بسمة الحاج يحيى
كانت أيّاما بعبق ذكرى تلامس الرّوح، فتتمثّل جليّة وكانت أياما بوقع الربيع، وسمفونيّة يعزفها قلبي عند لقاء الأصدقاء بباحة المبنى القديم للكنيسة التي تحوّلت فيما بعد إلى مكتبة عموميّة نؤمّها لتصفّح الكتب والمجلات.
ثم كهمس يصلني صوتٌ كنت ألِـفْتُهُ فيما مضى:
«هناك، خلف تلك السّنديانة، بانتظار رسالتكِ..!»
أفتح كتابا رُسِمتْ حروُفه بإتقان ومراجعةٍ فائقين، لمن يودّ أن يشرب من عيون الكلام فيثمل منها. لكنّنا بمرحنا الطّفوليّ ولهونا، وهذه القلوب تمْنَحُنا ألْفَ قصيدة ننْـتَزِعُها من الزّمن عنوة علّنا نطفئ ظمأ الفؤاد لشبق سعادة مع من نحبّ ونعشق، لمْ تُغْرِنا الصّفحات بقدر لهفتنا على الإبحار والتّوغّل برسالة عشقٍ قد نجدُها بأّول الصّفحات كما قد تكون محشوّة بعناية فائقة عند منعطفٍ بإحدى الصّفحات الأخرى البيضاء لكأنّ الكاتبَ تعمّد تركها عذراء البياض لنرويها من تسابق أرواحنا عبرها ومن مرحنا بين الصّفوف إلى خلف الرّفوف.. ألقي نظرة إلى السّنديانة الوحيدة تتوسّط صحن الكنيسة. ثم، يبدأ فصل جديد داخلها لمواصلة المشوار مع كتاب ورسالة. فصلٌ مميّز نعيشه. هو ردّ يولد مع قوافي الكلمات ويأخذ من بعض ملامحها …
ابتسم ورائحة السّنديانة تدغدغ أنفي مع ذكرى حالمة. ويكبر حلمٌ يحاكي شموخ الأغصان أراها من خلف زجاج الكنيسة القديمة. ثم أعود إلى عالمي هاهنا. إلى واقع يأسرني بين جدران أربعة ضيّقة، عفنة، تغطيها طبقة كثيفة من النّدى وهذه الشجرة إلى جانبي، نمت برغم كل الحصار. نمت رغم انعدام الهواء ورغم انعدام أشعّة الشّمس تسبح خارج هذا الإطار إلا هنا. ممنوعة هي مثلي من مصافحتي. ممنوعة أشعّتها تلتقي بشعاعات روحي. فتأنس عنده حينا تحدّثه عن مرح الصّبية خارج هذه الأسوار وبعيدا عن هذه القلاع الكئيبة. ممنوعة روحي من تسلّق خيوط تنير زواياها أو أن تحضن بالأمل أوتارها. و تعــود بي الذاكرة إلى ما قبل الشّعاع يرخي ظلاله خارج الأسوار... ..و تأخذني الذّاكرة، إلى ما قبل الشّعاع يرخي ظلاله حذو كل جدار. إلى حصون منيعة شيّدْتُها رفقة خلّة بالجوار لبيتنا العتيق. تعود بي إلى سنين عشر من نصف قرن مضى، أهديناها كلَّ الصّفاء و بعض شعارات وملصقات كنّا ننْحتها بأيادينا الصّغيرة. كُنّا نكتبها بلهفة أرواحنا، بصدق كان يَفْرِضُ علينا ألّا نتراجع مهما كانت الخسارات. يوم زرعنا أحواضا أمام كلّ بيت نمرّ به في طريقنا. نحمل قنّينات الماء بين أكفّنا ونسقيها. ثم .. ثم تغمِـزُ لنا الشّمسُ ذاك الصّباح كطفلة تـتّبعُ خطانا وتودّ ُمشاركتَنا لهوَنا وعبثَنا.
تزيد من لَفَحِ شعاعها، فلا نـأبه لها. تلفحنا بشحنة أخرى أحرّ وأشدّ قيضا، فلا تثنِينا عن عزمنا ولا نخرُّ لها صاغرين. بل يسكب أحد المشاغبين آخر قطرة ماء على آخر أصيص متعطّش هو الآخر لمداعباتنا.
و سرعان ما يُحدث طرقات جنونيّة على الباب المجاور لجارتنا أمّ حليمة. وبسرعة البرق نضغط جميعنا، كلّ منّا على باب من بين تلك الأبواب الخشبية العملاقة، قرعا عنيفا، متواصلا قبل أن نهرب، لنختفي عن عيون السّيدات، الأمّهات، الجارات الغارقات بالدّاخل لشأن أو لشؤون أخرى مختلفة عن عبثنا هذا واللّهو بالطّـرقــات. تطلّ الجارات الواحدة تلو الأخرى علّهن تُمسِكْن بذاك المشاغِب باغتَهنّ بلحظة انشغال فأفسد خِلوتهنّ أو عكّر صفو قيامِهنّ بعمل لا يحتمل التّأجيل.. تتآمر الشّمس مجدّدا. لكن هذه المرة لتَشِي بعبثنا البريء. تبتسم وهي تكشف لهنّ عن مخابئنا بعد إذ فشلت ظلالُنا من إسدال ستار يهدينا خلوة لَمَّا انزوينا بمكان خِـلْنـاهُ آمنًأ. تصلنا أصوات الجارات وقد لُـذْن بالّصمتِ فجأة وابتسامةٌ ارتسمتْ على شفاهِهنّ أوّل ما وقعتْ أعينهنّ على الأصصِ تعلوها غصيناتٌ رقيقة خضراء كحدائق الياسمين، وبعض قطرات ماء لاتزال ترافقها بحشرجة تُعلِنُ أنّنا ما غادرنا المكان وما ابتعدنا عن هذه القلوب التي زرعت داخلنا الحبّ، فترجمناه رسائلَ من قطر ماء وغصن فارع وعبق تراب مبلّـل بروح المرح.. وهذه الشمس بخيوطها الكريستاليّة تنادينا؛ أن هبّوا من مخابئكم! أقبلوا فُرادى وجموعا! تعلّقوا بشعاعاتي ولا تخشوْا سقوطا ولا انزلاقا! فحضنها الدّافئ يسع كل الشَّغَبِ منّا وكلّ المحبّة بأرواحنا الصغيرة. لكـن هاهنـا، تنكـسـّـر أشـعّة خـلف هذه الجـدران الأربـعة، لِـتسقط ظلالها غيـر بعيـد. ويغفو المكان بالعتمة. وتتضاعف وحدتي، وهذا الهيكل لغصن هزيل يسترق عبقا هو خليط من ندى يملأ أنفي ولا يفارقه. فــتعاودني رائحة غصن الزّيزفون وأنا أمسك بهيكل غصنٍ نَمَا بالجوار. غصن نما رغم الفراغ، رغم الحصار ورغم روحي الحزينة تجثو على عتبات الزمن، تنتظر ساعة الخلاص. أراه ينمو في صمت، لا يتذمّر. أسمع وشوشاته عند كل عقدة تُـنْـبِتُ برعما سرعان ما يطلّ ليأفلَ بعد حين، فـيسقطَ في غياب التّوقيت، وبعيدا عن التّأريخ.
حملت ذلك اليوم ورقة تساقطت على مهل، قرّبتها من خدّي على عجل، همستُ؛ ” تراني سأمضي إلى الأسفل بمثل صمتك هذا..!؟.. تراني سأغفو بهدوء حتى يغمرني هذا التّرابُ مثلما ابتلع منذ أيّام ورقات سبقت وقوعكِ؟”
همسَتِ الورقةُ : « ……… » و لا أعلم بعدُ، هل كان همسًا أم ضجيجًا علا بالجوار، خلف هذه الأسوار...!
…و علا ضجيج من خلف الذّاكرة، تلته أصوات نسوة يصرخن أو كنّ يبكين فراق عزيز..!
هل تراه كان عزيزا حقّا أم هي نشوة أخذتهنّ فانسجمن في طقوس لتوديع روح سكنت إلى جوار ربّـها؟
يومها ما بكيت..! و ما سمحت لقطرات المآقي انسكابا. يــومهــا، كنت أتأمّـل القَدَرَ يعبث بحنايا الرّوح. يستـلـذُّ بوضع حبيبٍ بالقلوب ثم يأخذه بيدٍ صارمة من بين تلابيب الــرّوح..
يومها، ألقيت بكلام الطبيب عرض الحائط، ورميت شهادة الوفاة على هامش المشاعر. تحدّيت مسحة الحـزن حتّى هجَرتْني الدّمــوع فانساقت مع حيلتي السّاذجة. كما تآمرتْ الأحلامُ معها لتُهديني وعودا وانتظارات عِشْتُ على وقعها أيّاما، شهورا، وحينــا غير هيّــن، حتّى تبـاعدتْ مع الـواقع الذي فـرض بنـودَه على أنفـاسي، وكشف زيف وعود آمال خِلْـتُها سايرَتْـنِي صدقا..! بَـيْدَ أنها سايرتني مكْرا في غفلةٍ من الوعي والإدراك.
نفضتُ عنّي غبار الحنين، ألقيتُ كل وجع كتبته بدمع المآقي على جدار الرّوح. واعتنقت طريق المقابر، لزيارة أحلام توقّف نسيجها يوما دون سابق إنذار، ولإعادة أحاديث ما أتمَمْنا بعدُ خواتيمَها سويّا لما كنّـا نتسامر أواخر اللّيالي، بينما لذيذ الحكايا يحلو عند كل خلوة تجمعنا فتـلُفَّنــا وهدوء ونغم بذات المكان.. أتقوقع أكثر حتى يلاصق جسدي الجدار كلّـيّا. في حين يدي لاتزال ممسكة بغصن واهٍ. غصن يذكّـرني بمرآتي تعكس صورتي الهزيلة عبرها. رأيْـتُـنِي أنمو على نغمها. رأيْـتُـني أنمو حتى أصل عنانَ السّماء. صار طولي فارعا وقوامي رشيقا. تعبث بي رياح الجوار تارة، وتصل مسامعي أصوات الصّبية تارة أخرى. لحظات آنس بهم وبمرحهم. تسافر بي مخيلتي إلى ماض سحيق... ..أدمنت السّفر بثنايا الماضي، بمعيّة صبية صغار، فألاحظ جريهم وهم يتسابقون بمــرح..
خلف تلك التّلال، كانت والدتي تربط حبل الغسيل لتنشر تلك الهياكل تعبث بظلالها تحت دفء الشمس. وبين ضحًى ومساء، يتقاطر ماؤها، لِـيصيرَ بركةً ونبعًا خريرا. تتحلّق بالقرب منه طيور ترفرف جيئة وإيّـابا، بين طيران غير عالٍ وبين رفرفة أجنحتها تبحث عن توازنها للفوز ببعض قطرات ماتزال عالقة بأطراف الملابس.
يعاودني شدو الصِّبية و هم يتسابقون فتتطاير العصافير عاليا. فـأنساق خلفها محاولة اللّـحاق بها، فلا يسْتَوْقِـفُني إلّا ذاك الحبل. يعيدني خطوات وقد أطبق على رقبتي، فـأقع. أقع وقد سال الدّم منّي من الوريد إلى الوريد. أعاود الوقوف، وبكاء لا أقوى على كتمانه، بحثا عن والدتي علّها تسعفني بهكذا مأزق علقت به. أتأمّـل حالي بعد هكذا موقف. وبالكاد تعلو ضحكات والدتي في حين ينساق إخوتي وهم يتهامسون؛ «إنّها تبدو مثل قطة ذُبِحتْ بــسكّين ليّن، و دم، ودمع، لبعض حين…!».. لم تفارقني صورتي تلك حتّى بعد كلّ هذه السّنين. صورة الذّبيح تجثو وتقبع معي بنفس الخــواء. .. أهرب من المرآة حتى لا أرى صورتي خلالها، بعدما أسعفتني والدتي مبتسمة وناهرة بنفس الآن وهي تضمّد جراح رقبتي قائلة:
«ما كان عليك أن تقتربي من حبل الغسيل !
أَمْ برأسك عينان لا غير ؟»
أستكين حينا، ثم أبتسم. وسرعان ما أنفجر ضحكًا لما آلت إليه حالي.
لكن سرعان ما تعيدني آلام رقبتي إلى التّذمّر مجدّدا، و أنا أرى حالي أمام مرآة وحدتي. فـأرى حالي جليّـا بـهذا الغصن الهزيل ينمو مخـتـنـقا رغم الرّطــوبــة تلفّ المكان ورغم هذه القتامة المنتشرة. أشعر بالإختناق. أحاول الصّراخ لكن، لا صوت يستجيب من حنجرتي. فـأعود الى حالي. أعود إلى وضعي الحاضر بين هذه الجدران الضيقة بعدئذ كتمتْ على أنفاسي حتّى لتكاد تُجْهز على آخرشهيق يليه زفير لم يولدا بعدُ. أستسلم لـهذا الوضع الذي اعتدته طوال الّسنين. ثم أنتبه إلى قدميّ! لاتزالان عالقتين بالأرض! أتمعّن أكثر؛ فأتبيّن أن التّراب الذي يواريهما لا يزال طريّا، نديّا. تتساقط قطرات المطر على كفّـيّ. ثم يغرقني سيل من أعلى رأسي حتى أخمص قدميّ. فأنتبه بذعر شديد، وأنتفض فأستفيق من غفوتي، لأتبيّن على حين غرّة، أن غصن الشّجيرة، رفيقة دربي ووحدتي، قد اعتلتها براعم خضر كثيرة! وحياةٌ جديدة تُـولَـدُ من خلف خواءٍ مُـدْقَـعٍ!
أستبشر خيرا. أحضنها برفق علّ بعض الدّفء منّي يلهمها حياة أطول. علّ معانقتي لـروحها تلهمها فرصة لترى النّور معي لو أعطت ثمارها يانعات هاهُـنـا، برغم الخواء، برغم البرد يغطّي المكان، برغم الفراغ من كل حسّ أو شعور.
أحضنها و أنا أتساءل :
“أتراها تفهمني..؟ هل تراها تعي حنيني..؟ هل تراها ستَبكيني ؟ أم أنها لو فارقتني ستنعيني؟ و ماذا لو أنها ما استطاعت صمودا أكثر، وتهاوت قبل أن أهوي حيث جذورها مثبتة بالأرض..؟ إرتعدْتُ لهذا المآل..! تخيّلتني بمتاهة وحدتي، دون حضورها، دون رفقتها، دون محاكاتها لي لَـوْ…! فـيعتصر بداخلي شعور مريع.
يتضاعف حزني، فأتقوقع أكثر. وتنزل دمعة على خدّي. أحمل حزني بين كفّـيّ، ألمْلِـمُ جرحا صار ينزف للـتّـوّ. أحرّك غصن الشجيرة، أو ذاك الهيكـل الصّامد إلى جـانبي. ذاك الكيان المتحرّك يلهمني بعض قوّة وهو ينتصب شامخا حذو روحي. يلقِّـنُـني درسا لأتحمّل وجع البنفسج يتولّد من خلف برعم، وُلِـدَ هو الآخر يصارع الموت، محـاذٍ للصّقيع، غارقٍ بالخلاء. أو كـفسيلة مُنِحت ْدهرا إضافيا لذي حياة.
و تسقط كل الأقنعة، لأجدني أمسك بيدي اليمنى كوب ماء صافٍ نقيّ وباليد اليسرى رداءً سماويّ اللّون، حريريّ الملمس، وأنا استعدّ لمغادرة قبرٍ كان يحويني وضوضاء كثير من حولي وقد تفتّحت كل القبور. وهلع كثير. وموجة عاصفة تحمل الكلَّ على سفينتها. تناولت رشفة من ماء عذب زلال وأنا أضع ذاك الرّداء وقد كان يبدو نضيفا، جديدا، أنيقــا. جذّابًا، بل رائًعا كــان ذاك الرّداء، يحاكي لون السّماء. بيدي حقائبي وبكفّي ماء الحياة وأنـا أسيرُ، أسيــرُ على بعد آلاف السّنين من الحياة.
ولازلتُ أسير استعدادا ليوم شأنه عظيم. و الغصن صامدٌ، لا يزال ينمو، كفسيلة تعيدني لماضٍ رافق روحي حيث تلك العتمة.
أضف تعليق