كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

فصل من رواية شديد القسوة جنوبا

سعاد سليمان

عند بيت أم فاروق، لم تطرح الشجرة “برقوق”، كما تقول الأغنية الشعبية التي يغنيها إخوات فاروق العريس.

أتعثر في خطواتي، طفلة لم أكمل أربع سنوات، لا أفهم معظم الكلمات، سربتني أمي ألعب مع أطفال الحارة، هى التي ترفض خروجي دائما.

أغلقت باب الحجرة ورائي، وأبي يبدأ في خلع ملابسه، فرحة بأكوام الرمل التي نقفز فوقها، لم أعرف متي اكتشف”العيال” أنني الوحيدة بينهم التي تلعب، ونصفها الأسفل عارِ، سألوني عن” لباسي” لم أفهم، تركوا تشكيل الرمل ولعبوا فيّ، عدت لأمي مكبوسة الفتحات، ضربتني بشدة! تبولت على نفسي، لم أفهم سر غضبها، لماذا تتركني بغير لباس، لازمني التبول اللاإرادي، حتى كواني أبي بطرف سكين مشتعل، كرهت أم فاروق وشجرتها التي تذكرني بألم في كل أعضائي.

لآخر يوم في عمري، لن أتذكر رحلتي وأمي من النجع، إلى الإسكندرية، كأن عفريتا انتزعني من هناك، إلى تلك الحجرة الصغيرة على شمال الداخل من بيت عتيق، غرفة لا تتسع إلا لسرير نحاس بأعمدة، ألعب في عرائسها التي تزينها، أخلعها وأعيدها، لا نملك غيره “عفش”، نأكل فوقه، ننام ثلاثتنا ” أنا وأبي وأمي، نجلس عليه، كل حياتنا فوق هذا السرير.

لا أستطيع الصعود أو النزول منه وحدي، بعد أن وضع ابي حجارة كبيرة ترفع أرجله، تحت السرير تسكن أشياؤنا: “الحلل، وابوار الجاز، صرر خزين البيت، سمن، ملوخية ناشفة، فريك، بلاص المش”، ينضم إليهم ليلا جردل أبي وأكواب زجاجية، يبيع فيها نهارا عصير ليمون، “يأتي بالليمون يعصره، يضيف إليه قطع الثلج، زائد مسحوق أصفر، بقدر لا يخطئه، يجعله أكثر اخضرارا، يغسل أكوابه التي يضعها في وعاء يحمله، يعود به فارغا ليلا.

يقع البيت على ناصية شارع طويل جدا وضيق جدا، لا يتعدى عرضه نصف المتر، يتراص على امتداده خمسة بيوت، شمالا ويمينا، تفوح منها رائحة”زنخة*” (عفنة)، كأنما بنيت مع الطوب والحجارة، على يمين الداخل حجرة أكبر لصاحب البيت و زوجته حورية، لا يذكرها أبي إلا مرتبطة بالعفونة، يشمئز منها، يعتقد بأن ما تأكله دود، لا تكف عن أكل الجندوفلي والجمبري، تشتريه بكميات كبيرة، تضعه في”طشت”، لا تشبع إلا بانتهائه، أو نومها على الطشت.

تغلق أمي باب حجرتنا، اتقاء لزفارة مشبعة بعفن، فتخنقها حرارة الجو، حيث حجرتنا بلا شباك، المنفذ الوحيد هو الباب، ينفتح تهاجمنا عفونة سمك حورية، ينغلق يخنقنا الحر، تسغترب أمي تلك المودة بيني وبين هذه السكندرية النهمة، تناديني، فأذهب اليها، تفصص لي الجمبري فآكله سعيدة، تشتمني أمي بأنني معفنة مثلها.

أحب حورية، لا أراها معفنة أبدا، فهي بيضاء سمينة، تضع كحلا يأبى أن يستقر في مقلتيها، يسيح حولهما، موردة الخدود، عكس زوجها ذي الأصول الصعيدية محمد مهران، رغم حياته الطويلة في هذا البلد” قبلة الصعايدة، لا يلبس إلا الجلباب، وفي الشتاء يضع فوقه بالطو، طويل، أسمر غامق، أعور، يتخذ جزءا من البيت دكانا، يبيع فيه حلوى حمراء في برطمانات زجاج كبيرة، دخان وصابون، معظم أرففه فارغة، يتعجب أبي أن هذا الرجل الأصيل، يتزوج تلك السكندرية التي تأكل أكله، فتصير بقرة ذات ضرع ومؤخرة ضخمة، وهو”مسلول* “(ضعيف البنية).لديهما ابنتان روحية وحربية، تزوجتا من أقاربنا، وأحفادها على” وش” جواز.

تتندر أمي على حورية : ع تبقى جدة الجدة ولسه كل يوم ع “تتسخمط “*

تعرف ذلك من ماء الاستحمام، الذي تلقيه حورية كل صباح أمام باب البيت، فيتحول التراب إلى طين برائحة الصابون النابلسي .

قبل أن نصعد الدور الثاني من البيت، على سلالم “خشب”، توجد دورة مياه بين الحجرتين، تنزلق إذا لم تنتبه لقدمك من كثرة القذارة، التي يستنكف من إزلتها أي أحد. إذا انزلقت، فإن جسدك يتجه مباشرة إلى عين” الكابانيه” البلدي، إذا كنت ضئيل الجسم مثلي، ربما غطست حتى نصفك داخل العين، إن لم تجد من ينقذك، فإنك ستتنفس خراء على أقل تقدير، ولأن سكان البيت بدوريه يستعملون هذا الحمام الوحيد، فإن عذابك لن يطول.

أتسلق الدور الأعلى، حافية، بمشقة كبيرة، لاسعد باللعب مع خالد وأخته نفيسة، أتفرج من شباكهم على الشارع الذي تتقابل حيطانه، حيرة المارة إذا تصادف وجاءوا عكس بعضهم، يتنحى أحدهم ملتصقا بالحائط ليمر الآخر، كثيرا ما تنشب الخناقات بسبب من يجب عليه التنحي أولا. نتلهى في اللعب بحصان خالد الحلاوة الأحمر، يمطتيه فارس يحمل سيفا، أتعمد كسر جزء منه، ألتهمه في غفلة، يكتشفون فعلتي، لكنهم لا يخفونه عني.

رحل خالد ونفيسة إلى باكوس، تركاني لحورية وزوجها، الذي أخاف من عينه العوراء، يكشر في وجهي، يبدو أنني أعطله عن أمر أجهله، أختبئ خلف ظهر حورية العريض، حتى تأتي أمي لتأخذني.

ظهرت زوبة، شابة سكندرية مطلقة، عفية، قمحية اللون، مبهورة بجمال أمي التي تهديها” فايش” وارد الصعيد، تدب بيدها فوق صدرها العامر.

تقول لأمي: يالهوي انتي صعيدية ازاي!هو الصعيد فيه الحلاوة دي. تحل “قمطة ” أمي.

: وكمان شعرك بني وسايح،” أحّيه”، ده انتي شبه هدى سلطان.

تبتسم أمي، لا تعرف من هى هدى سلطان التي تشبهها، لكنها بالتأكيد حلوة جدا.

تكمل زوبة: بس قولي لي ازاي واحدة حلوة زيك تتجوز الراجل الوحش ده!

عند الرضا عن أبي تجيب: وحشة قِلِّتُه*!(عدم وجوده)

عند غضبها تقول: قسمة ونصيب، حكم بلادنا واعر.

تمصمص زوبة شفتيها: والنبي جمالك ده خسارة.

هل شعر أبي بأن زوبة تقوي أمي وتعصّيها عليه، لدرجة منعها من الاختلاط بها، والرحيل إلى بيت آخر؟

يؤمن أبي إيمانا لا يتزعزع بأنه، لا يفسد المرأة إلا امرأة أخرى، والزن على الودان أمَرّ من السحر.

ظلت أمي تعتز بكونها تشبه هدى سلطان، حتى عندما زارها خرف الشيخوخة، لم تنسَ أنها شبيهة هدى سلطان حتى آخر أنفاسها.

اكتشفنا أن غرفتنا تملؤها الثعابين، جاء أبي برجل يرتدي جلابية خضراء متسخة، وعمم كثيرة فوق بعضها، أكواما من السبح على صدره، رفاعي يصطاد الأفاعي والثعابين، التي بسببها هجرنا غرفتنا. جلسنا على السلم الخشبي يوما بطوله، خرج بعد ساعات طويلة يتلفح بثعبان وزوجته، مضى، كانت هذه آخر ذكرياتي عن الغرفة .

_____________________

*سخمطة كلمة مصرية قديمة، جاءت من اسم الهة سخمت ” أنثي الأسد القوية” سميت أحيانا ربة الثدي والشعر المنسدل”.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.