كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

شربل داغر

الفصل الرابع من رواية شربل داغر الجديدة: "اللوحة المحجوبة"

هند لا تحب العربية. انقطعت عن القراءة بها لصالح مجلات أجنبية. امتنعت عن الكتابة بها منذ فروضها المدرسية. كانت قد تعلقتْ ببعض القصائد العباسية، وحفظتها غيبًا، ولكن مثلما يتعلق المراهقون والمراهقات خصوصًا بأغنيات فيروز وأم كلثوم.
غير أن هذا لم يكن السبب الداعي إلى السرد عنها، فيما تتكفل لينا وعصام وغيرهما بذلك.
بل كانت هناك دواع أُخرى، أكثر خفاء وغموضًا، ما يشملها، وما… يشملني بدوري.
فأنت تعرف، يا عزيزي، أن في السرد لذة والتذاذًا يتعديان الحكي والإخبار:
هذا ما يجعل حاسوبي أكثر من لوحة مفاتيح، وأكثر من كلمات، إذ يتحول إلى غرفة، وبانيو، وسيارة، وإلى اندلاع شهوة هند بين أصابعي.

كانت صدمة هند قوية. لم تكن تشبه وقوع الحجر، أو الصخرة، فوق حياتها، بل كانت أشبه بشلال ماء قوي راح يتساقط فوق فستان عرسها الأبيض، الذي خصصتْ له قسمًا واسعًا من إحدى خزانات ملابسها. الشقة واسعة، لكن الرنين العميق وصلَها، وهي تَعبر أحد الصالونات القريبة من مكتب سمير. عاودتْ سماع الرنين بقوة أكبر، عندما استعادتْ خطاها بالعكس. كان سمير يُقفل مكتبه عادةً عند خروجه: لا يريد أن يقع أحدٌ من عمّال الشقة ومعاونيه على ما فيه من ملفات ووثائق، يتصل بعضها بأمور الدولة وقضاياها الحسَّاسة.
اقتربتْ من الباب الزجاجي السميك، أمسكتْ بمقبضه الحديدي، فإذا به يُفتح بسلاسة: لعله نسي هاتفه الخلوي في المكتب… راحتْ تتفرج على محتويات المكتب، كما لو أنها تكتشفه، إذ قلَّما أتيح لها البقاء فيه، مع أنها سيدة البيت. الكتبُ متراصة بانتظام: سميكة، بألوان جلدية معتمة. بالعربية والفرنسية، من دون أن تُحسن فهم عناوينها النافرة أحيانًا، ولا معرفة أسماء مؤلفيها، النافرة بدورها أحيانًا. الكتب شديدة الترتيب، لا تَجد فيها كتابًا مفتوحًا فوق طاولة المكتب العريضة، ولا آخَر ملقى على الكنبة الخضراء اللون، والمقابِلة للطاولة. الكتب مصفوفة، لامعة، بدليل أن عاملة التنظيف ما كانت تُمضي في تنظيفها الأسبوعي سوى دقائق معدودة.
لكن رنين الهاتف عاودَ من جديد، وانتبهتْ إلى وجوده في أحد جوارير الطاولة. ما أن اقتربتْ منها، تعالى الصوت أكثر. كانت فتحة الجارور مقفلة، لكن المفتاح فيها: لعله خرج على عجل… كانت شاشة الهاتف تلمع، وكان اسم: عفاف يلمع فيها. ما إن أَخرجتْ الهاتف، انقطعَ الرنين. عفاف اتصلتْ أكثر من مرة. هذا طبيعي، إذ إن سمير يمضي نهاره، اليوم، في طرابلس، في مكتبه الآخَر، للِّقاء والاستماع إلى شكاوى الناس ومطالبهم: أكثر من أربعة اتصالات هاتفية منها، ورسالتين صوتيَّتَين.
هذا الهاتف لا تعرفه. كيف ظهر؟ أهو هاتفٌ لضرورات العمل؟ كيف تعرفه عفاف، سكرتيرته، ولا أعرفه أنا، هند، زوجته! لماذا هذا الإلحاح مِن قِبَلِها؟ أهناك أمر طارئ، عاجل، استثنائي؟
كان سمير قد ترك البيت قبل أكثر من ساعة. وَدَّعَها على عجل، بعد أن تأخر في الاستيقاظ: أخبرَها، في المساء، أنه ماضٍ إلى الشمال منذ الصباح الباكر، وأنه قد يمضي ليلته في بيتهم الآخر. لم يتناول فطورَه كالمعتاد، وهو أهم وجبات الأكل لديه… ودَّعَها بسرعة، من دون أن ينظر إلى وجهها، من دون أن يطلب منها الدعاء له في واجباته وأعماله. وما إن خرجَ، حتى عاد سائقه بعد دقائق قليلة، لكي يأتي بالجرائد، التي يستسيغ قراءَتها في السيارة، من دون شك، أثناء الرحلة.
جلستْ على كرسيه الجلدي الوثير، ووضعتْ الهاتف الخلوي أمامها، من دون أن يرنَّ من جديد. لا تَعرف ما الذي دعاها إلى تفقد قائمة المكالمات في الواتساب، ولا سيما مكالمات عفاف. إذا بها تقع على عدة محاولات اتصال من قبل عفاف، من دون مجيب، وعلى تسجيلَين صوتيين لها، هما الأخيران لها في هذا الصباح الربيعي. في الرسالة الهاتفية المسجَّلة الأولى تستفسر عن تأخره: الرسالة عادية، لكن طريقة توجُّهِها بالكلام إلى زوج هند غريبة: كيف تقول له إنها تنتظره في الشارع العريض!؟ لماذا في الشارع، وليس في مكتبه، حيث تعمل! أما التسجيل الهاتفي الثاني فقد كشف المستور: هل أسبقُكَ إلى الشاليه؟
عفاف، السكرتيرة المحجبة، عشيقة زوج الست هند!

سارعتْ هند بالطبع إلى الاتصال بسلمى. لم تصدق أمُّها ما أخبرتْها به، فأَعاَدَتْ على مسامعها التسجيلَين الصوتيَين. طالبتْها بإرسالهما إليها، ثم استدركتْ: سينتبهُ سمير، إثر عودته، إلى أنك عرفتِ بوجود الهاتف، وبسماع التسجيلين. هذا ما شغل بالها، فيما كانت تراود هند، بحرقة، فكرة اللحاق بسمير، لمباغتته في الشاليه، على شاطىء القلمون: ماذا أفعل؟ هل أنتقلُ إلى الشمال، بدوري، وألتحقُ بها في بيته، في بيتنا القديم؟ هل أفضحُه في المسبح؟
طلبتْ منها والدتُها – على عادتها – الهدوء والتفكير، للوصول إلى إزاحة هذه الصخرة عن كتفها. أمهلتْها بضع دقائق للتفكير وحدها، على ألّا تقوم هند بأي عمل، وتنتظر قرار سلمى النهائي. رضختْ لها، كما كانتْ تفعل في مرات سابقة. كيف لا، وهندُ ابنتُها الوحيدة، وتكاد أن تكون أختها الكبيرة، لا أمها المطلَّقة وحسب.
كانت هند في فراشها، بقميص نومها، في الجهة التي تنام فيها، فيما يتبدى الجانب الآخر من السرير، جانبُه الذي تتراكم فيه الوسادات، كما يحبُّها تحت رأسه، وفوقه. مدَّت يدها اليسرى صوب مكانه، كما تَفعلُ عادة في الليل، إذ تَعمد إلى لكزه، لتبديل وضعيته في النوم، وللتخفيف بالتالي من شخيره المتصاعد. مدَّتْ يدها لكي ترمي الوسادات على الأرض، ثم نزعتْ اللحاف حتى أسفل السرير، كما لو أنها تَتفقد ما اختفى عنها فيه، أو تَتحقق من وجود عفاف الخفي إلى جانبها.
كانت في السرير من دون حاجة إلى النوم. كانت تَنطُّ فيه، كما في سرير أيام طفولتها اللاهية. لكنها كانت تَشدُّ على جسمها، على أعضائها، وتَتحسس وجهها للشعور بالانقباض عينه في ملامح وجهها الرقيق…
سلمى لم تتأخر في الاتصال بها: لا عليكِ. لديَّ خطة. لا تتحركي. سأقوم بإرسال أحدهم إلى مسبح القلمون للتأكد من وجود سمير فيه، وآخر إلى مكتبه للتأكد من وجوده فيه. وعندما سألتْها هند عن دواعي هذه الحيطة معه، أجابتْها: هل تريدين كشفه بالجرم المشهود؟ هل تريدين إنهاء ما نجحْنا فيه منذ ست سنوات بردةِ فعلٍ حمقاء ومجنونة !؟ ثم استدركتْ: لعلنا نخطئ في تقديراتنا؟ لعل هاتفه المجهول خصَّصَه لأعماله فقط، ولمعاونِيه. ماذا إذا أخطانا التقدير؟ ألن يُقدم عندها على الطلاق منك؟
بقيتْ في غرفتها، على الرغم من إلحاح عائشة، مدبِّرة المنزل، على تناول الفطور، هي التي أعدَّتْ لها، منذ شهور قليلة، أعشابًا تزيد من احتمالات خصوبتها المتعثرة: لا أريده هذا الطفل، مع أنه طفلي المُرتجى، وهو الدليل على أنني زوجة سمير الصالحة، ولو الثانية. هو ليس طفله، على أي حال، لأن له بنتًا، وشابين، من زوجته الأولى، وأن عبد القادر منهم بات متمرسًا في المحاماة بدوره، ويتعلم مهنة السياسة معه.
بقيتْ جالسة في السرير، في ناحيتها، من الجهة اليمنى منه، التي تبعد عدة أمتار عن الحائط الخارجي. إذ كانت تَطلب التمدد في المسافة الفاصلة عن الحائط لإجراء تمارين صباحية تزيد من لياقتها الجسمانية. بقيَتْ مثل المختبئة، كما لو أنها فقدتْ مكانتها كسيدة للبيت.
ها إنها تَصحو، وتصحو نظراتها على ما يحيط بها. كما لو أن عينَيها كانتا تنظران إلى سمير، والشقة، والحائط، والمكتب، من دون أن تريا ذلك. الصخرة، التي وقعتْ عليها، كبيرة، على أمل ألّا تهشِّمها…

رنَّ هاتفُها، هذه المرة. لم يكن سمير، الذي يتصل بها عادةً إثر وصوله إلى طرابلس. ولا سلمى، والدتها. بل كان عصام الفنان: كان من المفترض أن تتصل به مساء أمس، لإخباره عن عدد من اللوحات، كانت ترغب، هند وزوجها، الإتيان بها من بيتهما الآخر، وعرضها عليه، لفحصها والتأكد من قيمتها. كانتْ قد نسيتْ ذلك تمامًا، إذ إن سمير هو الذي كان يدفعُها للقيام بذلك، فيما لا تَجد نفعًا لها منه. سمير، هو الآخر، نسي ذلك، منتظرًا ربما انتقاله، اليوم، إلى طرابلس لجلبها معه. نسيتْ ذلك من غير قصد. إلا أن هذا يعني عدم اهتمامها بما كان سمير يريد إشغالَها به، بدل تمضية النهار في الاطلاع على مجلات الموضة، أو في الذهاب إلى “الجيم” لإجراء تمارينها الرياضية المناسبة لرشاقة جسمها، أو لإعداد قوائم الأكل، وترتيب الطاولة لعشاء في البيت مع مدعوِّين كان سمير يريدُ التقرُّب منهم.
لم تَكن هند حتى “واجهة اجتماعية” له، مثلما يفعل غيرُه من النواب في المجلس النيابي. صارحَها، ذات يوم، في كونه يفكر في تهيئة “دور” لها، إلى جانبه: دورٌ اجتماعي بالطبع. لكنه تراجعَ عن الفكرة سريعًا، إذ قال لها: من الأفضل أن يراك الناخبون عن بعد، على مسافة، مخافة أن يبلبلهم جمالك… لا تنسي، أعدادٌ كبيرة من الناخبين فقراء، لا أريد منهم اشتهاء زوجتي، والتندر بما تلبس، وكيف تتصرف… هذا ما استعادَه في مناقشة أُخرى، مشجّعًا عنايتها بثروته الفنية البسيطة، التي ورثَها عن والده، من دون أن يعرف شيئًا عنها، ولا عن فنانيها، أو عن قيمتها…
رنَّ الهاتف من جديد. كانت أمَّها: لا داعي للقلق… سيارتُه ليست في كاراج مسبح القلمون… أما مكتبُه، في “الزاهرية”، فمفتوحٌ كالعادة، من دون أن تكون عفاف موجودة فيه.
رنَّ الهاتف مرة أُخرى. كان سمير هذه المرة. كان سريعًا في مكالمته، ومقتضبًا في الكلام:
-آسف، هل وقعتِ على هاتفي الخلوي؟
= عمَّ تتحدث، وأنت تكلمني به!
سكت سمير للحظة، ثم أخبرَها بأنه سيعاود الاتصال بها.
خرجتْ من الشقة حاملةً هاتفه معها، بعد أن قررت – من دون استشارة سلمى – استئجار خزنة في مصرفها، ووضعَ هاتفه فيها، وربما غيره.
لكنها أجهشت بالبكاء في السرير، في ناحيتها، قبل أن تَخرج من بيتها بهيئة امرأة مختلفة على الأرجح.

لم تكن هند طالبتي لكي أتابع دروسها ما بعد الجامعة، ولم أكن والدها الذي بات مبعدًا عنها. كانت مِمَّن ألحظ وجودها بمجرد مرورها في الجامعة، أو في إقبالها على “الجيم”… أيُّ واحد غيري كان له أن ينتبه إليها أينما كان، وكيفما تَظهر. من ناحيتي، كانت تستفزُّني بمجرد ما إن تَرفع يدها، او تُسقطها، في الهواء الذي تسري فيه قشعريرات متلاحقة من الهوس والشغف.
كان لي أن أتبعها من دون تردد، أن أتلصص عليها، أن أندسَّ بين ثيابها، أن أرغب في أن أكون التَّملمُلَ الذي يسري في أطرافها.
كانت هند تليق بقصيدة عباسية، مع أنها تدربت عند المسيو ريمون، ولم تعبأ بنصائح سلمى…

لم تسأل هند سمير أي سؤال في صبيحة اليوم التالي عند وصوله إلى البيت. عاود السؤال عن هاتفه الخلوي، فعادوت هند استغرابها لسؤاله هذا. فكان أن شرح لها أنه اشترى هاتفًا مخصصًا لمعاونيه فقط، من دون أن يعلم مكان اختفائه. فأجابتْه: لو تسأل عفاف. هي أمينة وحريصة للغاية… لعلّها تعرف عنه أفضل مني… نظر سمير إليها باستغراب، من دون أي ردة فعل، في نوع من التجاهل لما تفوَّهتْ به من كلام أخرق. فكان أن سألتْه عن اللوحات التي كان له أن يجلبها معه، فأخبرَها أن أحد مرافقيه سيأتي بها اليوم، بعد أن اختارها بنفسه لعرضها على المرمِّم.
كادا لا يتبادلان أي نظرات، ولا كلمات، في الفطور المتأخر. سألتْه عن يومه الطرابلسي الطويل، فاكتفى بإجابات عمومية، وبأخبار اعتيادية لا ذِكرَ فيها لأحدٍ تَعرفُه، أو لحادثة لافتة: الوضع الاجتماعي صعب… أهالي المساجين يشعرون أنهم مستَهدَفون… وتعطيل الانتخاب الرئاسي يعتبره الناس اعتداء على حقوقهم… أخبرتْه، عندها، أن والدتها ستمضي بضعة أيام معهما، وأنها ستصل بين دقيقة وأُخرى، حسب مكالمتها الأخيرة. اكتفى بالقول، قبل أن يغادر البيت: تمام، تمام… أراها في المساء. الغريب أنه لم ينتبه إلى أنه لم يتصل بها، ولم يستدرك أنه كان في إمكانه اصطحابها معه صبيحة هذا اليوم إلى شقتهما في “فردان”…
لم تكن مستعجِلة لحمل اللوحات، أو بعضها، إلى مشغل المرمِّم. كانتْ متحفزة للنقاش مع الوالدة، والتباحث معها في حالتها المستجدَّة.
هذا ما انصرفتا إليه فور وصولها، بعد أن وضعتْ حقيبتها الصغيرة في الغرفة المخصصة لها. طالبتْها هند بالجلوس في غرفتها، فوق سريرها، لا في أمكنة جلوسهما المحبَّبة، ولا سيما في الشرفة الداخلية المزينة بالورود والأزهار، التي كانت هند قد أطلقتْ عليها اسمَها: الحديقة الإنكليزية.
كانت سلمى هادئة كعادتها: الهدوء أوّلًا وأخيرًا، يا هند…
سلمى تتلقى الضربات مثل المقاتل الآسيوي، أي تتوقع حصولها، فتستقبلها، ما يجعل وقعها أقلَّ قسوة مِمَّا لو تصدت لها. هذا ما كانت تردّدُه على مسامع هند منذ سنوات المراهقة، أي خبرات القتال، والدفاع عن الجسم حسب الطريقة الآسيوية. هذا ما اضطُرَّتْ إليه، ما تعلمتْه، ما تدبرتْه، إثر إقدام زوجِها على الطلاق منها، وهند في سنوات المراهقة.
كانت صاحبة تجربة وخبرة، ما جعلها تُحسن التفاوض على شروط الطلاق. هذه الخبرة، التي حصلتْها، جعلتْها دروسًا مجانية لهند، بالطبع، وخياراتٍ ومقترحاتٍ لتدبير حياتها. فهي لم تُسرع في الموافقة على زواج سمير منها: على هند أن تُنهي شهادتها الجامعية، ثم شهادة الماستر… بينما كان سمير يَطلب الإسراع، بعد أن وقعَ نظرُه على هند في حفل انتخاب ملكة جمال جامعة البلمند، وإثر فوزها باللقب. كان النائب سمير راعي الاحتفال؛ وهو الذي قلَّدَها وشاح التتويج. بل انتقل من طاولة الشرف إلى طاولة والدتها، في فقرات الحفل اللاحقة، لمحادثة أمِّها، والتعرف المقرَّب إليها. كانت إحدى قريبات والدتها، الطرابلسية بدورها، متزوجة من أحد المسؤولين في إدارة المرفأ، وكان متعاونًا مع طموحات سمير السياسية والوطنية: عبد الرحمن، زوج قريبة والدتها، سيصبح هو وزوجته “مرسال الزواج” بين والدة هند وسمير…
هند مطيعة، لكنها شديدة التوتر، عدا أن فستان عرسها تقطّع تمامًا، وبقي في الخزانة مثل جثة مجهولة، أو لم يتمّ العثورُ عليها بعدُ…

لا أعبأ بما يحصل لهند. كان يكفيني أن تُبقي فتحات صغيرة لي لكي أتنعم بها، بما يحدث لها بينها وبين طفرة جسدها. كان يعنيني الاقتراب أكثر منها من دون أن أتمكن من ذلك.
كان يعنيني، ولو ملامستها بهذه الحروف المتوثبة…
لم تكلفني بسرد ما يَحدث لها، لكنني تكفلتُ بذلك من تلقاء نفسي، من قبيل التلصص، ولو عبر فوهات الحروف.
ألا يحقُّ لي أن أكون شريكًا في ما يجري، من دون أن أنقل خطواتي فيه، وأن أتحدث عن مسار هند المثير، من دون أن أتبادل معها أي كلمة؟
أسيكون بمستطاعي أن أكون عينًا داخلية في هاتفها الجوال، وطيفًا يرافقها في عتمة ليلها الصاحي؟
هند لا تسمعني عندما أحادثها. هل سيقع بين يديها ما أكتب عنها؟

كان على هندَ، حسب الاتفاق السابق مع عصام المُرمِّم، أن تنتقل إلى مشغله لفحص الأعمال الفنية. كانت قد بدأت تعتني بهذه القيمة العالية التي تزدان بها اللوحة: تُزَيِّن بيوت الأثرياء، ومنها بيتهما، البيروتي خصوصًا. وهي قيمة مالية تنير هذه الأقمشة الصغيرة الموضبة في إطار خشبي. كان عصام خبيرًا في تسعيرها، وفي إعدادها في أحسن حلَّة، في حال تعرِّضها لخدوش أو تمزقات وغيرها: هذا ما تأكّدَ سمير منه، منذ سنوات بعيدة، عندما جرى تكليفه بترميم تمثال “ساحة الشهداء”، الذي كان مثقوبًا برصاصات الحرب وقذائفها…
إلا أن هذا يحتاج إلى معرفة، إلى خبرة، إلى “شطارة” مهنية كذلك. هذا ما كان عصام مستعدًا لتعريفها به: ألا يكون يتقرَّب مني عبر اللوحة؟ قد يكون كذلك. هذا ما لمحَتْه في بريق عينَيه، لكنه يخشاها من دون شك.
اعتذرتْ من عصام، على أن تتصل به في وقت لاحق لتدبير موعد آخر. كان عليها استشارة والدتها، ومناقشتها، في ما يُمكِنُها القيامُ به بعد انكشاف أمر سمير مع عفاف، السكرتيرة.
سلمى كانت هادئة، كعادتها، في الشدائد. عاشت أسوأ من هذا مع زوجها، الذي طلَّقَها من دون أن تعرف –حتى اليوم – سبب ذلك. بدورها كانت جميلة، مثل هند، وكان جمالُها دافعًا أكيدًا للزواج منها، مِن قِبَل أحد أثرياء طرابلس العاملين في دبي. هذا ما انتبهتْ إليه سلمى، عند عقد الزواج؛ وهو ما رفعتْ من قيمته، عندما بدا لها، في زلة كلام من زوجها، أنه كان مستعجلًا لإتمام عملية الطلاق.
لم تكن الوالدة متأكدة تمامًا من “خيانة” سمير لهند، ذلك أن الدلائل ليست كافية، أو دامغة. وهي لم تتحصل على “الأدلة الثبوتية”، كما قالت وردَّدَت على مسامع هند، ما يشهد ويؤكد على العبث بزواج سمير منها.
كانت لها حجج قوية، على أي حال: عفاف، في الوظيفة، منذ شهور معدودة… هي من بيئة محافظة، عدا أنها محجَّبة… لنفترضْ أنه أقامَ، أو يُقيم، علاقة عاطفية أو جنسية معها، فهي عابرة من دون شك. لن تدوم طويلًا… لنفترض أنها عشيقته، فهل يستطيع إيفاء حاجاته الجنسية معها ومعك، وهو قد تجاوز الستين من عمره!
ما تقولُه سلمى لهند حججٌ مقنعة، إلا أن هذا كان يحتاج إلى عقل باردٍ، حسابيّ، في تلك الساعات الكريهة التي كانت هند تتخيل فيها تلك السكرتيرة المحجَّبة والمترهّلة في بعض جوانب جسمها، تُقاسمُه السرير نفسه. لم تكن قادرة على التحليل، مثل أمِّها، ولا على المساومة مع زوجها، إن تأكدتْ خيانتُه.
كانتا في جلستهما، في “الحديقة الإنكليزية”. هذا ما كان يَحدث لهند معها، حين كانت تبغي مناقشة أمور حسّاسة في حياتها، من دون أن يتابع ذلك أيٌّ من الخدم والمرافقِين. لكن مناقشاتهما، هذه المرة، كانت خطيرة، تُهدد زواج هند، ومستقبلها. فوالدتها، التي خَططت لزواجها، بعد إعجاب سمير بهند، وجعلتْه ينتظر أكثر من سنتَين، تُدرك أفضل منها ما قد يصيب “مشروع حياتي”، كما كانت تسميه، وهو يكاد يكون مشروع حياتها بدورها.
كانت سلمى مرتبكة في محادثتها عن حياة هند الجنسية مع سمير. كانت تتابع معها حَمْلَها، ومع الدكتور نبيل، الاختصاصي في الإنجاب. لم تتردد، هذه المرة، عن التناول التفصيلي لممارستها الجنسية معه: ألا تُرضِين سمير جنسيًا، لكي يلتفت إلى دميمة قبيحة، مثل عفاف؟ ألَها موهبة خافية لكي تَجذبه إليها؟
ارتبكت هند في الكلام مع أمِّها عن هذه العمليات الحميمة، إلا أنها كانت تُدرك أن حياتها الجنسية معدومة قبل زواجها. فجأة توقفتْ سلمى عن الكلام، ورفعتْ يدها اليمنى في وجه هند، كما لو أنها تريد إعلان شيء هام: أحسنتِ صنعًا بحفظ هاتفه الخلوي في خزنة سرية في المصرف… لكِ أن تَحمي نفسك… قد يكون مناسبًا لكِ، بدل الاكتفاء بتمارين رياضية في “الجيم” للحفاظ على لياقة جسمك، أن تعززي معرفتك بالعمليات الجنسية… عليكِ أن تَجذبيه إلى فراشك، أن تُتْعِبِيه، فلا يجد فرصة لمجامعة غيرك…
ساد صمتٌ بينهما بعد إرشاداتها الأخيرة. كانت تحدِّق في وجه ابنتها منتظرةً جوابها، الذي ما لبث أن صدر في صيغة سؤال: ألا يوجد “جيم” جنسي، كما للرياضة؟ أيكون عليَّ أن أمارس الجنس مع آخرين، لكي أحتفظ بزوجي وبزواجي أم أن عليَّ التركيز على مشاهدة الأفلام الجنسية؟

كادتْ هند أن تبكي من جديد، أمامها، هذه المرة، لكنها حبست دموعها بإصرار. لعل دموعها نضبت، تجمَّدتْ في الصخرة التي وقعتْ عليها. لعلها ستنهض بالصخرة بنفسها.
كانت متوترة خصوصًا. جرحَها سمير في كرامتها، في جمالها: هو لا يليق بجمال جسدي. لم يكن هناك من الحب بيننا، لكي أتلقى ما جرى مثل جرحٍ أليمٍ، ينزّ يومًا بعد يوم. ما جمعَني به في بيت، في سرير، كان من التدبير والتخطيط، سواء منه أو من والدتي. جعلني بطلب الزواج منه أعلو إلى المجلات الأجنبية التي كنتُ أتمتع بالنظر إليها… جعلني أندسُّ في تلك المخلوقات الساحرة، بأزيائهن ومجوهراتهن اللامعة. هو يشتغل في السياسة، لا أنا. لكنني أصبحتُ أشعر، بعد طلتي الجديدة معه، أنني صاحبة نفوذ، أدهى وأمكن من السياسة نفسها…
قومي، يا هند، مثل المقاتل الآسيوي. اللكمة بسيطة، لم تُبقِ سوى كدمة، كدمة نفسية.
عادت هند إلى تمارينها في “الجيم” بعد توقفٍ لأيام. كما مَدَّدتْ والدتُها إقامتَها لأيام إضافية. باشرتْ هند بهدوءٍ ومرونةٍ انتظارَ سمير ليلة بعد ليلة بمشهِّيات، بمقبِّلات جنسية، ولكن بعد العشاء. ما كان يترك البيت في الصباح، قبل أن تُطوِّق رقبتَه بيديْها، وتُكثرُ من تقبيله. هذا ما تَبدأُ به في السرير، من دون أن تجد التجاوب دائمًا منه، بحجة أنه متعب. لكنه أوقفَها، ذات مساء، عندما بدأتْ بنزع بيجامته عنه: من أين أتيتِ بهذا كله؟ تبسمتْ من دون أن تُجيب: القراءة مفيدة في الكتب… تبسَّمَ بدوره متابعًا: المهم ألا يكون هناك دروس خصوصية أو تطبيقية…
قلما كانت هند تخرج في “حي فردان”، أو في بيروت عمومًا، لقلة معارفها فيها. حتى “الجيم” طلبَ منها سمير اختياره في مكان بعيد من موقع شقتهما؛ فوقع اختياره على “الأشرفية” التي ليس لهما فيها معارف كُثر، يمكن أن تقع على بعض زوجاتهم فيها. بالمقابل، لم يكن مشغل عصام بعيدًا عن “الجيم”، ما جعل هند – بعد انقطاعها عنه لأكثر من أسبوعَين – تتفقُ معه على الإتيان بأعمال فنية لفحصها، وإصلاح بعضها.
سمير، بنفسه، هو الذي قادها في اتجاه عصام، ومشغله، بعد أن انتبهَ إلى كونها تعتني بالفن. هذا ما ظَهرَ في دراستها الابتدائية، حيث كانت تنصرف، إثر دروسها البسيطة في الرسم، إلى رسم أشكال مختلفة للدمية “باربي”. ما كان يهمُّها في رسمها، هو أثوابها الجميلة، التي كانت هند تتفنّنُ في نقل ألوانها الزاهية، وتبديلها، حسب ما كان يحلو لها. لكنها ما لبثتْ أن ضجرتْ من ذلك، خصوصًا وأن هيئة الدمية متكررة، متشابهة، في نهاية الأمر، مع أنها كانت تَظهر، بقلم هند، مختلفة، من دون قصد. هذا أضجرها، عدا أنها تيقنتْ، في أكثر من محاولةِ رسمٍ لاحقة، من أن الرسم ليس لهوَ أطفال، مثلما صوَّرَتْه لها والدتُها أو معلمة الرسم. توقفتْ عن الرسم، غير أنها كانت تعود أحيانًا إلى تخطيط أثواب نسائية، ولا سيما أثواب العروس التي كانت تفتنها.
هكذا كانت تُقلد خطوط بعض كبار مصممي الأزياء، التي كانت مجلة فرنسية تقوم بنشرها. كانت العملية أسهل من رسم عينَين لهذا الشخص أو ذاك. هذا ما قالتْه لعصام، في زيارتها الأولى لمشغله، عندما وجدتْ رسمًا وجهيًّا لخادمة البيت، سعدى، فوق طاولة عمله، بعد أن كان نظرُها قد وقع على الرسم أثناء توزيع فنجان القهوة وكوب الماء. طلبتْ من عصام مناداتها، والجلوس معهما قليلًا. تضايقَ عصام من الأمر، وسعدى تضايقتْ، فيما كانت هند تحمل ورقةَ الرسمِ، وتُقارنُ بين تفاصيل الرسم وبين تفاصيل وجه الخادمة. لماذا رسمَها؟ هل يمارس الجنس معها؟ هل أجبرَها على الجلوس أمامه لرسمها؟
عندما عادتْ هند إلى البيت، وقفتْ أمام المرآة، وراحت تتفحص تفاصيل وجهها المنمنم والجميل، والمنسق من دون عملية تجميل واحدة: أين جمال وجهي من بشاعة وجه سعدى! كان أنفها على شيء من الكبر في مقدمته، عدا أن الشفتين مثل شفرتَي حلاقة، فلا تُشجعان على التقبيل. لكن جسمها متناسق، وقد يكون أكثر جمالًا مما تَظهر عليه في هذا الثوب الذي يُخفي تفاصيله. وهل سيكون أجمل من تقاطيع جسمي، عندما ظهرتُ بثوب السباحة في شقتنا في المسبح البحري في القلمون؟ يومَها، صرخَ سمير ربما للمرة الأولى في وجهها: لن تخرجي من الشقة إلى المسبح! كانت المرة الأولى والأخيرة، التي سمحَ لها فيها بلبس ثياب البحر في المسبح، ولكن من دون أن تَسبح أبدًا، مكتفية بالجلوس معه، وبوضع ثوب خفيف فوق جسمها، ما أخفى تفاصيله المثيرة: هل أشتهي قلم عصام لتصويري؟

ما أعرفُه عن هند، هو أنها امرأة حزينة، مراهقة حزينة. لا تُخبر أحدًا بذلك، حتى سلمى، أمها. هذا ما يلمع في عينيها، وأراه. هذا ما يَجلس إلى جانبها، في الكنبة الوثيرة، وهي ساهمة وحدها في “الحديقة الإنكليزية”. هذا ما لمع في الشتاء المنقضي، في الزجاج الشفاف، من دون أن يلحظه سواي.
لم أكن ألاحقها، مثل غيرها. يكفي أن أستخبر من أمها، لكي أعرف ما ستُقدم عليه. لكن هند كانت تُمضي أوقاتًا عديدة، خاصة بعد زواجها، وحدها، ما يجعلها تلتقي بكثر مِمَّن يتنقلون بأحذية خفيفة، بأحذية الرياضة في “الجيم”. لكنها كانت تلتقي بأصواتهم: كانت مِمَّا لا يُحدث جلبة، ولا تتكلم وفق ترتيب حوار في مسرحية أو رواية. كانت أقرب إلى جدل ساخن في قاعة محكمة، وكانت هند فيها – كما كنتُ أراقبها – القاعةَ والحضور والمحامي والقاضي والمتهمة وراء قفصها. لكن الجلسة ما كانت لتتوقف، إلا وألحظ الإنهاك الشديد على هند، مع أن القاضي لم يُصدر أي حكم. ما كانت لتنقضي، حتى كنتُ أتحقق من أن الحزن قد لامس هند، بل قد تحلل في جسمها مثل السكر في فنجان قهوتها البارد.
في ذلك الغروب، شعرتُ بقربي من هند، ورحتُ أتنصت إليها، إلى أصواتها، بل إلى تفرد واحد منها في تلك الجوقة المحمومة.

انتقلت هند، بعد “الجيم”، إلى مشغل عصام. جلبتْ معها أربع لوحات تحتاج إلى فحص. لكنها كانت تتوقع نقاشًا مختلفًا بينهما: عن غسان الثري المقتول. أخبرَني سمير بمقتله، وتابعتُ بعض الأخبار عنه في جرائد الأيام التالية على مقتله: أتكون لوحة هي التي قتلتْه؟ قد يكون هناك سرٌّ غامض في حياته البعيدة عن المجتمع؟ ما ربطَه بحفيد أمير قطر الجد؟
سمير هو الذي طلب من عصام التعرف إلى غسان في حفل السفارة القطرية في فندق “الفينيسيا”. وهو ما صار. تَبادَلا، هند وسمير، معه عبارات قليلة، فيما كان غسان شديد التحفظ والاقتضاب في كلامه. كان سمير يرغب في زيارته، في الاطلاع على مجموعته الفنية. هذا ما عبَّرت هند عنه بدورها، فكان أن انبرى غسان في وجهها: ومن أين تعرفين مجموعتي؟ فأجابت: رأيتُ منها لوحتين لصليبا الدويهي في مشغل عصام. رأيتُهما بالصدفة، ووجدتُ تشابهًا بينهما مع ثلاث لوحات في مجموعة زوجي… وهي متشابهة في موضوعها.
كان في ودِّها إكمال المحادثة معه، بعد أن شكّكَ أحدُهم في صحة لوحات الدويهي، التي في مجموعة سمير، لكن غسان اكتفى بابتسامة، من دون أن يجيب، واعتذر. كانت المرة الأولى والأخيرة، فيما خفَّفَ سمير من ضِيقها، وأكّدَ لها أن غسان سيتيح لهما زيارة دارته ومجموعته. وعندما راجعتْ سمير في تأكيده هذا، أجابها بصورة قاطعة: أعرف غسان منذ سنوات… لن يتأخر عن دعوتنا في وقت قريب.
لم يرغب عصام في الكلام عن مقتل غسان، بل بدا عليه القلق: القضية رهن التحقيق، والإشاعات كثيرة. تَوقَّفَ قليلًا عن الكلام، ثم قال: ما كان سيسمح لك ولزوجك بزيارته، والتعرف إلى مجموعته الفنية.
كان عصام جازمًا في ما يقول، فيما كانت هند تتابع المناقشة: هل يعقل أن يكون الفن سببًا للقتل؟ نظر إليها نظرة فيها قربى، غير معهودة من قبله تجاه هند. ثم قرر الإجابة، إثر تردد: الصورة تكشف الكثير… لا الجسد الذي تُصوّرُه، بل باطن الجسد أحيانًا.
لم يكن مستعدًا لإكمال المحادثة. انصرفَ إلى معاينة لوحات الدويهي. عاينَها بسرعة، وأصدر حُكمَه: الأعمال مزوَّرة. الخبر صادمٌ، خاصة وأن سمير قد اشتراها بمبالغ عالية، طالبًا تعزيز مجموعته الخاصة عن الدويهي، وأن يُضيف إليها أعمالًا من مرحلة الفنان الأخيرة، التجريدية.
لم يكن عصام قابلًا لأي مناقشة. كان مرتبكًا للغاية. يتحقق من هاتفه، وينظر إلى ساعة اليد في معصمه، مع أنها سبق أن اتفقت معه على الموعد. كانت لها أسباب خاصة، خافية، للِّقاء بعصام هذه المرة. لم تكن والدتها على علم بقرارها هذا، ولا بخطتها.
هذا ما باشرتْ به، بالاتصال به، لكن هاتفه بقي مغلقًا طيلة بداية الأسبوع. بقي عصام واقفًا، لا لكي يتلقى الأعمال الثلاثة بيديه، بل لكي ينهي المقابلة على عجل: آسف…. يجب أن أفكَّ الأعمال عن أُطُرها الخشبية بعناية… يجب أن أفحص تخطيطات الرسم وألوانه.

اتّخذتْ سلمى قرارها: سننتقل إلى طرابلس لأيام، مع سمير، أو من دونه. لم تعجبْه الفكرة، عندما طرحتْها هند عليه أثناء العشاء، لكنه ما لبث أن وافق عليها في فطورهم الصباحي. وسببُ تردده، كما قال، هو الانشغال بجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، فيما كانت تُردِّدُ على مسامعه ما يردِّدُه كثيرون: التعطيل مستمر، ولا نهاية قريبة لهذا المسلسل.
أحبتْ سلمى أن تقيم مع هند، في بيتها. رغبتْ في أن يكون لهما الوقت الكافي للنقاش المزيد في ما يجب فعلُه قبل بلوغ زواجها من سمير نقطة صعبة، ما قد يؤدي إلى ما انتهى إليه زواجُ والدتها من والدها: الطلاق.
سلمى عَرفتْ قبل هند، بالطبع، أن سمير أشدُّ ذكاء من زوجها السابق، وأوسع حيلة. وعرفتْ خصوصًا، أن سمير أَقدَمَ على الطلاق من زوجته الأولى، ووالدة أولاده الثلاثة، بعد أن طلبَ وضعيةً جديدة له في طرابلس خصوصًا: زواجُه السابق لم يعد نافعًا له، بل مضرًّا بـ”طلته” السياسية، كما راح يستعدُّ لها، بعد أن كان قد قرر الإقدام – الجِدِّي هذه المرة – على الترشح إلى الانتخابات النيابية: كانت حليمة، زوجته الأولى، مناسِبةً لعيشه بين الدوحة وجدَّة، ولتربية أولاده في بيئة محافظة، لكنَّ تطلعَه إلى إداء دور سياسي غيَّرَ خططَه. فقد بات معنيًّا بدور “اجتماعي” لزوجته، بحيث تساعد – بطريقة لائقة وإنسانية – في توزيع “مساعدات” و”هِبات” على المحتاجِين المتزايدِين من أهل طرابلس وجوارها. كان يريد زوجةً، لكي يَظهر معها في مجتمع “الخواجات” من أهل السياسة والمال والفن. كما كان يريدها جميلة، لكي يتأمل جمالَها الفقراءُ والمعدومون، ولكن عن بُعد.
هذا ما عرفتْه سلمى إثر اتصال إحدى قريباتها بها، بعد حفلة انتخاب ملكة جمال جامعة البلمند… اتصالٌ أخبرتْ فيه الوالدة بأن سمير يرغب في زيارة بيتِها، بعد أن استعلم عن حال العائلة، وعن حالتها خصوصًا. فكان من أمي أن طلبت منها وقتًا، هي بدورها، للاستعلام عنه.
لم تكن سلمى قد أخبرت ابنتها، في السابق، عمّا كانت تخطط له. انتبهتْ الصبية إلى بعض ما كانتْ ترمي إليه، عندما أصرتْ على تسجيلها في دائرة “الإعلام وتقنيات الاتصال”، التي حلَّت خيارًا ثالثًا، حسب علاماتها، في امتحان القبول. لم يكن ممنوعًا قبولها في هذه الدائرة، إلا أنها كانت دائرة أقل تناسبًا مع مؤهلاتها. هكذا رافقتْ الوالدة ابنتها الشابة إلى الجامعة لترتيب إجراءات التسجيل؛ لكنها توجهتْ إلى مكتب عميد العلوم في الجامعة – وهو من معارف زوجها -، وطالبتْه بإسقاط خيار “دائرة العربية” بوصفه الخيار الأول وفق علامات القبول… وعندما استفسرَها العميد عن سبب ذلك، أجابتْه من دون تردُّد: ابنتي جميلة للغاية، وهي مرشَّحة للزواج في أي لحظة… لا أريدُ لها أن تنتظر في البيت… لا أريد أن تكون العربية خيارًا جامعيًّا لها، لأن هذا سيكون علامة اجتماعية سيئة لها عند طالبي الزواج منها… أما في دائرة “الإعلام وتقنيات الاتصال”، فالأمر مختلف. الاختصاص جديد، وله بريقٌ اجتماعي من دون شك… وكان لسلمى ما طلبتْه من العميد.
وجدتْ سلمى ابنتها في غرفة الانتظار، فيما كان مكتب العميد مفتوحًا، ما أثار دهشتَها: هل سمعتِ الحوار؟ فأنكرتْ هند… هذا ما أخبرتْها به، بعد جلوسهما الصباحي حول فنجان قهوة، إثر وصولهما إلى طرابلس. فكان أن ابتسمتْ الوالدة، وأجابتْ: لقد كنتُ مصيبة، أليس كذلك؟ غير أن ما كان يَشغل بال سلمى يتصل بعفاف: من تكون هذه!؟ من تكون لتنافس جمال ابنتي!؟
ابتلعتا القهوة على عجل، واتجهتا إلى حي “الزاهرية”، حيث مكتب سمير للمراجعات والخدمات. كانت هند قد حلَّتْ فيه أكثر من مرة، والتُقطت لها ولسمير صُوَرٌ فيه أثناء الحملة الانتخابية السابقة. إلا أن زيارتهما المفاجئة أربكتْ سمير عند وصولهما: والدتي رغبتْ في التعرف إلى المكتب قبل أن نقوم ببعض الزيارات العائلية الضرورية…
كان عليهما المرور بمكتب عفاف للوصول إلى مكتب سمير. ناداها سمير عبر الهاتف، وطالبَها بإعداد القهوة. لكنها ما أن أتتْ بصينية القهوة، حتى استوقفتْها الوالدة، وراحت تسألُها السؤال تلو السؤال: مَن تكونين؟ من يكون والدك وأمك؟ أين تعيشين؟ ماذا درست؟ كانت عفاف تقف أمامهم كما في فحص، فيما تُنقِّل الوالدة نظراتها عليها: من فوق إلى تحت، من تحت إلى فوق. وبعدما استنفدتْ الأسئلة، تبسمتْ، وقالت لها: شكرًا. ما شاء الله… اسمٌ على مسمَّى.
كانت الوالدة تسأل، وكانت هند تتفحَّص: أيُعقل أن تكون هذه، ذات المؤخرة العريضة، منافسة لي!؟ هذا ما قالتْه هند لسلمى فور خروجهما من المكتب، وبعد اتفاقهما مع سمير على الغداء في مطعم تحبُّه هند في “المينا”، في مواجهة البحر. لم تُجبْ الوالدة على استغراب ابنتها، لكنها عاودتْ جملتها السابقة، فكان أن أوقفتْ سلمى سيارتها على جنب، وحدَّقتْ بهند، وأخبرتها عن فيلم فرنسي يلعب فيه الممثل جيرار ديبرديو دور البطولة مع الممثلة الفرنسية الجميلة، كارول بوكيه: جيرار وكارول متزوجان، وهو يدير شركة رابحة، لكنه يقع في علاقة جنسية مع سكرتيرته… البشعة، التي تلعب دورها الممثلة الكوميدية: جوزيان بالَسْكو. ثم تابعتْ: الجمال ليس كل شيء؛ ولا يكفي. لم تُجبْ هند على ما قالتْه سلمى، فكان أن أضافت: قد يكون لعفاف مواهب في الفراش، لا تملكينها، يا هند.
كادتْ تبكي، لكنها تماسكت. بل حبستْ بكاءَها، فيما كانت تداعب مخيلتَها الصورُ الأولى لِما حدث مع عصام، في مشغله، لِما قد يحدث قريبًا.

بلغَنِي أن هند بكتْ أكثر من مرة، فيما لا تذرف “باربي” أي دمعة. كانت تتلقى ضربات، لكنها كانت تُشبع الدمية ضربًا عندما كانت غرفتها تضيق بها، من دون أن تقوى “باربي” على إخراج الجميع من المتسللات إلى سريرها، ذوات الأثواب السوداء اللواتي يسدين النصائح لها من دون طلبٍ منها.
هذا ما بلغَنِي عنها، من دون أن أفاتحها بذلك، عندما التقيتُها في ممر ضيق بين مكاتب جامعية في مبنى “كلية الآداب والعلوم الإنسانية”: لم تلحظ حتى مروري، أـو ملامسة حاسوبي لطرف تنورتها المزركشة… كان لها، هي، أن تستقبلني بتحية، بابتسامة على الاقل، لكن عينيها كانتا تتحسبان لوقع خطواتها فوق البلاط الأبيض: كما لو أنها تخشى الوقوع في أي لحظة من فوق كعبها العالي. لكنها كانت حزينة، مؤكَّدًا، كما لو أنها تَعْبر وحدها في ممر حزنها المداهم…

لم تقتنع هند بجدوى زيارة طرابلس، ولا باستجواب والدتها لعفاف. لعله فعلها مع عفاف مرة واحدة، وربما في ذلك اليوم المشؤوم. لكن عفاف ليست لتستثير شهوة سمير. وهو، إن استدرجَها إلى فراشه، فلكي يؤكد ربما حقوقه فيها…
عفاف مثل هند. هند مثل عفاف، ربما. لسمير الحق فيهما: هي لمرةٍ، لمرات، ما رغب في ذلك… أما هند فبعقد، لكنه يتصرف به متى يشاء: أنا جميلة، هي بشعة. هو قَبِلَ بها، على الرغم من بشاعتها؛ وهو يريدني لسريره قليلًا، ولصورتي أكثر… عفاف تلبي حاجته، وأنا أُلبِّي حاجته، بدوري. وماذا عن حاجتي أنا؟ هل تريد أمي تلبية حاجتها، هي بدورها؟ ألا تريد أن تنجح معي، حيث فشلتْ، هي؟
الهدوء، يا هند… يجب أن أعود إلى بيروت. يجب أن ألتقي بعصام.
اتصلتْ هند به، وسألتْه ما إذا كان في إمكانها المرور به بعد الظهر، فوافقَ. هذا ما تدبرتْه على عجل، ما أثار استغراب سمير ووالدتها، فأخبرتْهما، في المطعم، أن المرمِّم اتصل بها، وأخبرَها عن فضيحة تطاول أعمال الفنان الدويهي، وأنه يحتاج إلى مناقشة الأمر معها، اليوم، لاضطراره إلى السفر في اليوم التالي.
كانتُ هند تعتقد أنها كسولة، بطيئة، مترددة، فيما وجدتْ نفسها، اليوم، غير ذلك تمامًا: ما كان لأمي أن تُصدِّق ما أنا قادمةٌ على فعله. أنا كنتُ مندهشة بما سارعتُ إليه. لم أتضايق للغاية من مرأى عفاف، ولم تكن المرة الأولى. ولم يستثرْ ارتباكُ سمير الغيرةَ التي كنتُ أتوقعُ حدوثَها، كما حصل لي إذ وقعتُ على هاتفه الخلوي السرِّي.
سألتْ هند السائق: لماذا هذا البطء في القيادة؟
سلمى تتصرف معها على أنها ساذجة، لا تُحسن التصرف أو التدبير. تركتْ سلمى تنصحها، لكن هند كانت تفكر وتخطط: لستُ مثلها. لن أنتظر ما قد يحدث لي، مثلما فعلتْ، هي، مع والدي. سمير تركَ لي دورًا اجتماعيًا، قمتُ به، توكّلتُ ببعض المهام فيه، مثل سماع شكاوى من سيدات، أو توزيع بعض المساعدات عليهن، أو الظهور في حفلات للإحسان والمساعدة الاجتماعية. كما دفعَني للاهتمام بمجموعته الفنية الصغيرة، بعد أن قرر الاستثمار فيها وتعزيزها…
هذا ما تعلّمَه سمير في جدَّة والدوحة، عندما تنبّهَ إلى “طفرة” المال، ومنها الإقبال على شراء الأعمال الفنية: يتيح شراءُ وحفظُ الأعمال الفنية تجميع ثروة تصلح للأيام الصعبة، عدا أنها تقوم في أعمال لا يزيد قياس الواحد منها على المتر الواحد، ويمكن توضيبها في البيت، أو في خزائن خاصة في المصارف. بل يمكن نقلُها في قطار، في سيارة…
هذا ما باشر به سمير مع ثلاثة أعمال للدويهي، فيما تبيّن لعصام أن واحدًا منها مزور. كان من السهل عليه شرح التزوير في العمل. شرح لهند أن أعمال الدويهي التجريدية، الهندسية، تقوم على مساحات لونية، ذات حدود دقيقة في رسمها، فيما بدا اللون يتعدى، في العمل الفني المقصود، حدوده المرسومة له… هذا ما لا يمكن للدويهي ارتكابه، وهو “معلِّم”، وخبيرٌ في فنه.
حملتْ هند الأعمال الفنية الثلاثة، وانتقلت بها إلى المصرف، حيث طلبتْ من مديره، الدكتور بساط، تدبير خزنة مناسبة لحجم الأعمال. فالخزانة السابقة، التي كانتْ قد وضبت فيها هاتف سمير المشؤوم، لا تصلح لحفظ هذه الأعمال. استضافَها المدير في مكتبه، وراح يوزِّع عليّها الكلمات اللطيفة عن جمالها بالطبع، وعن ثقافتها الفنية، عدا أنه أبدى استعداده لنصحها في التوظيفات المالية، بدل تكديس أموال في حسابها من دون استثمار. ثم أضاف: المال يشبه العاطفة – تَصَوَّرِي، ست هند – إن لم نستثمرْ فيه، نخسر قيمته.
عادتْ من طرابلس إلى مشغل عصام، من دون أن تسأله عن اللوحتين العثمانيتين، حسب تعبيره. عندما فاتحها بالكلام عنهما، بالتفتيش عن تاريخهما، وعن فنانهما أو فنانَيهما، طلبتْ منه الانتقال إلى صالون شقته، للنقاش في فائدة كتاب الرسم الفني.
عصام، بدوره، كان يُظن، مثل سلمى، أنها ساذجة. سمير كان يظنها دمية، لكن عصام كان يظنها دمية مثيرة، قابلة وراضية بإشباع لذته. كان يتصور أنه يستدرجُها إلى فراشه، فيما كانت تُتيح له الاقتراب منها. كان يعتقد أنه بادرَ، أنه اقتربَ منها، بعد أن اقتربَ بكرسيّه من الكنبة حيث كانت تجلس. تركتْه يقترب بيده منها… وإلا لكان في إمكانها الصراخ في وجهه، وإيقافه عما يُقدم عليه.
لعله فهم أخيرًا، عندما أخذتْ هند بخلع ملابسها بترتيب مدهش، أنها، هي، التي اختارت ممارسة الجنس معه. وإن لم يفهم ذلك، فقد تكون جملتها الآمرة خير أمثولة له: أنا الأستاذة، هنا، وأنت الطالب.
ما لم يعرفْه عصام، بعد ظهر ذلك اليوم، هو أن هند كانت تلاعب مقود السيارة، عند العودة إلى الشقة في “فردان”: ألاعبُه، من دون أن أقود السيارة بتهوّر… كانت تَرسم وحسب حركات اللهو فوق المقود، بينما تقود السيارة كما ترغب، وإلى حيث تريدُ التوجُّه بها. كانت خفيفة، تَشعر بشيء من التمكن والقدرة، وبسيلانٍ طري خفيف يمعن في التمدد فوق فخذَيها المضمومَين.

تخلفتُ عن اللحاق بهند إلى المصرف، وقد أصبحتْ حركاتُ تنقّلها كثيرة، ومفاجئة أحيانًا. كدتُ أستوقفها قبل الصعود إلى سيارتها الصغيرة، أو أن أنتظرها في المقعد الأمامي، بجانبها، قبل المضي إلى “الجيم”. كان في مقدوري فتحُ الباب المغلق بين الشقتين في بيت عصام، لكنني فضلتُ الاكتفاء بالنظر من ثقب الباب، أو من جهة علوية، مشرفة على سريرهما. ما كان عصام لا يدركه، ولا هند بدورها، هو أنني قريب منهما ما يكفي، لكي أصف وألتذ بالكلمات التي أصفهما بها. ففي تلك اللحظات، أكون مسرعًا، بدوري، ونشطًا، ومتأهبًا لكي لا أكون صوتًا لهما، فهما لا يتكلمان سوى القليل، بل لكي أكون صوت الحفيف المتصاعد من احتكاكهما.

لم يكن في إمكان هند المرور بـ”الجيم” للاستحمام، بعد أن وجدتْ أن سمير قد اتصل بها غير مرة. سارعتْ إلى الاتصال به، فأخبرَها بعودته الوشيكة إلى بيروت. هذا أزعجَها؛ كان في ودِّها قضاء السهرة وحدها، واستعادة ما جرى في الفراش الساخن، وهي المرة الأولى التي تُعاشرُ فيها رجلًا غير زوجها. كان في ودِّها استعادة المرة الأولى، السريعة، ثم الثانية، البطيئة والمتمهلة، بتفاصيلها الدقيقة. لم تعرف النشوة في المرة الأولى، بل في الثانية، وعملتْ، كعادتها، على كتم صوت الشهوة فيها. كانت تلتذُّ مع سمير أكثر، لكن عصام أفتى منه بكثير، وله خبرة أكيدة في تحريك جسمه وجسمها. عصام اعتقد، من دون شك، أن لها سوابق جنسية مع غيره، بدليل قبولها السريع بالمجامعة معه، وإصرارها على توجيه العملية بنفسها.
سارعت هند، فور وصولها إلى الشقة، إلى الحمام، إلى البانيو الساخن، الذي أعدَّتْه هذه المرة بنفسها، مع عطور خاصة اشترتْها، بعد أن اطلعتْ عليها، وعلى فوائدها، في مجلة فرنسية للموضة. استلقتْ في الماء الساخن، كما لو أنه الفراش الساخن قبل قليل. تمددتْ برخاوة لذيذة، كما لو أن جسدها يجامع جسدها، من دون سمير أو عصام، أو غيرهما. راحتْ تُلامسُ جلدها بتلك الرغوة المنتفخة، كما لو أنها أصابعُ عصام الناعمة، والشديدة أحيانًا. كانتْ كما لو أنها تلتقيه من جديد، إذ تقترب أصابعه من جسدها اقترابًا حذرًا، كما لو أنه يخشى خدش جلدها، أو يرغب في تلوينها بضربات خفيفة من ريشته.
أَغمضَتْ عينيها، واستعادت مناوشاتها اللطيفة التي تسارعت، وتشابكت، في لخبطةٍ ما لبثت أن امتدت بينهما في لحظة ضحك مديدة. أخبرَها عصام أن هناك أسدَين كانا يتضوَّران جوعًا في الغابة، فكان أن التقيا وجهًا لوجه: شرع الأسدان في أكل بعضَيهما، حتى قضى كلُّ واحد منهما على الآخر. تيقنتْ هند، حينها، أن عصام كان يرغب فيها منذ وقت، ويتضوَّر جوعًا، لكنه كان يخشى المسَّ بها، وإفساد علاقة العمل بينهما. عندما فاتحتْه بالأمر، أنكرَ ذلك: أعمالي ممتازة ورابحة، وأنا وارث أهلي الوحيد، وهم أغنياء بدورهم.
كانتْ تُراقبه، في جلسات سابقة، فتجدُه ساهمًا في تنورتها، وفي الفتحة بين الساقَين تحتها. أو كانتْ تَجدُه مركِّزًا على الفتحة الأُخرى، النازلة بين الثديين. وجدتْه مرارًا يدور حولها، كما لو أنه يرغب في مراقصتها… كان قليل الكلام، وعفيفَ اللسان. كانت أصابعه تشدُّ انتباهها أكثر من غيرها، إذ كانت تنشر نسائم طرية، أو قبلات طائرة… كان يرغب في رسمها: هذا ما قالَه لها، في طرف جملة، من دون أن يشدِّد عليها. لم ينتظر حتى جوابها. كانت لأصابعه، من دون شك، عيونٌ لا تراها هند، وهي ترى من تلقاء نفسها، وتستعذب ما تشاء رسمَه، من دون حاجة إلى ألوان.
بقيتْ في لباس ما بعد الحمام، فيتحسس الحريرُ الناعمُ دفء جسدها، وهو ما يثير فيها مشاعر اللذة الممتدَّة. هذا ما أدهشَ سمير، عند وصوله، عند وقوعه عليها بهذه الحالة، في حديقتها الإنكليزية. نظر إليها باستغراب، كما لو أنه يراها للمرة الأولى، كما لو أنها امرأة أُخرى غير التي يَعرفُها. جلسَ بمحاذاتها، مدَّ يدَه إلى يدها المرخاة على جانب الكنبة. نظرَ في وجهها نظرات مديدة كانت قد تباعدت عنها منذ أكثر من سنة واحدة.
بقيا صامتَين لدقائق طويلة. لكنه استعاد جلسته، وسألها عن لوحات الدويهي، فأخبرتْه أنها مزوَّرة، وأنها أتلفتْها. غضبَ سمير من فعلة هند: حتى الأعمال الفنية المزوَّرة لها قيمة مالية… ثم تابع بلغة المحامي: كان في مقدوري إعادتُها إلى السيدة حسَّانة، ومطالبتُها بالمبلغ، أو بتعويض عنه…

لم يُبدِ سمير اهتمامًا ملحوظًا بمقتل غسان. هذا ما فاجأها به، مع عِلمها بأنه كان على صلة قديمة به، وإن متقطعة. هذا لم يمنعه من الاهتمام بمجلة أسبوعية كتبتْ تحقيقًا صحفيًّا عن عملية القتل، ثم بقبول الاجتماع بالصحفي، كاتبِه، بعد عدة أيام على نشر التحقيق. اختار اللقاء به في شقتهما، لا في مكتبه بالمجلس النيابي، من دون أن تفهم هند السبب.
طلب منها سمير عدم التواجد معه عند الاجتماع بالصحفي. هذا ما تقيّدتْ به، إلى أن سمعتْ جدلًا، فاقتربتْ من الصالون: وجدتْ الصحفي، وعاملَين اثنين، للكاميرا والتسجيل الصوتي، في نقاشٍ بلغَ حدود الشجار. انتهى الجدل بخروج المساعدَين التقنيين من الشقة، وببقاء سمير وحده مع الصحفي.
ما أن أنهى المقابلة، سارعتْ إلى سؤال سمير عن خروج المصوِّر وصاحب التسجيل الصوتي من الشقة. فكان أن بادرَها: من قال لكِ عن مهنتَيهما؟ فابتسمتْ، ثم أجابتْ: لعلّكَ نسيتَ أنني درستُ هذه التقنيات في دائرة “الإعلام وتقنيات الاتصال”…
كان منعم – وهو اسم الصحفي – ينوي إجراء مقابلة متلفزة مع سمير. فهو يَعمل في برنامج “استقصائي” في محطة “الجديد” التلفزيونية، ويَكتب في مجلة سياسية أسبوعية. سمير رفض ذلك بالمطلق، بل منعَه من تصوير أي لقطة في صالون الشقة.
أراد سمير إنهاء اي نقاش في المسألة، لكن هند استعادتْه: لعلّي شاهدتُ الصحفي صاعدًا إلى مشغل عصام، وأنا كنتُ نازلة على الدرج الحجري، في الأسبوع الفائت. هذا ما وردَ في تقرير الصحفي، إذ تحدَّثَ، في تحقيقه، عن لوحة غائبة، عن لوحة محجوبة، وأن عصام هو الذي كشف اختفاءَها من دون أـن يعلم السبب. كما ورد أن اللوحة – التي اختفت من دون غيرها في المجموعة الفنية – قد تكون سبب القتل.
لم يكن في مقدور سمير التملص من المناقشة. هو حائر بدوره، ولا يعلم سببًا لمقتل غسان: اللوحة المحجوبة، أعرفُها… رأيتُها في مكتب غسان، عند استقباله لي قبل شهور بعيدة. كنت أرغب في شراء لوحتين من عمل عُمَر الأنسي، وأُخرى لمصطفى فرّوخ، مع بركة الماء في بيته البيروتي التقليدي… هذه اللوحات كانت تُزين مكتبه: تأملتُها عن قرب، من دون أن يسمح لي بلمسها، أو بإنزالها عن الحائط. انتبهتُ، يومها، إلى اللوحة المحجوبة، الموضوعة عاليًا وراء كرسي مكتبه. سألتُه: وهذه اللوحة؟ ما تكون؟ أجاب باقتضاب: لوحة قيد الترميم. عاودتُ الكلام عنها: هل يمكن إلقاء نظرة عليها؟ فأجابني بالنفي. يومها، عدتُ إلى مقعدي المواجه لمكتبه، تكلّمتُ معه ممازحًا: يبدو أنها لوحة محجَّبَة… أهي قيِّمة إلى هذا الحد؟ وقفَ غسان إشعارًا بإنهاء المقابلة، ثم اقتربَ من كتفي قبل باب الخروج، وأسرَّ في أذني: اللوحة ليست ذات قيمة، لكنها عزيزة على قلبي.
لم يُخبرْها سمير بغير ما قالَه للصحفي، وبماضي علاقته بغسان، التي تعود إلى أكثر من ثلاثين سنة، والتي كانت متقطعة للغاية. رفض سمير التحادث مع هند عن علاقته السابقة بغسان. اكتفى بالقول: علاقة شغل. كان يعمل في “الديوان الأميري” في الدوحة… الصدفة وحدها جمعتْنا… من دون أن أفوز بالمناقصة.
كانت هند تشعر – كما في لقائهما الخاطف مع غسان وعصام في حفل السفارة القطرية – بأن هناك ما ينوي سمير إخفاءه، ما كان يُزعجُه، ولا يريد الإفصاح عنه. وهو ما شعرتْ به من جهة غسان أيضًا. كما لو أنهما يريدان التكتم عَمّا حصل لهما، من دونهما، بعد أن أسقطاه من ورق الروزنامة القديم.

لم أعد قادرًا على حساب خطوات هند، أو توقّعها. تملّصتْ من سلمى، وبعض الشيء من سمير، واقتربتْ قليلًا من عصام، فيما باتت تُصغي أكثر لأصواتها، التي باتت تصفو عمَّا كانت عليه بُحيرتُها المضطربة.
باتت هند أكثر خفاء، أقل كلامًا، فيما تبدو في حركات جسمها أكثر حضورًا وحيوية.
كان في ودي الاقتراب منها بصورة أفضل، ومحادثتها بشكل مناسب. لكنني أسقطتُ هذا التدبير من حساباتي، إذ كنتُ أخشى غضبها المباغت مني. هند، قلتُ لنفسي، باتت أقوى من أن تحتمل أي مُساءلة، حتى ولو أتت من قريب منها: أنا. أصبحتُ أخشى من ضجرها، من تذمّرها المفاجئ، من لذتها التي تكتشفها من دون أن تنعم بها بالضرورة. بل أصبحتُ أخشى عليها من نفسها، من جسدها، من ذلك الفوران الذي كان يتحدر من مياه جوفية واحدة: مياه النقمة المحبوسة.

أخفتْ هند عن أمِّها ما حصل بينها وبين عصام، بعد المرة الأولى وما تلاها. أخبرتْها أن علاقتها بسمير تحسنتْ، من دون أن تفهم أسباب عدم إنجابها. هي تحسنتْ بالفعل، لكن سلمى كانت تريد لها ولدًا أو أكثر منه، وفق الحسابات ذاتها. بدا سمير راغبًا، بدوره، في ولدٍ من هند. طالبَها بالذهاب مرة جديدة إلى عيادة الدكتور محمد خليفة لإجراء الفحوص اللازمة، بعد أن مارسا الجنس في فترة خصوبتها؛ لكنها توجهتْ إلى سرير عصام بدل العيادة.
اعتادتْ هند على عصام، مثلما اعتاد عليها. كانا يُمضيان دقائق معدودة في المرسم: لتناولِ القهوة، للنقاشِ في أمر فني، لاستيضاحِ مسألة، فيما يَتبادلان النظرات الحارقة، أو كانتْ تُقدمُ على قرص أذنه، أو على مدِّ لسانِها صوبه… كانت تسبقها شهوة عارمة إلى سريره، ما كانتْ تعرف هديرَها، ولا تدفقَها الحار. كانا يتآكلان، يتناتشان أطرافهما بمتعة لذيذة، ويَضحكان. كانا يتضاحكان، ويَلهوان، كما لو أنهما على شاطئ البحر من دون غيرهما. ما كانا يتبادلان سوى كلمات قليلة؛ لا حاجة لهما بها. نحن في أعلى التعبير: كان عصام يهمس في أذنها مرة تلو مرة. كانتْ تَرغب في الكلام معه، لكنها كانتْ تَخشى من الكلام. كانتْ تَظن أن فيه ما يُفسد انفعالها، ما لا يوازيه، ما لا يرتقي إليه. كانتْ تَخشى من أن يَختلفا في كلمة، في رأي…
نحن في عالي الموج، والمياه الدافئة تمسحُنا، ترتدينا مثل ثوب رقيق: يقول عصام لها، وهي تغطس في بحر رغباتها العميقة.
جلبتْ، مرة، معها، كتابًا حافلًا بالرسوم والصور الجنسية حسب التقاليد الآسيوية، طامعة في تجريبها كلها. لكنهما وجدا أن ما يقومان به، بتلقائية، يثيرهما أكثر من أي وضعية جنسية مبتكرة. ضحكتْ هند، يومها، رمتْ الكتاب أرضًا، ثم نظرتْ إليه: لعلي ظننتُ أنني في “الجيم”، وأحتاج إلى تمارين مزيدة…
في مرة أُخرى، انتقلا إلى الحمام معًا، اغتسلا، وتلامسا بنعومةِ رشّاش الماء وقوَّتِه. كان كلُّ شيء يتحلّل، يتساقط، ينقضي مع رغوة المياه في البالوعة. كثيرٌ مِمّا رسمتْ، مِمّا خططتْ له، ولها معه، تبدّدَ. بل نسيتْ ما كان قد دفعها إليه: أن يكون مدرِّبَها لجذب سمير إلى الفراش.
يا لغبائي! يا لاكتشافي!
لا داعي للهدوء، يا هند! تمتعي بهذا الفوران الذي يجعل من جسدك طاقة شرسة ولزجة… طاقة في عالي الاشتعال والتحليق.
في المساء نفسه، وهي في “الحديقة الإنكليزية”، رغبتْ في الحديث مع عصام: ماذا أقول له؟ ليس لي ما أقول؛ لي أن ألتقي به. لي أن أفعل به، ومعه. امتنعتْ عن الاتصال به. أدارتْ آلة التصوير في هاتفها الجوال. كشفتْ عن الثديين، ثم صورتْ ثديها الأيسر، وأرسلتْ الصورة الطازجة إليه.
أهذا من الحب؟

كان سمير يعرف مقدار رغبة هند في الخروج، في تلبية دعوات السهر الاجتماعي. كانت فرصتها في الظهور، في أن تكون، في أن ترى إلى صورها في أكثر من مجلة اجتماعية. لكن رغبتها هذه راحت تتباعد، حتى إنها بدت، في حسابها، مضحكة، من دون أن تقول ذلك له. ما كان لسمير أن يَفهم ما يجري فيها؛ هي ما كانت تفهمه بدورها. ما كان له أن يَنقطع عن حفلات الظهور هذه. كانت تعتذر مرة، وتُوافقه على السهر مرة أُخرى. لم يكن هذا بالحل: التقتْ بعصام في حفل افتتاح معرض استعادي لأربعة من رواد التصوير اللبناني؛ امتنعتْ عن توجيه يديها ليديه لمجرد التحية. تضاحكا ببلاهة، فيما كان سمير غافلًا عنهما. اكتفتْ بسؤاله: لماذا لم تخبرني عن مجيئك إلى المعرض؟
عاود سمير الاقتراب منها، وباتت عفاف من ماضيه البعيد من دون شك. بلغها من أمّها أنه عيَّنها في مكتب آخر له، للخدمات الاجتماعية، في “جبل محسن”. أيكون تعلّقُها الشديد بعصام يفيض بقوته الحارة على علاقتها بسمير؟
ماذا يحدث لكِ؟ هذا ما توجَّهَ به سمير صوب هند، في السيارة، في طريق العودة من المعرض. فأجابتْه من دون تردد: مللٌ… لعله الملل. لعله التكاذب الاجتماعي… فكان أن نظر في وجهها، كما لو أنه يؤنّبُها بلطف: هذا اللطف الاجتماعي جزءٌ من مهنتي، من رأسمالي… هو، مثل الرسم، صورة تجميلية لنا.
لم تُجبْه. كانت لها نظرة أُخرى إلى الرسم. أو هذا ما انتهتْ إليه، بعد أن شرعتْ في ممارسة الرسم في البيت، حتى إنها اشترتْ، لهذا الغرض، بعض أدوات الرسم ودفاتره. هذا ما كان يرسم أسئلة في وجه سمير، من دون أن يُحسِن استخلاصها. دعتْه، في تلك الأمسية، إلى الجلوس أمامها لتصويره. امتثلَ، ثم رسم ابتسامة فيها شيء من السخرية. فشلتْ طبعًا في رسمه. اكتفتْ ببعض الخطوط والضربات، ثم أقدمتْ على تمزيق الرسم من الدفتر الكبير. اقتربَ منها: هل أخذتِ دروسًا في الرسم؟ مع عصام؟ لم تُجبْ منشغلةً بتوضيب أدواتها. عندما انتهتْ من ذلك، حدَّقتْ في وجهه: ليس المهم الرسم، المهم نحن. فهو قد يرسم باطننا من دون أن نعلم… الرسّام، بدوره، قد يكون أَخبَرَ منّا في معرفة دواخلنا، وفي كيفية إظهارها…
فشلت هند مؤكدًا في الرسم، لكنها تعلمتْ منه ما لم يقلْه عصام لها حرفيًا.

أَصرَّتْ سلوى، زميلة هند القديمة في الدراسة الجامعية، على دعوتها إلى حفل انتخاب ملكة جمال الكورة. كانت قد تباعدت علاقتها بها، وبغيرها من طلاب دفعتها، لكنهما كانتا تتواصلان، خاصة عبر الفيس بوك أو الواتساب. لم تتزوج سلوى، على الرغم من جمالها وغنى عائلتها، لكنها نجحتْ في خياراتها المهنية، إذ أقدمتْ، بعد تجارب عملٍ متفرقة، على تأسيس شركة تتوكل بتنظيم وإحياء احتفالات اجتماعية الطابع. كانت تُريد من هند أن تكون ضيفةَ شرف في الحفل، برفقة زوجها النائب، بطبيعة الحال: تريد، من حضور هند، إبراز كونها ناجحة ومميزة. لم يعترض سمير، بل شجَّعها على قبول الدعوة. وافقت هند بالطبع، من دون أن تخبر سلوى، أو سمير، بالسبب: أنا “زاوية النظر”، كما يقولون في فن الرسم. لن أكون في الحفلة… برفقتِه، بل هو سيكون… برفقتي. لكن هند اعتذرت عن إلقاء كلمة في الحفل، واكتفت بتقليد الفائزة تاج الملكة، مع مغلَّف المكافأة المالية.
عشر سنوات تقريبًا تَفصل بين تتويج ملكة الجمال الجديدة وبين تتويج هند. بل أكثر من عشر سنوات، بدليل ما قالتْه سلوى لها عند توديعها: تبدو عليك السعادة مثل هالة منيرة فوق رأسك. اكتفت هند بالشكر والابتسام. كانت محقَّة، من دون شك. هذا ما قالَه لها عصام قبل وقت، عندما أمسكَها بيدها قبل الخروج من الشقة: كم تغيرتِ… ألا يلاحظ سمير هذا؟ لعلّه لا يَنظر إليك… اكتفت، يومها، بالقول: لعلها عينُ الرسّام… فأجابها عصام، وهو يُقبِّلها: عين الرسَّام تلاحظ مثل غيرها، لكنها تنقل التعبير من دون غيرها. أقفلت هند باب الشقة المفتوح. عانقته بشدَّة. تأملتْ مليًّا في وجهه: أفهمُ تمامًا ما تقول، لكنني لا أحسن الرسم مثلك. ثم أنهتْ كلامها: أريدكَ أن ترسمني عارية في المرة القادمة.
ضحك عصام مِمّا سمعَه. اكتفى بهزةٍ من رأسه دلالةً على موافقته، فيما كان يبدو، من تعبير وجهه، أنه غير مقتنع بإمكان رسمه لها عارية.

أتتْ هند بدفتر الرسم الكبير معها. سلَّمتْه لعصام: سيبقى في عهدتك. أريدُك أن ترسمني بعدد أوراق الدفتر.
نظر عصام إلى وجهها نظرة بلهاء. كانت تضحك في باطنها، من دون أن يُدرك هو بالضرورة مغزى الابتسامة. كانت قوية في تلك اللحظة، ما لن يقوى أحد، بمن فيهم عصام، على استبيان هذه القوة، ولا على معرفة أسبابها.
لا تتوانى هند عن التعلُّم، لكنها تُسرعُ في تلقي الدروس. ليست بليغة في المحادثة، ولا سلسة في الكلام، لكنها تُحسن التدبير والتصرف. هذا ما انتبهَ إليه ريمون، “المعلِّم” ريمون، في محلِّه الفاخر في الجادة الثامنة.
لم تُنهِ هند الفصل الأخير من دراستها الجامعية. أسرعَ سمير في عقد القران، من دون حفلة عامرة وساهرة، إذ اقتصر العشاء، في فندق “فينيسيا”، على ضيوف معدودِين، وعلى الأقرباء المقرّبِين، من دون مصوّرِين: بلى، حضرَ مصوِّر واحد، واكتفى – بناء لطلبها، وبموافقة سمير – على تصويرها بلباس العرس. هذا ما أرادَه. هذا ما وافقتْ عليه والدتُها. لكنها ما أن تزوجتْ منه، عادت إلى الدراسة، ولكن في باريس. عادت هند، إثر شهر العسل في نيس، أيام معدودة إلى بيروت لاصطحاب سلمى معها إلى باريس. كان سمير قد خطّطَ، ولم تعارضْ سلمى، لتسجيل هند في دورة تدريبية مسرَّعة عند أحد كبار طبَّاخِي فرنسا العالميّين: مسيو ريمون بونتييه.
سمير عاد إلى بيروت، وبقيتْ سلمى معها في باريس. كانت تقوم الدورة على دروس عملية تتناول “آداب المائدة”، الفرنسية بالطبع: من تذوق أنواع الطعام والأطباق إلى كيفية إعداد الطاولة. كان المسيو ريمون يكتفي بالمرور، بتفقّدها مع أحد مساعديه: يبتسم، يُبدي ملاحظة سريعة، يُعيد صفَّ أحد السكاكين بحيث تأتي المسافة متساوية بين السكينَين، الكبير والصغير، من جهة اليمين، والشوكتَين، الكبيرة والصغيرة، من جهة اليسار.
كان مسيو ريمون يُراقبها، بعد أقل من أسبوع على التدريب، عندما جرى تكليفها بإعداد مأدبة عشاء لاثني عشر مدعوًّا. لم يُبدِ أي ملاحظة، حينها، إذ جمعَ ملاحظاته لجلسة تقويمية في مكتبه. لم تكن الابتسامة تفارقه، ما جعلها متحفظة، باردة، أمام هذا الإغراء المتمادي: أيريد إغرائي؟ كانت ملاحظاته بسيطة، دقيقة، وسريعة. ثم أهداها أحد الكتب الفاخرة، وفيها صورٌ ملوَّنة وشروحات عن كيفية بسط الطاولة. ثم عرض عليها قطعة شوكولاتة سوداء اللون لتذوقها، وأُخرى بطعم الحليب، بعد أن طلبَ لها كوب عصير…
لم يكن مسيو ريمون يطلب إغواءها، ولا ملاطفتها، أو حُسن استقبالها. كان يريد إجراء امتحانات مسرَّعة، هي الأُخرى؛ ثم انتهى إلى إصدار الحكم: تعلمتِ بسرعة، مدام هند… أصبحتِ ماهرة وعارفة في لياقات السلوك والتصرف. هذا بسيط، قابلٌ للتعلُّم بيُسر. لكن الأساس يبقى – بعد أن وضع إصبع يده اليمنى على طرف لسانه الممدود – هنا: يبقى في الذوق، في حُسن التذوق… ثم راح يشرح كيفية التذوق الجميل لِما نَتناوله في الأكل، كما في الشرب: يجب أن نمضغه ببطء، أن نتمتع به، إذا كان حُلوًا… مثلما نُدير النبيذ في فَمِنا لتحَسُّسِ طعمه قبل بلعه البطيء… ثم انتهى إلى القول، وهو يسارع في الوقوف: اللسان مفتاح العالم، مدام هند، وليس اليد وحدها. فكيف إذا كنتِ – مع كلِّ ذلك – باهرة الجمال…
لم تُخبر سلمى، ولا سمير، بعد أيام، بما قالَه لها مسيو ريمون. بل باتت لها متعة لا تشاركها مع غيرها، وتَذوقها مثل حبات الكرز حبة حبة، وبامتصاصٍ رخو ولين: لساني يصونُني في الكلام، لكنه يجعلني أذوق وأشتهي… لا أحسن الرسم، لكن لساني قلمي، ورسومه تتدفق في لُعاب فمي.

لينا لا تقل جمالًا عن هند، بل كانت أقوى منها في حضورها. لم يُربكْها حضور هند المفاجئ إلى المشغل. تابعتْ عرض رسومها على عصام. كانت طالبة في جامعته، ومتميزة في الرسم. لم يتأخر عن عرض بعض رسومها على هند: دقيقة للغاية، لكنها باردة، أو جامدة. ثم سحب عصام أحد الرسوم، وأخفاه في غيره من الرسوم: لماذا أخفيتَ الرسم؟ سحبتْ لينا الرسم المقصود من كومة الرسوم، ثم وضعتْه بين يدي هند: امرأة عارية، بل شابَّة ممدَّدة من دون لباس فوق سرير مدعوك، فيما يختفي وجهُها تمامًا خلف وسادة، ويظهر باقي جسمها عاريًا تمامًا.
نظرت هند إلى لينا. لم تكن هي التي في الرسم: أطولُ منها، وأعرضُ منها. توجهت إليها: هل أنتِ الرسامة؟ ابتسمتْ لينا معتزَّة بما أنجزتْه، ثم وضبتْ جميع رسومها وأوراقها في محفظة جلدية كبيرة المقاس. قبل أن تغادر، استوقفتها هند وسألتها عن المحل الذي يبيع هذه المحفظات…
مدَّت لينا يدها لمصافحة، فيما لم تصافحها هند عند دخولها. اكتفت بالابتسام لأستاذها، وقالت: لو تحدّد لي التوقيت المناسب لزيارة “عين التفاحة”…
كان لحضور لينا، للقائهما – المباغت لهند، لا لها -، وقعٌ متمادٍ في تلك الظهيرة، إذ رافقَها طيلة المساء، في بيت هند، وتراكم مثل كرة ثلج سوداء: قد أكون أكثر جمالًا منها، لكنها مثيرة أكثر مني. عفوية، جريئة، علنية، بخلافي. قد لا تكون عشيقة عصام، لكنها – لو تريد – تستطيع جرَّه إلى فراشها، وتصويرَه عاريًا.
هذا ما ارتسمَ في نوع من المضايقة، إثر خروج لينا، إذ أصبحت هند، بدورها، مُكرهةً على الخروج السريع من المشغل. اقتربَ عصام منها، لاطَفَها بحركة خفيفة من يده اليمنى. لم تَسحب يَدَها من يده، لكنها كانت باردة. سعى إلى شرح ما جرى. أوقفتْه: هي طالبتُك، والموعد دراسي، على ما يبدو… ثم شرحتْ له كونها نسيتْ سؤاله عن هوية اللوحتين “العثمانيتَين”، كما حدَّدَهما بنفسه، عند تسليمهما لها.
لم يكن عصام مُخطئًا في تقديره: ترسم اللوحة منظرَ غرق سفينة في مرفأ، والأُخرى ترسم مشهدًا بحريًّا في الغروب. فكان أن وقفتْ هند طالبةً المغادرة. أمسك بيدها اليمنى، وشدَّها إلى الكنبة: لم تعرفي المفاجأة… اللوحتان ترسمان مرفأ بيروت، في نهاية القرن التاسع عشر أو بداية القرن العشرين… تعود الأولى إلى فنان بيروتي من عائلة سربيه، والثانية لفنان بيروتي آخر، إبراهيم، من دون معرفة الاسم العائلي…
لم تكن هند متجاوبة مع حماس عصام. كانت باردة، ومتحفزة للخروج. حدّقَ في وجهها: اسمعيني جيدًا قبل أن تغادري… تحتاج اللوحتان إلى عمليات ترميم بسيطة… لكن قيمتهما الفنية والمالية عالية للغاية: لا لوحات غير هاتين، حتى اليوم، لهذه المدرسة العثمانية في بيروت، وهي المعروفة بـ”المدرسة البحرية”… لوحتان لفنانَين بيروتيين غير معروفين، ما يُعدُّ كشفًا عظيمًا… لا أُحسن تسعير اللوحتَين، لكن ثمنهما عالٍ من دون شك… سيكون سعادة النائب مسرورًا بهذا الاكتشاف.

خرجت هند من مشغل عصام لسبب إضافي، وجديد: ذهبتْ إلى المحل التجاري، الذي دلَّتْها عليه لينا، واشترتْ بدورها محفظة جلدية كبيرة. وضعتْ فيها اللوحتَين العثمانيتَين، ثم توجهتْ إلى مصرفها، طالبةً حفظهما في خزنتها السرية. انتبهَ المدير لوجودها. خرجَ من مكتبه الزجاجي، وسارعَ إلى استقبالها، فيما كانت تطلب من أحد الموظفِين مشاركة مفتاحَيهما في فتح خزنتها. استرعى المدير حجم المحفظة الكبير، غير أنها أجابتْه: لا تقلق… لن أضع المحفظة في الخزنة. ابتسمَ: هل أحظى بفرصة شرب فنجان قهوة معك، سيدتي الجميلة؟ اعتذرتْ منه لعجلة في أمرها، ثم قالتْ له بشيء من الدلع الخفيف: ستكون لكَ أكثر من مناسبة قادمة لعرض فنجان قهوتك اللذيذ من دون شك…
لم تُخبر سمير بمصير اللوحتين. لم يسأل عنهما. لعلّه نسيهما؛ وكانت قد تدبرت “سيناريو” لاختفائهما: تحتاجان إلى فحص مزيد لمعرفة “هويتيهما”… ربما في تورينو… ربما في استانبول حتى.
اتصلتْ بسلمى. أخبرتْها ببعض ما أخفتْه عنها، وهو أنها كانت تتناول حبوب منع الحمل منذ ليلة العرس. ثم أَسكَتّتْ صراخها بالقول: قد أتوقف عن تناولها في الأيام المقبلة. صُدمت سلمى بما سمعتْ؛ كانت تظنها تتبع خطوات حياتها كما رسمتْها لها بنفسها، فيما كانت هند متيقنة من أنها لن تتبعها: أمي فشلتْ في حياتها، ولا أريد لحياتي مصيرها نفسه. كانت ستُصدم أكثر لو عرفت بعلاقة هند بعصام، أو بإخفاء لوحات ورسوم في خزنتها الخاصة… كانت ستُصيبها صاعقة، لو سمعت بقرار هند الأخير، بما أخبرتْ به عصام في الغروب، في “الحديقة الإنكليزية”: سأجلس أمامك لتصويري منذ الأسبوع القادم… ستصورني صورًا وجهية، أو عارية، في المرسم، أو في السرير، ولكن بشرط وحيد، وهو أن أصطحب اللوحات والرسوم معي، في محفظتي الجلدية الكبيرة.
هذا ما قررتْه، بعد عودتها، في حديقتها، إلى صور الزواج الوحيدة التي أودعتْها في درج منضدة قرب السرير: نظرتْ إلى الصور… كانت فيها مثل… “باربي”. ثم قامت بالتقاط “سيلفي” لوجهها، فوجدتْ في تعابيره ما لا يَظهر عادة في وجه الدمية: لا تُسعفني اللغة، مع أنني تعلقتُ بالعربية في دراستي الثانوية، ولا أحتاجها كذلك للتعبير عما يحدث في داخلي من دون أن تُدركه سلمى، أو سمير. حتى عصام نفسه، لا يُدرك حقيقة سعادتي، ما يَظهر في ابتسامة داخلية، في السرير معه، لا مشروع ابتسامة، مثل “الموناليزا”. لي ابتساماتٍ أُخرى، لن يعرفها عندما سيرسمني. فالرسم غشَّاش، ظاهري، لا يصل إلى ما أصل إليه عندما أتمدّدُ في “البانيو”، وأداعبُ هذه الجميلة – أي أنا –، التي لا يَسعد بها أحدٌ أكثر مني، ولا تُسعد أحدًا أكثر مني.

كنتُ أجلس في المقعد الأمامي لسيارتها الصغيرة، بجانبها. كنتُ أنتظرُ نزولها من الشقة، فأقرّر ما لي محادثتها به: سواء إذا كانت بلباس “الجيم”، أو بلباس الخروج الخفيف… قد ترفض محادثتي، قد تدعوني إلى مرافقتها من دون أن تتفوَّه بكلمة… سيكون لي معها، في انتظار قرارها، حديث عن مصير السيارة المتوجهة بسرعة هائلة صوب مجهولها: أخشى على هند هذا المصير المجهول.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.