كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

وحدي، معها، من دونهم

شربل داغر





وحدي مع الشجرة، والهضبة، وصوت النهر، وما يتطاير في سماء من دون غيوم…
أكتب عنها بالنظر إليها، فأستفردها مثل دعوةٍ إلزاميةٍ لا فكاك لها منها…

وحدي معها، مع عناصرها،
من دون أنس،
كما لو انها طبيعة اولى، او
جغرافية من دون تاريخ…
وحدي من دون بَشرها، بخفتهم الجرمية،
بصفاقتهم المقيتة…
وحدي، فأتدبر لهم ما له ان يسيل بينهم وبين الشجر، والحجر،
ما له ان يوقد فتنة الملامسة، وشهوة المجامعة،
وغرام الوجدان بالنسغ والثمر والقمر…
قصيدتي تتدبر لهم حيوات غير ما يعيشون، في ذلك السريان المرتعش بين الفراشة والبسمة، بين حفيف الغصن واهتزاز جذعه فوق جذعها….

قصيدتي،
هذه الآن
التي تتسرى في مكان
من دون قدمَين،
من دون رَسْم،
بأجنحة من شغف،
بمحرّكات المشاغلة والمراودة والمواعدة…
بكل ما يسبق خطواتي،
بما يسابق لساني في تشهيه، والعينين في ما تريان ولا تريان…
في امتداد، واتساع،
في تحليق وتبعيد وتقريب وتغوير،
في ذلك الفضاء الذي يتكشف، لكي يلتمّ على نفسه،
بفجائية ما تراه لمحا، للحظة -قد تحتفظ بها، كما في حلم، او تندثر مثل فقاعة-
من دون استعادة، او ذكرى.

قصيدتي،
اللامكان الذي يستحيز له بناء غير معروف، او معهود…
هذا ما يجعلها لا ترود في مقاه، او منابر، او حانات، مأهولة بروادها،
بما يستبقون المؤدي به، بما يريدون سماعه منه،
فيطربون من دون طرب،
ويشاركون بما يغنيه، ويسابقونه إلى القفلة او القافية.

قصيدتي لِقوسِها
سهمٌ
يشتد قبل ان يرتخي
في هناءتها….
تجاسدُها،
في عريها، وهي في خفائها
في بهاء حضورها، وهي في مشغلها…
اذ تحتفي القصيدة بها، بأجمل ما يليق بها،. بإمكان ما للذة ان تكون،
في احتمال ما يتشكل منها فيه، وما تنشره من هالة النعمة في جحيمها المشرق…

قصيدتي، معها، ولها
إذ تبيح ما هو محتمل، وإن في بّعدها،
وتسمح لما لا يُرى بأن يُرى،
ولما يختفي، أن يتعرى،
وللصوت أن يتعالى في فضائه المنير من دون باب او ملامسة…

قصيدتي، لإمكانها معها،
إمكان اللذيذ في احتجابه، في تمنعه، في تفلته الشاسع والحر، بين الشجر، أو في تدافعات النهر، أو في مداعبات الهواء للوردة التي في جنبات واديها…
يا التي تشعُ من دون أن تكون جسدا،
ولا بيتا يشخر في بيت آخر…
يا لما يمضي في اتجاه القصيدة، في أوعية متصلة، بين تكوين وتكوين…
يا للتدافع الذي يسبق الكلام إلى منحنياته،
مثل ارتداد الصوت على منبعه.

دعيني، قصيدتي، أرتوي من دون شبع،
وأهز براسي وغيره ذات اليمين وذات الشمال، بقوة الجرس الفتّان الذي يمتد أبعد من الحنجرة، ومن الاذن…
دعيني أشعل بِعُودِ شغفٍ بسيط هذا المدى الرحب، فأتوقد وأنير، وأدسّ يدي في بدن الوقت،
وأتحسس ارتعاشاته قبل أن ألمسه، وبعد أن ألمسه.

هذا اللمس من دون يد،
والقبضُ على ما يدلهم في عتمة أحجار،
يعدو قبلي، ولا يصل مثل قافية.
يتعداني،
وابدو لاهيا به، كما لو أنني احمله،
فيما الحوذي يُحرّك يدَيه من دون عربة،
والعربة، في أخاديدها، ترسم ما لا تخطّه غير القصيدة في غبار الفضاء.

يا للقصيدة، يا للصَّدفة التي نتشبث فيها إمكانا أخيرا لما يمكن ان نكونه، ونستمع الى أصواتنا فيها!

ايتها القصيدة، جديني فيك.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.