كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

حمامة منسية فوق نخلة..

عماد عبد اللطيف سالم


1-
في آخرِ الوقتِ هذا
ها أنتَ تتعثّرُ بكائناتكَ السابقة
في “فلمِ” حياتكَ الأبيضَ والأسودَ، الصامِتَ، سريعَ اللقطات.
خالتكَ بدريّة.. وماكنةُ الخياطة من الزمن “الفكتوريّ”، والبصلَ اليابسَ و”البُطْنِجَ”، ونسيجَ “البازةِ” ، وأنتَ الذي تُديرُ “القايِشَ”، و”تَلْظِمُ” خيطَ العُمرِ القادمِ في “إبرةِ” قلبك.
عمّكَ حميد.. وسمكةٌ تنامُ على رصيفِ الغبارِ في شارعِ “المصافي”، تنظرُ إليكَ بعينينِ حانيتين، كُلّما عُدتَ إلى البيت من”الفارابي الجامعة”، في انتظارِ صيّادٍ نبيل، لا يَمِلُّ من الصبرِ على البلوى.
عمّكَ محمد.. ورغيفٌ ساخنٌ أبداً، تدمعُ عيناهُ عليكَ ، منَ القَحطِ الآتي.
أُمّكَ سنيّة.. حُزنٌ لسبب ، وخوفٌ لسبب، وأفراحٌ دونَ سبّب، وبُكاءٌ لا يحتاجُ سوى الماء، ليُغرِقَ دجلة.
خالكَ نجم.. وضِحكةٌ مُعلَنَةٌ ، تشبهُ هَمّاً نابتاً ، في عَظْمِ الأيّام.
أبوكَ لطيف السالم.. الرجلُ الذي جاءَ بكَ إلى هذا العالم ، ورمّى”صُرّتكَ” في “تنّور” الأيّام ، ورحلَ مُرتَبِكاً لكي لا تراه، كجٌنديٍّ يزرعُ لُغماً على عَجَلٍ، في “الأرضِ الحرام”.
العطيفيّة الثانية.. عبيرُ النارنجِ، ومذاقُ التوتِ على حافّةِ الشَطِّ ، و”أبو دَلَفَ”في حقلِ “الخَسِّ”، وطعمُ التمرِ “الزَهْدِيّ” في أرغفةِ العُمّالِ “الفَيليّينَ”، وحُنطةُ الروح مطحونةً في معمل “الدامرجي”.
رائحةُ “الشَبّوي” في كُلّ ليلة .. نساءٌ جاحداتٌ، ما زلتَ تتمنّى أن تشربَ معهنّ كُلّ مساءٍ عصيرَ الكاكاوَ الباردَ في الحديقة، في انتظارِ أُلفةٍ لن تَتُمَّ، ولن تأتي.
عينُكَ الكليلة .. وبناطيلُ الجينزِ اللاصقةِ المُستقرّةِ على هضابِ الدِبْسِ والعسَلِ والحليبِ الحاليّ ، التي لا تشبهُ تلكَ “التنانير” التي كانت تطيرُ دون ريحٍ على جسر الشهداءِ، و “تَمْرِدُ” قلبكَ السابق الذي كان “يستشهدُ” كُلّ صباحٍ ويموتُ “سعيداً” عشراتَ المرّاتِ، قبل أن تصِلَ شاردَ الذهنِ ويابسَ الريقِ إلى “دائرةِ البريد والبرق والهاتف”، خلفَ “الشورجة”.
بعد هذا كُلّه..
تأتي سيّدةٌ صغيرة
من مواليدِ “الواتساب”
وتقولُ لكَ .. اُحبُّكَ جدّاً يا حصانَ السباقِ القديم.
ومع أنّكَ لا تعرِفُ ماذا يعني ذلكَ بالضبط
فأنتَ تَجْفَلُ وتتلعثمُ مثل صبيٍّ “كَرْخِيّ”
باغتهُ أبوهُ بصرامةِ مُديرَ مدرسةٍ في زقاقٍ بائد
وهو يُدَخِّنُ أوّلَ سيجارةٍ مسروقةٍ من “باكيتِ غازي”
تحتَ “تيغةِ” السَطْحِ المفروشةِ بـ “الفَرْشيِّ” المبلول
بينما “مُنى” في “السَطْحِ” المُجاور
ترُشُّ رائحةً القمح
فوق روحكَ الطازجة.
2-
الحياةُ قصيرةٌ جدّاً ، وبسيطةٌ جدّاً ، وجميلةٌ جدّاً ، ولا تحتاجُ إلى فلسفة.
المزعجُ فيها فقط هو سوءُ الحظّ.
سوءُ الحظِّ الذي يرافقكَ مثل كلبٍ وفيّ.
لا تُطعِمهُ ، ولا تسقيه ، ولا تأويه ، ولا تدافع عنه في مواجهةِ كلابٍ أخرى .. ويبقى وفيّاً.
وحتّى سوءُ الحظِّ هذا ليس مُزعِجاً ، لولا أنّ الكثيرين ، عداكَ ، محظوظونَ ، ومحظوظونَ جدّاً ، دون سبب.
الحياةُ آمنةٌ جدّاً ، ولا تحتاجُ إلى كُلّ هذا الخوف ، لتعيش فيها.
هي، فقط ، مجردُ حربٍ، أو اثنتين، او ثلاثة .. إذا لم تُقتَل فيها ، ستعيشُ إلى الأبد.
الحياةُ تُحِبُّ الحُبَّ ، وتُحِبُّ من يحبّها.. لذا قُل لكلِّ كائنِ تراه: أنا أحبّكَ جداً .. لم لا ؟ أنا أحبَكَ جدّاً، ومع أنّني لا أعرفكَ ، ومعَ أنّكَ لا تعرفني .. فأنا أفتقدُكَ ، وأشتاقُ اليك.
قُلْ لهُ هذا .. حتّى إذا لم ينتبه لذلك .. حتّى إذا لم يفهم لماذا .. حتّى إذا كان يكرهك .. ما الذي سيخسرهُ شخصٌ لا يُحبِّهُ أحدٌ في هذا العالم.
الحياةُ لا تحتاجُ إلى البطولات والمعجزات ، بل إلى قليلٍ من الشجاعة.
عندما تُصادفُ امرأةً جميلةً ، لا تَخَف .. قُل لها: أنتِ جميلةٌ جدّاً .. فإنْ لم تُجِبْ ، أو لم تكتَرِث ، قُل ذلك لأمرأةٍ غيرها ، ولا تشعر بالخذلان .. لن ينتهي العالمُ تحتَ أقدام إمرأةٍ واحدة ، ولن تكونَ كافِراً إذا رجَمَتْكَ بصدودها ، ولن تذهبَ إلى جهنم.
الحياةُ مطيعةٌ جدّاً ، مثل حمارٍ أليف.
فقط لا تركلهُ كثيراً ، ولا تُحمّلِهُ أكثرَ ممّا يحتمِل ، وضَع في فمهِ ، كُلَ عامٍ ، تُفّاحةً واحدة.. وسيبقى ينهقُ في وجهكَ بحبورٍ إلى أن تموتا معا من شدّة البهجة.
الحياةُ “مُعامَلات” ومساومات ، وهي سيّدةٌ تعرف ما تريد ، وعمليّةٌ جداً ، ولا تحتاجُ إلى “وسيطٍ” ، أو بورصة.
إذهَب الى “سوقها” ، وأعمل فيها ، وألعب معها ألعابها العجيبة.. وقد تُصيبُ وقد تَخيب ، وتعودُ بعدها ضاحِكاً الى البيت ، فذلكَ أفضلُ من ذهابكَ مُفلِساً .. إلى المقبرة.
الحياةُ “كَلْبَةٌ” جدّاً .
ربّما.
وقد تُفضّلُ عليكَ أسوأ ، وأنذلَ ، وأجبنَ الكلابِ في موسم “التزاوج”.
ربّما.
ربّما يحدثُ هذا ..
ولكن إيّاكَ إيّاكَ ، أن تكونَ أكثرَ نذالةً منها.
الحياةُ دائماً تطرحُ الأسئلة.
لا تُجِبْ عنها كُلّها.
حتّى الآلهة لا تفعلُ ذلك.
الحياةُ فيها شيءٌ من الحزن ، وشيءٌ من الخوف ، وشيءٌ من القتلِ غيرِ العَمَد .. وفيها الكثيرُ من الحنينِ أيضاً.
تعايَش مع ذلك (كما يقول الطبيب)
وقُلْ سلاماً للغائبين أينما كانوا.
قُلْ سلاماً للجحود العظيم ..
وللأسفِ الذي تأخّر كثيراً ..
وللحنينِ الذي تدفّقَ بعد فوات الأوان.
3-
تبدأُ رِفقةُ الهَمِّ لي بعدَ منتصفِ الليلِ
بتوقيتِ روحي
وتنتهي رِفقةُ الهَمِّ لي قبل منتصف الليلِ
يتوقيتِ روحي.
أنا صاحبي الهَمُّ
لم نفتَرِق
ولا يخذلني الهَمُّ
ولا مُستَجِدّاتُ الهمومِ
وأعيشُ، وأضحكُ، وأُغنّي، وأُحِبُّ ،
وتوجِعني روحي.
الأصدقاءُ همومٌ ، والأماكنُ التي تحبِسُني فيها الهمومُ .. همومٌ ، والنساءُ الحبيباتُ ، والليالي الطويلةُ ، والأهلُ ، والوطنُ المهمومُ ..
و روحي.
حتّى هيَ .. حتّى مُنى .. حتّى لميعةُ .. حتّى الوجوهُ المانعاتُ الهَمِّ ، أصبحنَ هُموماً ..
و إلى الآن
يوجِعْنَ روحي.
4-
أعرفُ أنّ حزنَ الروحِ في آخرِ الوقتِ .. كافر
وأنّ الوصولَ إليها بعيدٌ كنجمةٍ أفلتتْ من فمِ الكونِ
وأنّ مذاقَ أصابعها الطويلةَ
يشبهُ طَعْمَ القمرِ الفاترِ
في ليلةٍ ماطرة.
أعرفُ ذلكَ
غير أني أحِنُّ إليها..
ويا لهُ من حنين.
أنا حمامةٌ منسيّةٌ فوق نخلةٍ يابسة ..
ويشبهُ الهديلَ حنيني.
أنا أعرفُ أنّ أشياءَ عجيبة لن تحدث هذا الصباح
وحينَ تَحِلُّ الظهيرة
لن تكونَ هذه السيدةَ الصغيرةَ
حبيبةَ هذا الرجل الذي فاتهُ الوقت
وأنّها لن تجيءَ إلَيّ
وأنّها مَلّتْ من حصاري لها
بهذا الشغفِ المستحيل
وانّها تشعرُ بالسأمِ من هذهِ الألفةَ التي لا حُبَّ فيها
ومن هذا الرجلِ الذي لا طَلْعَ فيهِ ولا ماء.
غير أنّي ، كما في كلِّ نهارٍ .. كما في كُلِّ ليلة
سأبقى أُغنّي لها أُغنيةَ “التَمِّ” الأخرسِ اللون
وأُغنّي .. أُغنّي لها ،
وأحِنُّ إليها إلى أن أموت..
أنا الذي يشبهُ الهديلَ حنيني.
5- أنا ..
في آخر الوقت هذا
مثلُ صديقٍ لي
يُدعى “تروتسكي”
أحببتُ “امرأةً” في روسيا
فطاردتني الفؤؤسُ إلى المكسيك
وأخذَتْ منّي
حبيبتي “الدائمة”.
أنا مثلُ تروتسكي ذاك
رجلٌ يوشِكُ انْ ينطفيء
في آخرِ الوقتِ هذا
فيمرُّ عليهِ قميصٌ أصفرَ لأمرأةٍ
يجعلهُ يبكي.
أنا مثلُ تروتسكي
أحلمُ كأيّ رجُلٍ لا يكفُّ عن الحلم
بدفنِ رأسي في ظَهرِكِ الكافر
تماماً بين عظمَتَيْ كتفيكِ البهيّتين
حيثُ أغفو هناك
ولا أفِزُّ أبداً من تلكَ اللحظة
كأيٍّ مُناضلِ من أجل الطبقةِ العاملةِ العاشقة.
أنا مثلُ تروتسكي
أموتُ وفي رأسي فأسهم المُقدّس
في 21-8-1940
بينما يعيشُ ستالين إلى الآن
إلى الأبد
في كُلَ مكان
تحتَ الجِلْدِ ، وفوقَ المسامات
ويتزوّجُ جميع حبيباتي
ويتركني أعُضُّ الوسائدَ
مثل ذبابةٍ في حيّ رث
يشبهُ البروليتاريا.
أنا مثلُ تروتسكي
أنفقتُ الكثيرَ من الوقت
لألحقَ بيمامها الهارب
و ألثمَ شفتيها العذبتين
قبلَ أن يدوسُ عليهما “الرفاق”
بالبسطال “السوفييتيّ”
ويتركونَ فؤادي فارغاً
من أوّلِ نفيٍّ
إلى آخرِ منفى.
أنا من أنا
وهي من هي
إنتهى زمنُ الثورات
وأختفتِ الحبيباتُ مثلُ نجمةٍ في فم الكون
ولن تكتَمِلَ أبداً
هذه القُبلة.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.