا لاستقبال الشفقة” ص11. ما يزيد الطين بلة أنه لا يوجد علاج محدد وما من حل طبي أو رؤية واضحة للتعامل مع هذه الحزمة من المشاكل الطبية. فالطبيب لن يفعل أكثر من وصف هرمون بديل أو يعرض على المريضة استئصال الرحم. وكل النساء يتجنبن الحل الأخير ويقبلن تعاطي الهرمون الصناعي، فعلت الراوية ذلك أيضا لكن لم يجدها الدواء نفعا، فبعد “ستة أشهر مرت على تناول العلاج، بدأت أصابع يدي تنتفخ، لم أربط بين تعاطي الهرمون البديل وبداية روماتويد بدأ يغزو مفاصل أصابعي” ص17.
وبفشل الحلول الطبية تبدأ المبادرة الذاتية في التعامل مع هذه الفوضى التي تسببها أعراض سن اليأس، فسلمى كلما داهمتها هبة ساخنة تقاومها بطلب البرد، مرة ترش الماء على رأسها وتبلل نفسها ومرة تنطرح أرضا تتقلب على الرصيف أو بلاط البيت، لا يهم المنظر المهم أن تغادر الهبة الساخنة. ثم ما يفتأ البرد يغزوها يفتت عظامها. أما شيرين فلها أسلوب مقاومة آخر، تقول في هذا الصدد: “حليتها بمصيبة أصعب منها، طلبت معايا سكريات، كنت بأشرب في اليوم الواحد خمسة لتر بيبسي ونص كيلو شيكولاتة، خلصت بسرعة بس جاني السكر زي ما أنت شايفة” ص18. وكما نرى فإن هذه الحلول تعالج مرضا لتتسبب بآخر.
بدت الشخصيات ضعيفة أمام ثورة الجسد وفوضاه العارمة قبل وخلال سن اليأس، وحتى لا يكون مجرد أداة تعبير تطغى عليها سمة الحيوانية بالحضور البارز لملامحه الشهوانية والجنسية، إرتأت الروائية سعاد سليمان الخروج به من بوتقة الخصوصية إلى الفضاء العام. فأصبح الجسد الخاص والمتعدد عبر الشخصيات جزءا مندمغا في الجسد العام. ففي شهر جانفي 2011 شهدت مصر ثورة أطاحت بالنظام السياسي ودخل البلد في موجة من المظاهرات دارت في ميدان التحرير. لكن هذه الفوضى الثورية إن صح القول حملت التغيير على مستوى عام طال النظام السياسي في البلد، وعلى مستوى خاص حيث نسيت النساء المشاركات في الثورة أوجاعهن وآلامهن الجسدية، لأنهن أصبحن مساهمات في حدث تاريخي لا يتكرر، وأجسادهن تحسست أنتماءها الجغرافي والزمني. تقول الكاتبة عن ذلك: “اللحظة التي نعيشها أكبر من الإهتمام بمشاكلنا الجنسية والعاطفية” ص27… وجودي في الميدان خلاني شبعانة حب وجنس كأني مروية من غير أن يمسسني بشر” ص28. هذه المشاركة الفعالة دفعت بالكاتبة إلى توثيق تلك الفترة وبعض الأحداث الأخرى عبر أسلوب اليوميات، إذ دونت يوم الجمعة 28 يناير 2011 حادثة تهور صديقتها سيناء في ميدان التحرير وتحديها لرجال الشرطة، والمواجهات التي جرت بين المتظاهرين والأمنيين، ويوم السبت 29 يناير قابلت الشاعر الكبير سيد حجاب، ويوم الأحد 30 يناير قابلت أمل المراة التي التقتها في السجن وساعدتها لتهرب من براثن جدتها. بالإضافة إلى توثيق تنوع بين تاريخ العمارة والثقافة في وسط القاهرة. عملية التوثيق للشأن العام والمراوحة بين الماضي والحاضر، ألهم الروائية ابتكار حل لا يخيب لمقاومة سن اليأس ألا وهو الكتابة، فبالكتابة تحسنت النفسية وتعدل المزاج، واكتشفت فضاءات أرحب قللت من سطوة الجسد. وطرقت باب البحث الذي تحول إلى فهم ووعي بمرحلة سن اليأس، ظهر عبر تصنيفها للهبات التي تنوعت إلى هبة ساخرة، هبة حنونة، هبة قاسية، هبة شرسة، هبة شديدة السخونة، وغيرها من الهبات. وبالتالي أعطت الجسد بعدا أنتروبولوجيا وتقديمه كنموذج يحمل مرجعية ثقافية. إذ تجاوزت الليبيدو المهيمن إلى الكوجيتو الذي أصبح “أنا أفكر إذا أنا أقاوم وأتجاوز”.
ولئن جاء فعل الكتابة على شكل مواجهة مع النفس ألقت الكاتبة في لعبة المرايا المتقابلة فإن ذلك دعاها إلى الذهاب بعيدا في اللعب فجنحت إلى السخرية وحولت المعاناة إلى ملهاة، تقول: “ما تحكيه ملهاة يا شيرين وليست مأساة” ص18، وعلى سبيل المثال نذكر تركيبها لمشهد خيانتها مع زوج صديقتها “تخيلت لو أني فعلا أقمت علاقة مع زوجها كما تدّعي، وفجأة غرقت في هبة حامية، ولم أستطع أن أتحكم في مجرى البول، كما يحدث باستمرار، كيف سيكون المشهد، بينما أنا بين ذراعيه، عارية، أكفهر سخونة، أتبول عليه هههههه سيكون موقفا مخزيا، كفاني الله شره” ص14. مشهد ساخر بقدر ما فيه من مرارة ففيه قوة وتقبل للوضع الخاص والخروج به إلى العام، وهو ما أكسب الرواية سمة الذاتية. واكتفت بالسرد التسجيلي الذي يركز على الحدث الرئيسي لا بتفاصيله وتوظيف تفرعات وأحداث جانبية تخدم ثيمة الرواية بدرجة أولى غير مهتمة بالجانب الفني.
الهوامش:
هبات ساخنة، رواية، سعاد سليمان، دار الروافد، القاهرة 2020
امرأة في الخمسين، رواية، هيفاء بيطار، دار الساقي، بيروت 2018




أضف تعليق