عبير الفقي
- زهايمر ..
- صرت أنسى كثيراً ولم يعد يزعجني الأمر.
لا أجاهد لتذكر أي شي كما كنت أفعل.
ولم أعد أخشى ترك مفتاحي في باب البيت،
ولا فوران الحليب فوق النيران وانطفاء الموقد.
الآن أنسى بكل ارتياح وجهتي داخل المنزل
وفِي منتصف الطريق إلى اللامكان،
لا أتذكر ما كنت ذاهبة لأفعل.
أنسى اسم قطتي التى لم تجبني عليه قط.
أنسى حتى ملامح وجهي،
ولون عيني، أو تمشيط شعري.
أنسى ما اكتب، فلا اهتم بإعادة كتابته.
وأردد السؤال مرات ومرات ولا إجابات تثبت.
أعيده كأنه أغنية في اسطوانة مشروخة
نسيت المطربة الكلمات المناسبة للحن.
يقول الطبيب:
إنها مرحلة متأخرة من المرض
وقريبا لن أحتاج أيضا لزيارته.
ولا شيء سيمنع ذاكرتي من العبث معي
وسأنسى كل شيء تقريبا
ولن أتذكر حتى نفسي،
ولا ملامح وجهك المحفور في ذاكرتي،
قريبا جدا لن أتذكر ك أيضا،
ولا أنك خنتني،
ولا أنك…
اترى، أنا صرت أنسى،
ولم يعد يزعجني الأمر. - لو …
- لو أنهم تركوني مع أخواتي،
لو لم ينتزعوني من حضن أمي،
لو لم يلوثني مدادهم
ولم تترك بصماتهم على جسدي؛
لاحتفظت ربما بنقاء روحي،
وبراءتي الأولى،
وكل هذا البياض الذي
لم يعد عالمي،
قالت ورقة ممتلئة بالكلام. - كي تُحب بما يكفي
أوزع أشيائي الحبيبة،
أمنحها بكل ود للآخرين.
رحمة بها أبعدهاعن برودة خزانتي المغلقة.
هكذا أفعل منذ زمن،
أمنحها فرصة جديدة كي تحظى بحياة لم أعشها.
لترى عوالم غير عالمي الضيق،
وأهم من ذلك كله هو،
أن تُحب بالقدر الذي لم أنله يوماً.
لا أتذكر ..!
لا أتذكر …
يوم ميلاد أمي،
لون عيني أبي،
عدد البقع السوداء بفروة قطي الأول،
اسم الفتاة التي كانت صديقتي المقربة،
الفتى الذي أحببته وخانني،
تلك هي طريقة عقلي المنهك
كي أتجاوز خسائري الفادحة!
بيت مهجور!
أحب الأبواب والنوافذ القديمة
رغم أنها تمنح شعوراً بالأسى
ترى كم جسداً عبر من هذا الباب ولم يعد؟
كم يدًا لوحت بانهزام من هذه النافذة؟
كم مرفقًا مخذولاً استند على الحواف؟
وكم عينًا راقبت الطريق من خلف الستار
أملاً في انتظار من لا يعود؟
أحب الأبواب والنوافذ القديمة
لأنها تحيا بالذكرى مثلي،
أنا البيت المهجور!
أضف تعليق