كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

لاعب الظّلّ ولعبة المواقع

د. رائدة العامري

تعدُّ الرؤية القصصية رافدًا معرفيًّا مُهمًا يترجمُ همومَ الآخر ومفاهيمه ومكنوناته ومكبوتاته اللاواعيَّة ومرجعياته الفكريَّة المُستقبليَّة، فضلًا عن رسمِ بعض العادات والتقاليد عن طريق صفحات القصص، لأَنها تقول ما لا يقولهُ التاريخ، وتصرحُ بما لا يسمح التصريح به أَحيانًا، وتظهر ما لم يظهر في رؤية الواقع من أَحداثٍ وأَفكار مهمشة ومحظورة.
إذ حظيت المجموعة القصصية “لاعب الظل”، للكاتبة التونسية عواطف محجوب، حمولات فكريَّة سارت عليها خطى القصة، وذلك بتتبعِ الثيمة المُحوريَّة التي تحركت فيها الشخصيَّة داخل القصص، إِذ تنتقل من موقعٍ لآخر مُغاير للموقعِ الأَول بدافعِ الوصولِ إِلى غايتِها المنشودة.
ويتجلى ذلك اللعب الموقعي أَو الوظيفي للشخصيَّةِ عن طريق إِظهار نسقين:

الأَول هو النسقُ الظاهر الذي وقعت به الشخصيَّة ومثل دورها في الحياةِ داخل القصة.

والثاني هو نسقٌ مُضمر كان دفعًا للشخصيَّةِ للتنقلِ من موقعٍ لآخر، بحسبِ الهدف المنشود بلوغهِ لهذه الشخصيَّة.
فضلًا عن أَن تنوع أدوار الشخوص يأتي من غنى التجريب وعدم الإرتكان إِلى التنميط أَو التَكرار، الشيء الذي يدعو إِلى رؤيةٍ مُغايرة لهذا النوع الذي يتقارب مع طموح المُخيّلة، ويلتقي في جوانب أخرى مع كيانات هذا الواقع وهمومه التي لا تلجأ الشخصيّة إِلى تسطيحها بفيض ذاتيتها وأَشياء مُكررة، ولكن بتبئير أَحداث مُعينة، وإِضاءتها بطريقةٍ تُثير الرعب والحيرة في نفسِ المُتلقي وهي لُعْبَةٌ للمواقعِ الوظيفيَّة التي تقوم بتحولات وتقلبات عن طريق لبسها لأَقنعةٍ مُختلفة تتقمّصها للقيام بأَدوارٍ عدَّة تحت وطأة وتأثير مُؤثرات أَو أنساق مُضمرة تمثلت في أسطورتِها الشخصيَّة.

إن قدرة الشخصيَّة على تقمص الأَدوار المُختلفة التي يُحمِّلها الكاتب يجعلها في وضعٍ فعال، بحيث انه بواسطتِها يمكن تعرية أَي نقص وإِظهار أَي عيب يعيشهُ أَفراد المجتمع، فمن هنا يتضحُ لنا إِنَّ لُعبةَ المواقع في الشخصيّةِ تقوم في وجهٍ من وجوهِها بدورِ (النقد) الذي يؤشر عيوبَ ومحاسنَ الأَفراد في المجتمعِ، لان هذه الأَدوار “تُسلط بعضَ الأَضواء على عُمقِ التنشئة الاجتماعيَّة”. إذ تقترب إِلى حدٍ ما من مفهومِ الهويات المُتحوّلة أَو المُتعارضة في السرد، والذي هو إِسقاطٌ استباقي لم يُبرهِن عليه نمو الشخصيّة في العالمِ المُتخيّل، وليس ثمَّة مستندات سرديّة تحيل عليه، إِنَّما جرى وضع الشخصيّة في إِطارٍ جاهز لتبرهن عليه، وذلك ما يُسمح به ويحرص على إِنتاج (الهوية)”، إذ إن لكلِّ تقلب ولعب موقعي أَنساق تحثُّ الشخصيَّةَ إِلى اللعبِ والانتقال من موقعٍ لموقعٍ آخر بغيَّة تحقيق ذلك النسق المُضمر، ولا تخلو شخصية من ذلك في ملعبِ الحياة الواسع، سواء كانت شخصيَّة حقيقيَّة (واقعيَّة) أَو شخصية خياليَّة .

فمُنذ قراءتنا الأولى للمجموعة القصصية لاعب الظل، تبيّن لنا الكثير من الإشارات النسقية للعبةِ المواقع هنا وهناك بين صفحات هذا الكتاب ، ولكننا رأينا أن نُركز على الظاهرةِ الأَبرز، حيث قامت هذه الشخصيّة باللعبِ الموقعي والانتقال لأكثر من موقعٍ وموقع بدافعِ أنساق كامنة في ذات الشخصيَّة التي تمثلت على وجه الدقة بـالأسطورةِ الشخصيَّة للمرآة التي تعكس الأشياء بلعبة خفية مغايرة في هدفِها وغايِتها وحلمِها، وتصارعها مع انساقٍ واقعيَّة ظاهرة، هذا الصراع دفع شخصيَّة للعبٍ موقعي وتقلب ظاهري بغية تحقيق تلك الأسطورة للوصول لهدفها المنشود في الحياةِ ،حيث تنطلق الشخصيّة مُتنقلة بلعبٍ موقعي من التحريك والمضي في التحديق إِلى البحث عن المجهول، ثم مُغامر للبحثِ عن تاريخ بمرآة تعكس صورة الواقع المغاير ومن ثم (عاشق) للانتظار بأنامله المتسخة ثم يترك ذلك العشق مُنتقلًا لموقعِ السفر داخل البيت المتسلط محاولا العودة لـموقعِ الحياة والاستقرار.

فكلّ هذا الانتقال الوظيفي واللعب الموقعي في الشخصيات كان بدافع انساق تمثلت في الحلمِ والطموحِ والذهاب نحو تحقيقها فعندما نقف عند عنوان المجموعة القصصية (لاعب الظل)، الذي ينطوي تحت العدم والوجود وذلك كون مسار النص يعطي وظيفة ثقافية اجتماعية ماتعة تحمل إطار جمالي نقدي يوثر في فكر ونفس المتلقي. ويشكل عتبة نصية مضمرة قائمة على مفارقة تدل على لعبة سردية مقصودة من قبل القاصة، فقد أبدعت في استثمار النص فنيا عبر نصوصها المتوالية. إذ أن لها رؤية ودلالة ثقافية لتلقي النص والتلذذ به والتفاعل معه، وهذا ما نجده يرادف بصورة أو بأخرى لعبة المواقع. فجعلت من الشخصية الرئيسة تلعب دور الناقد الذي يعكس رؤية القاصة اتجاه المجتمع والبيئة التي جسدتها في نصها كي تؤشر عيوب المجتمع وتكشف عمق تأثير التنشئة الاجتماعية.

سوف نتناول هنا بشيءٍ من الإيجاز قصة “المهجوس” التي تمثلها اللعب الموقعي للمرآة والتي تضمَّنها النسق المهيمِن ليكشف عبرها عن الأنساق المضمرة بالنسق الثقافي.
إذ يعد النصّ بناء استثنائيا يحمل رؤية التجديد وذلك لتمرير أفكار وأيدولوجيات للآخر تبتغي القاصة عن طريق النص كسر كل القيود الفكرية . إذ ذهبت في هذه القصة إلى استخدام (الحذاء) كأيقونة متكررة ومتجددة، تحمل حمولات ثقافية مختلفة، وثابتة لتسجل حضور لفظي أيقوني تستدعي مسكوتا عنه إيديولوجيا/ اجتماعيا.

لقد وظفت هذه الأيقونة كدلالة نسقية ثقافية اتخذت منه إطارا نقديا (السلطة والمجتمع)، لتكشف الأيقونة عن انفعالات الآخر الرافضة، التي تكسر الحواجز والرغبة في الهروب من الصورة النمطية.
“تدحرج الرأس وغادر الدماغ جمجمته، استقر في حذائه الذي صعد بين كتفيه متخذا هيئته. مشى على رأسه كثيرا ولم يستطع التوقف فتورم من شدة انحدار الطريق.. من وراء الجموع طيف بعيد يلوح له مشى ضد التيار جاهد حتى لا يجرفه سيل الرؤوس النازفة وقد أضناها التفكير والمشي.

يحمل النص جدلية الصراع للأنساق الاجتماعية التي تحاول تهميش ذات الآخر في تحقيق أهدافه، مما دفع بالشخصية القيام للعب بالأدوار والانتقال من موضع إلى آخر لتحقيق ذاته.

لقد أبدعت القاصة عن طريق هذه الثيمة تنزيل الفكر مقام الحذاء إذ جعلت لها أبعاد دلالية استخدم كآلية نسقية لكشف المضمر كفكرة تعود إلى العبثية في التفكير التي لا تعير أهمية إلى الأفكار المنطقية، فكل شي هو عبث.
“- من أنا؟

– ألا تعرف؟ أنت العدم

– لا تستغرب!

-وهذا العقل وأنا الجسد، وذاك الوجود؟

– لا يهم، هل تعرف من أنت؟

– ماذا؟. ه مقاطعا إياه بنبرة غاضبة.

– لا ،لا تتوهم، ذاك سراب!

– قهقهت صورته المنعكسة وتلاشت رويدا رويدا. تلمس المرآة، بلور مطلي بارد ولا شيء غير الخواء. بحث عن نفسه عن طيفه، عن خطوط وجهه فيها ولا أثر، نظر إلى الشارع من النافذة ثم فتح الباب وتهيأ للخروج مجددا. وجد قبالته نسخته تقف وتردد: عدم يمشي على قدمين، لمعت الأحذية هيا هيا إلى الحانة”.

انتقلت هنا الشخصية الاضطرابية القلقة من موقعِ السائل إلى المسؤول، لفتح الأفاق على العالمِ نحو أَسطورته، التي لا تخلو من الحمولات الفكريَّة العميقة لتجعل الأفق مفتوحًا وممكنًا، إذ نلمح الصراع بينَ الحلمِ ونظرةِ الواقع الاجتماعي لرغبةِ الحلمِ، التي تتجه إِلى تحقيقه بارتيادِ لعبةِ المواقع والانتقال بدافع نسق الأَسطورة الشخصيَّة.

“إذ لم يشأ أَن استيقظ قام يتقيأ استلقى على الأريكة يأخذ نفسا وبينَ صراعِ البقاء مع واقعِ المرتبك وبينَ الوصولِ إلى مبتغاة لتحقيق طموحه فمن شدة الانتهاك ببطء ارتدى ملابسه وقصد النزل الذي يقام فيه المؤتمر”.

لن يستسلم للحياةِ وبدافعٍ من نسقِ (الأسطورة الشخصيَّة) الكامنة بداخلهِ والتي باتت هي أسطورةُ الصبر، راح يصارع الحياة بُغية الحصول على المبتغى لتحقيق مسيرته نحو تحقيق ذاته. فتنتقل الشخصيَّة بدافعِ نسق الإِرادة الكامنة في ذاتِها الباحثة عن الذات والآخر. فجاءت القاصة بمعادل موضوعي مهيمن ينم عن غصب فكري اجتماعي وسياسي وإيديولوجي معاش لوضع مهيمن بمقابل موضوعي ضدي، إضاءة مقرونة بعدم الاستقرار سرعان ما يرمي ما في داخله لتؤدي حالة انعكاس الشخصية إلى حالة نفسية اضطرارية قلقة، وبالتالي مهما تكلم لا يستطيع أن يوصل كلامه للمهيمن لأنه كان يوما من الأيام وهو من أوصله إلى الانتهاك لكن سوف يواصل طريقة لنقل الحدث بلغةِ أو دلالة نسقية تدرك الفرق لتحقيقِ حلمَه وطموحَه وأسطورتَه المنشودة في الحياةِ، فيجتاز الصعاب تلو الصعاب ليصل إِليها. إن من يتكاسل ويتعايش على السلبِ والنهبِ لأسطورة الآخرين في الحياةِ هو حال السلطة المهيمنة. فالقاصة ذكاؤها لافت في بيان ضغط دافع النسق الحقيقي الكامن في الذات ليعود النص بالانتقال وبلعبٍ موقعي أَخير مُنتقلًا من موقعِ التردد يكشف لنا عن الأَنساقٍ ثانوية مُضمرة التي كانت قابعة تحت وطأة النسق الرئيس كـ (نسقِ النظرة الاجتماعيَّة والإرادة والطموح والحب وغيرها)، ما يُضمر من الأنساق والكشف عنه هو السبيلُ للخلاصِ والنجاح، إِذ أحيانا يكون المُضمر والمهمش والمحظور مهم جدًا وواجب تعريته وكشفه.

“تدحرج الرأس وغادر الدماغ جمجمته، استقر في حذائه الذي صعد بين كتفيه متخذا هيئته. مشى على رأسه. تكاثر انتشار لعبة الظل لا في الحذاء فحسب بل في جميع أرجاء المكان ثم تنتقل بنقد العاملين في المؤتمر والثقافة. فأصبح ذا خبرة وحيوية في تكوين الحياة.

تحمل هذه المجموعة القصصية (لاعب الظل) في أعماقها خمس وعشون قصة ذا عمق ورؤية نسقية دلالية محورية، لكن لابد من القول أن القاصة عواطف محجوب تملك أسلوبا سرياليا جميلا، أي انه أسلوب حرفي فوق الواقع، حركي، ذو ثقافة وفن، يعبر عن العقل الباطن بصورة يعوزها النظام والمنطق، وهو أيضا آلية نفسية خاصة قد تتحدى العقل.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.