معجم شربل داغر الخيالي – 1 –
شربل داغر
عند ترميم بيت جدي لأبي -بيتي الحالي في القرية- اقترحَ عليّ المهندس “ضربَ حجرِ البيت بالرمل”، أي الضغط الشديد عليه لتنظيفه من غبار الزمن المتراكم فوق صفحته. وهو ما كان… فما كان بنيّ الهيئة، صار رماديا مع بعض الزرقة إثر المعالجات.
الحجر القديم عاد إلى سحنته، كما لو أن عُمال تقطيع الحجر أخرجوه، للتو، من مقلعه القديم، قبل ما يزيد على مئة سنة…
إلا أن حالي مختلفة مع الحروف، مع الالفاظ، إذ أرى إليها، وأستخرجها من المعجم القديم. هي ليست حجرَ بناء معدّا لبنيان، ما دامت الحروف تبقى كما كانت، فيما الألفاظ تتبدل ولو بقيت على حالها، كما كانت.
هذا يعني أن ما يَفعل في اللغة لا يشبه
الحجر في بناء بيتي. الأحجار باقية. أتأملها، بعضَها خصوصا، إذ إن لها استعمالات مخصوصة، لا سيما في عضادة باب البيت، او في الأحجار الرملية (الهشة) التي تَصلح لبناءِ عقدِ الباب أو النافذة…
الحروف باقية. لا تزال على حالها في العربية، من دون زيادة أو نقصان. أما الكلمات فتشيخ، شاخت في بعضها، لإهمالٍ أصابَها من كاتبِِي العربية ومستعملِيها. كلمات مثل بقايا. في بيت مهجور. أو في متحف للحفظ والعرض.
كما لو أن للكلمات رونقا يخبو، يندثر، يتساقط من فرط معاشرة حروفها لوحشة الفقدان، لعدم إقدام هذا أو ذاك على الإمساك بها من جديد، على العناية بها، لبثّ الحياة فيها. كما لو أن لمستعمل اللغة، لعينَيه، للطاقة التي في يدَيه، ما يبعث انتعاشةً في الكلمات، مثل مولد جديد لها.
لطالما عاشرتُ المعجم، أكثر من معجم، بالعربية، فكنت أتحقق دوما من أن ألفاظها قديمة حتى لو تعرفتُ إليها، وكنتُ أستعملها في ما أكتب. لا يكفي كوني أُمسك بما أقطف وردة للواقفة على شرفة سطور القصيدة… لا يكفي أنني أقترب من غيمة، أو أندس في حانة، لكي ألقاني ألبي دعوة امرئ القيس قرب الغدير، أو أبي نواس في الكرخ…
كنتُ أبعدَ عنها، ولو هي بمتناولي. وكانت أبعد عني، ولو كنتُ ألاطفها بطرف شهوتي الراغبة في تجلياتها.
أعود إليها بدهشة، مثل وصية، أو كنز مشعّ. أعود، فأمشي وأتجول، كما لو أنها بصحبتي، في الموعد المضروب من مشيئتي الملحة.
لكنني كنت أتحقق كذلك من أنها ليست لي، بل معروضة لحدسي مثل إمساكي بها.
قديمة، هامدة، كاملة الهيئة، لكنها قابلة لمرافقتي، للإمساك بيدي في شارع المحاولة.
إلا أن الأحجار ترزح في أمكنتها. صلدة، بخلاف الألفاظ التي لا تأتي منفردة إلا في النادر.
حتى الحروف والأدوات (قد، إلى، لن…)، التي لا يستقيم فيها تقليب الخليل في كتابه المعجمي، تحتاج إلى ما تتعلق به.
فيما الكلمة محتاجة، عالقة بغيرها، كما لو أنها توفر زورقا لغريق…
هكذا تكون طيعة، تختال بنفسها، بقوامها، لكنها قابلة للمعاشرة، لإقامة وليمة، ما دام العاشق حريصا على استدامة اللذة.
لهذا أصطحب ما يحلو لي منها، ما يطاوعني، ما يبيح المشوار الافتراضي الذي لا يلبث أن يصبح أحجارَ بناءٍ، مكينةً، أكيدةً في ارتكازاتها.
في بيتي أنام متى يحلو لي. هكذا في كلماتي أستيقظ، أتنبه، ولو كنت متعبا. غير أن ما يبدو مثل فعل خصوصي، حميمي، يشترك غيري فيه، إذ تبقى الكلمات محجوزة ما دامت لا تقيم في بيوت غيرها.
في اللفظ جذوةٌ، كامنةٌ، نشطةٌ، متوثبةٌ، ما لا يبلغه الحجر…
اترك رداً على abdeljelil11 إلغاء الرد