كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

(فصل من رواية بعنوان نادي المحبين)

صبحي موسى

كان وسط القاهرة شبه مغلق من جميع الاتجاهات، فالإخوان يدفعون بالعملية السياسية كي تصل إلى صناديق الانتخابات، والشباب يرفضون الدخول في نفق السياسة، ويصرون على انتخاب لجنة مستقلة لصياغة الدستور، والمجلس العسكري يقف في المنتصف غير قادر على اقناع هؤلاء بالتراجع عن فكرتهم ولا هؤلاء بالتراجع، وأغلب أعضائه يشعرون بأنهم في مأزق ينبغي التخلص منه في أسرع وقت، فالكل يتهمهم بأنهم راغبون في السلطة، وهم الذين وراء كل هذه الأحداث كي يبقوا أطول وقت في الحكم، وربما تهيئة الأجواء كي يكون الرئيس القادم من بينهم، وهذا ما لا يريده أحد، حتى المجلس العسكري نفسه، فمن الذي يشيع كل هذه الأخبار ويوتر الأجواء إلى هذا الحد.

طلبت من إنعام أن تأخذ تاكسي وتعود إلى المركز، وأنني سأتابع معها بالهاتف، هزت رأسها وهي مرتابة في أنني أخفي عنها شيئاً ما، وضعت يدي على كتفها مؤكدا أنه لا شيء يستحق هذا القلق، فتركتني ونزلت، اتجهنا إلى مبني الأمن الذي يعمل فيه النشار، دشمة عسكرية على مساحة مهولة محاطة بسور عال وكاميرات تصوير من كل اتجاه، وفي أعلى السور وضعوا أسلاكا شائكة، وأغلقوا الشوارع المؤدية إلى بواباته العملاقة، الكل مرعوب منذ أخلوا مقرهم الملاصق للوزارة في وسط البلد، كان ذلك المقر مصدر اشعال غضب دائم طوال أيام الثورة، تاريخه طويل ومؤلم في نفوس كثير من المصريين، شيوعيين أو إسلاميين، الجميع كان راغبا في إحراقه، كأنه سجن الباستيل، وكان على ضباطه ألا يغادروه حتى يتأكدوا من أن وثائقهم لن تقع في أيدي أحد، فهي نتاج ثلاثين عاما من المراقبة والتسجيل والتصوير والتعذيب والاعترافات، تلال من الملفات عن كل البشر، حتى أن البلد كلها كانت لها وثائق لديهم، من كبيرها إلى صغيرها، من أصغر شق إلى أكبر برج، لا شيء كان يقع فيها دون عليم مسئولي هذا المبني، كل شيء مدون وينتظر وقت استخدامه، مبنى مخيف في نفوس الجميع، مجرد ذكر اسمه يشعرهم بالرعب، ومن يصله استدعاء منه فإنه يعتبر نفسه في عداد المفقودين، ومن يُفتح له ملف به إما أن يصبح شريكا لهم، أو محروما من كل شيء، فلا عمل ولا تعليم ولا سفر ولا راحة في بيت أو شارع، كما لو أنه أصيب بلعنة تظل تطارده مدى الحياة، ولا ينجو من هذه اللعنة إلا أصحاب الكرامات.

خرجت من صدري زفرة حارة وأنا أبلغ أمين الشرطة الذي يسألني عن وجهتي، أخرجت له هويتي وأبلغته باسم العميد حسين النجار، سمعتهم يتصلون في هواتف داخلية سألين عنه، سمعت اسمي يتردد مرتين أو ثلاث في الداخل، بينما ثلاثة كلاب بوليسية تتشمم السيارة من الخارج، فتح لهم السائق حقيبة السيارة دون أن يطلبوا ذلك، فهو معتاد على مثل هذه الاجراءات المشددة، في النهاية خرج ملازم من مبني الأمن الملاصق للبوابة قائلا أن العميد النجار في مكتبه، وعلينا الذهاب بالسيارة إلى المبني المواجه، وهناك سنجد من يستقبلنا، كان المبني على مسافة نصف كيلو متر، ولم يكن الطريق إليه مباشراً، فقد كان لا بد من المرور في عدة تقاطعات قبل الوصول إليه، مما أطال المسافة أكثر مما هي، رأيت قدر ارتفاع الأسوار، وكم الكاميرات التي تغطي كل شبر فيه، أما عن الصمت فلا شيء هناك أكثر منه، كأن كل الموجودين مجرد آلات صماء.

نزلنا من السيارة فتحرك من الظل أمين شرطة في اتجاهنا، أخبرني أن أتحرك معه، حين سألت عن السائق قال أنه سيبقى معهم لحين عودتي، كنت أرى نظرات الرعب في عيني الرجل، لكنني طمأنته أنني سأتناول القوة مع العميد حسين وأعود على الفور، هز رأسه مطالبا ألا أتأخر. كان المبني مكونا من عدة طوابق، وله مدخل زجاجي رائع، أعتقد أنه من الزجاج المضاد للرصاص، المرور منه كالمرور بين عالمين، الأول للأحياء والثاني للمفقودين، كم الرخام المستخدم يصيب النفس بالبرودة والانقباض، الصمت هو السمة الأساسية، لا أحد يحادثك في شيء، الكل صامت، والخطى تتبع خطوات الأمين الذي يتحرك كروبوت، فلا يتكلم ولا يبتسم ولا يتنفس، مشهد السلاح المتعدد حديث النوع يثير الرعب، ولا يقطع الصمت إلا جهاز الاتصال المعلق على خصر الرجل، رأيت على شاشة الأسانسير عدد الأدوار حاسباً الوقت الذي سنستغرقه في الوصول، بعدها توقف الأسانسير أمام دور لا أحد فيه، صمت مطبق من كل جانب، سمعت همسة من الأمين “اتفضل يا فندم”، هذا كل ما نطق به، ثم تحرك أمامي بخطواته الواسعة المنضبطة السريعة، وبهمة من يمكنه أن يفتح مدينة بضربة قدم واحدة، الحق أنه كان بمثابة دبابة بشرية تتحرك على الأرض، بدا جسدي بجانبه ضئيلاً للغاية، وفكرت في أن لو لي رفيق مثل هذا الوحش، لكنني للحظة تقززت من الأمر، فمثل هذا الشخص لا يصلح للرقة ولا المحبة، لقد دربوه من أجل القتل فقط، أصابتني الفكرة بالرعب، خاصة أن الردهات الرخامية التي كنا نتحرك فيها أبعدتنا عشرات الأميال عن السائق والحياة بالخارج، وزيادة في المتاهة صعدنا طابقين على السلم ثم نزلنا طابقاً آخر من ردهة أخرى في اتجاه مختلف.

كنت أهرول خلف الأمين خوفا أن أفقد أثره، فلا أعرف كيف أخرج من هذه المتاهة، وصلنا في النهاية إلى غرفة وسط واحدة من الممرات الباردة التي قطعناها، طلب مني الانتظار ثم اختفى، كانت الكراسي الإستانلس تؤكد أنها غرفة استقبال، جلست ألتقط أنفاسي وأفكر فيما سأقوله، كيف يمكنني أن أبرر وعدي للأمير وقبول استضافته، كيف سأمر الشيك من بين الأضراس، هززت رأسي محاولا تخفيف الأمر ، فالنجار رجل حكيم ومثقف، أعرفه منذ خمس سنوات على الأقل، يومها كان ما يزال برتبة مقدم، ليس من أسلوبه العنف، وترقياته السريعة تقول أنه حقق نجاحات مبهرة، وإن كنت لا أعرف أي النجاحات التي يمكنها أن تكون مبهرة في هذا المكان. مر على انتظاري نحو ربع ساعة كأنها عاما أو أكثر، فكرت أن أبدد رعبي والبرد الذي أصاب أعضائي، فقررت أن أتصل بإنعام لأطمئنها أنني ما زلت حيا، لكن احباطاً كبيرا أصابني حين لم أجد شبكة الاتصال متاحة، شعرت أنني مختطف بالفعل، وأنني لو جلست مئة عام فلن يعرف أحد خبرا عني، ولو قتلت فلن تكون لي دية ولا جثة.

وضعت الهاتف جانباً وأنا ابحث بعيني عن كاميرا المراقبة، كنت أعرف أن ثمة من يتابعني في الجانب الآخر، فكرت أن أصرخ فيه أو أخرج له لساني، فكرت أن أمدد جسدي على الكراسي وأنام كأن شيئا لا يعنيني، لكنني لم أستطع أن أغامر بإثارة غضبه، ولا أن أنزل عن مكانتي بوصفي المفكر الكبير الذي يظهر بشكل دائم على الفضائيات، والذي يحمل جوازا أمريكيا يمكنه استخدامه وقت الحاجة، كما أنني ضيف النجار، ولست متهماً في جريمة.

حين سمعت أقداما على الردهة في الخارج تأكد لي أنها قادمة لأجلي، عدلت من هيئتي وانتظرت قدومها، لكن الصوت تبدد فجأة وكأنه لم يكن موجوداً، ظللت أرهف السمع ولم تلتقط أذني شيئاً، نهضت من مكاني لأرى إن كان ثمة أحد يمكنني سؤاله عن مكتب العميد، لكن الفراغ الذي لفحني بصمته وبرودته أرعبني أكثر، فالردهة كلها بيضاء باردة، ويبدو أن الدور كله لا يوجد به أحد، ولا يمكن المغامرة على الخروج من هذا المبني ببساطة، هززت رأسي وأيقنت أن النجاة الوحيدة تكمن في الانتظار، عدت مستسلماً لبرودة الكراسي، باحثا على موبايلي عن لعبة أتسلي بها، لكن أنى لي أن أعرف إن كان على موبايلي ألعاب أم لا، فكرت أضيع الوقت في قراءة أي من الملفات التي عليه، لكن البطارية فاجأتني بأن طاقتها ستنفد، تذكرت أنني منذ الأمس خارج المكتب، وأنني أمضيت مع حمد، الذي كان هدية بالفعل، ليلة من ليالي المدهشة، أغمضت عيني وأنا أتمنى لو كان الأمير كريما بالتنازل لي عنه.

كنت على وشك الجنون حين ظهر أمامي أمين شرطة طالبا أن اتبعه، كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساء، وكنت قد انهرت تقريباً، فالجوع والخوف والبرد جعلاني أشعر أنني مت، فاستسلمت لما يشبه الإغماءة على الكراسي، لم أكن مستيقظا ولا نائماً، لكنني كنت أتنفس بنصف روح، مستسلماً لأنني صرت فأر تجارب هزيل ينتظر دوره لدخول المشرحة، المدهش أن الأمين الذي ظهر لي أتي من داخل الحجرة التي كنت أجلس فيها، شعرت أن الجدران انشقت وخرج منها، لا أعرف هل لم ألحظ وجود باب في الحائط، أم أنني بالفعل أصيبت بالإغماء وتم نقلي إلى مكان أخر، لم أستطع التفكير في شيء، نهضت بجسد متكسر للغاية، حتى أنني أمسكت بيد الأمين كي أتمكن من الوقوف جيدا، بعدها بدأت أدفع نفسي للحركة خلفه، لم نمش كثيرا في الردهة الطويلة البرادة حتى دخلنا مكتباً به صالون وشاشة تليفزيون كبيرة، وقبل أن يتركني الأمين أمسكت بذراعه قائلاً أنني لا أريد مزيدا من الانتظار، لكن شبح ابتسامة أطل من بعيد على وجهه وهو يخبرني أن العميد قادم حالا، هيأت نفسي لأن أمضي ليلة طويلة من الانتظار، لكن الجدار انشق من جديد وخرج منه أمين شرطة مرحبا بي، علمت الخدعة التي لم أكن أعرفها، فالجدران بيضاء والأبواب بيضاء، وكل شيء منضبط تماما، حتى أننا لا نستطيع أن نلمح الفواصل، وكأننا في علبة من الضوء الأبيض، ولا شيء يدل على أبواب أو نوافذ، دخلت خلفه إلى المكتب الكبير الواسع، حيث وجدت العميد النجار ينهض لاستقبالي معتذرا عن تأخيري، كان المكتب واسعا بالفعل، توجد به منضدة اجتماعات بيضاوية الشكل محاطة بكراس دوارة ، على الجانب الآخر كان مكتب النجار ضخما و أمامه منضدة وكرسيين، وعلى مبعدة منه فوتيه جديد، وبالقرب من الباب صالون وعدة كراسي أمامها منضدة صغيرة.

قبلت اعتذار الرجل وهو يشرح كم الضغوط التي تعيشها القيادات الآن، فالبلاد في حالة فوضي، ولا أحد يريد أن يقتنع برأي الآخر، والكل متربص وخائف، الكل يسعى لتوسيع مكاسبه، وعلى الأمن أن يحقق الأمان للجميع، لكن كيف يمكن عمل ذلك وهم جميعاً لا يريدون الأمن ولا الاستقرار، ابتسمت داعيا الله أن يكون في عونه، متغاضيا عما جرى معي من انتظار وترهيب، قلت أن الأمر مجرد سوء توقيت أتيت فيه، وعلى أن أتحمل جانبا من ضريبة الثورة، سألني جرسون بملابس بيضاء، لا أعرف من أين ظهر، عما أرغب في شرابه، ضحكت وأنا أفكر فيما أريد بالضبط، كانت رغباتي في أشياء كثيرة أقلها الحمام، لكني تنفست مخرجاً بقايا غضبي ومقللا من طموحاتي قائلا “قهوة سادة”.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.