طلال حمّاد
كيف يمكن لمن يرى الألم أن يكتب ليقول بأنّه سعيد؟ هل السعادة زيٌّ رسميٌّ لحفلات خاصة بالتنكر؟ هل يمكن للحياة أن تكون حياتين؟
كنت أعرف بأنّ الحياة مسرح، وأنّنا كلنا ممثلون. وما زلت مقتنعاً بأن لا أحد خارج هذا المسرح. وأن الممثل يمكن له أن يلعب أدوارا مختلفة، وأكثر من دور. يكذب من يقول بأنّه متفرج فقط. والفرجة أيضا دور. ويكذب من يقول بأنّه لم ير، ولم يسمع، وهو لا يستطيع أن يفسر الآثار على يديه؟
هذه هي الحياة. لا أحد يعيش وحده. حتى الوحيد يعيش مع شريك واحد على الأقل: الألم. ألم ما يرى، وألم ما يسمع. الم ما هو بالضرورة شاهد عليه.
وأما السعادة فهي رغبة الكائن الذي يتألم فيها. رغبته ولا يمكنه أن يدّعيها. وإلاّ كنّا رأيناها. نراها كما نرى الألم كائنا يمشي مثلنا على قدمين، سليمتين أو متعبتين. نراها ونحسها كما نرى الألم ونحس به، ألم ما نتجاهله، وما نساهم فيه بصمتنا عليه.
قد يحدث ما لا نريده. قد يحدث، ولكنه يحدث، ولا نستطيع أن نغمض أعيننا عنه أو عليه. وندّعي البراءة منه، ومن حدوثه. لأننا في مبادئ الأمر، وفي نهايته، لا نعيش بمعزل عنه. لأننا لا نعيش في هذا المجتمع وحدنا أو خارجه، هنا وهناك. وما يحدث هنا لا يعني أنه لا يحدث هناك، وما يحدث هناك لا يعني أننا في منأى عنه، لأنه يحدث هناك.
الجرائم، كل الجرائم، الصغيرة منها والكبيرة، نحن كلنا، معنيون بها. معنيون بأسبابها وبنتائجها، وبآثارها. ولا مفر. لا مفر، لأنها، شئنا أم أبينا، ستحيق بنا، بما ستتركه، من حولنا، وبالضرورة علينا، من آثار، ومن انعكاسات، تنتج شكلا من أشكال القوانين الفرْضية، والضابطة، لأشكال التعامل والعلاقات. فكيف، وبأيّ منطق، اجتماعيّ، أو فكريّ، ماديّ أو حسيّ، معقول أو لا معقول، واقعيّ أو مسرحيّ، يمكننا أن نتنصّل منها، كلها، تلك الجرائم، المرتكبة، تلك التي نعلم بها، وتلك المسكوت عنها، بذرائع، لا تنجينا من آثارها، وتعمل، في الغالب، على اتّساعها، وانتشارها. أيّة قيم، وأيّة أخلاق، تقف وراءها، ووراء تجاهل المجتمع لها، والصمت عليها؟
تنقسم المجتمعات إلى مجموعات، عقائدية وفكرية، لا تتفق في مصالحها. تفترق بها. تتصارع بها. وتتضارب بها بأكثر من شكل. تقوم الدولة فيها بدور الحَكَم. الحَكَمُ الحكيم، الحَكَمُ العادل. أو ذاك ما عليها. ذاك واجبها. لتآلف بين تلك المجموعات. وتؤلف القاسم المشترك، للتعايش بينها، وتضبطها فيما اتُّفق على تسميته “بالقوانين”، والعقود، والمعاهدات، وتقوم، تلك الدولة، بدور الحارس، الأمين، والموثوق به، لذلك التآلف والتعايش والانضباط. هذا ما يتفق عليه المشاركون الثلاثة في العملية الاجتماعية، المسرحية: المؤلف، والمخرج، والممثل. الأول بما يضعه من نص، والثاني والثالث باحترامهما لقواعد النص، ومبادئه، والتحرك في إطاره. وفي هذا الإطار، سيأخذ الجميع، على عاتقهم، احتمالات خروج الممثل، في حالات حماسه، أو إخفاقه، على النص.
كيف نخرج من المسرح، وكيف ندخل في الواقع، أو كيف نعود إليه، وهل نكون في ذهابنا إلى المسرح قد خرجنا من الواقع؟ وما الفرق بينهما: المسرح والواقع؟ هل هو نفس الفرق بين مسرح الواقع، ومسرح الخيال؟ وهل هما اثنان، الواقع والخيال، ومن منهما يستنبط الآخر، ويلجأ إليه؟ من منهما يقتبس الآخر ويمثله؟
هل نخرج من تلك الدائرة؟ دائرة الألم العميم، والسعادة المشتهاة؟ دائرة الجريمة المشتركة؟ دائرة من المجرم ومن المسئول عن اقتراف الجريمة؟ لا بل كيف أخرج أنا الآن، من هذه الدائرة، دائرة الدوران فوق ركح الأسئلة، حيث أنا، في الخيال، لست فيه، أو عليه، الممثل الوحيد، مثلما أنني لست في الواقع بالممثل الوحيد؟ وهل أستطيع حقا، أن أخرج منهما: تلك الدائرة، وهذا المسرح؟.
(لست أقصد هنا حدثا بعينه، فالأحداث الأليمة، اجتماعية أو سياسية عديدة، هنا وهناك).
من ” أنا جائع، لا أحد شبعان”.
أضف تعليق