كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

الطوفة

حسين علي يونس

… كنت أسكن منزلاً شديد التواضع، أدفع ثلثي راتبي نظير إيجاره ، ولم يكن  هذا ليقنع صاحب البيت الذي لم تكن لتمس قلبه أجنحة الرضا أبداً، إذ كان يطالب بزيادة بدل الإيجار بشكل مطرد وجنوني، على الرغم من صغر منزله وتواضعه. لكن الرجل لم يكن سعيداً بسبب ذلك العقد الذي يعده مجحفاً. وبين فترة وأخرى يمر عليَّ من أجل تذكيري بإخلاء منزله، وضرورة البحث عن بيت آخر انتقل إليه. لقد سمم الرجل حياتي عبر زياراته الأسبوعية التي تضاعفت مؤخراً وروحاته المكوكية وجياته بمناسبة ومن دونها، حتى تسببت بأزمة نفسية لزوجتي، وباتت عصبية  للغاية نتيجة لغزوات صاحب البيت الذي اكتشف أهمية بيته على حين غرة،  بعد أن هجره لسنوات عديدة.

وذات يوم، وأنا أشرب شاي الصباح، وعندما كنت استعد للذهاب إلى عملي، تفاجأت بتوقف طابور من العربات أمام البيت. وشاهدت تابوتاً يُنَزل قرب باب البيت فأصابني رهاب كبير،  فلطالما كنت أعاني من رهاب الموت. قلت لحالي لقد مات أبي الذي كان يعاني من مرض خطير في القلب، فكرت أن أخي ربما قد أُعدم بسبب كونه سجيناً من أجل قضية غامضة، فصعد ضغطي، وخرجت حافياً أتعثر بخطواتي، واشتدت دهشتي حين وجدت شقيق صاحب البيت الذي شرق بصوته، وهو يخبرني أن شقيقه  قد مات، وكانت أمنيته أن يلقي نظرة أخيرة على بيته، ثم أمرني أن أفسح المجال له من أجل إدخال جثمان أخيه ليطوف به في أرجاء حُجر بيته، لأن هذه كانت وصية المرحوم قبل أن يطير إلى رحمة الله، ولتكون هذه طوفة الوداع أيضاً.

في خضم هذه الأحداث المتسارعة كانت زوجتي ما تزال في سريرها حين ابلغتها  بحكاية طوفة الوداع، ولم  تصدق هذه الكارثة، قالت: “ميروح يطوف بيه بجامع جايبه لبيتنا شنو؟ ” قلت لها “خليهم يدخلون ونخلص بدل ميذبون أثاثنا بالشارع، والجماعة حزانى وكاتلهم القهر على ابنهم اللي مات بحسرة بيته”. غادرت المرأة فراشها ولبست عباءتها وقالت لي غاضبة “هل تريدني أن أثغب على المرحوم معهم؟” قلت لها  “لا داعي، لنطوي صفحة اليوم”.

وهكذا طافوا بالمرحوم إلى غرف البيت. وبعد عشرة دقائق حسبتها دهراً خرجوا وحملوا معهم الضوضاء التي أثاروها. كنت اعتقد أنني في حلم إلى أن سمعت زوجتي وهي تقول :” لنغادر هذا البيت ولنسكن في صريفة، لقد سمموا حياتنا” .

One response to “الطوفة”

  1. صورة أفاتار عمّار كشيّش
    عمّار كشيّش

    كومديا سوداء يانعة
    لاأظن انها تتفسخ مستقبلا.

    إعجاب

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.