مافيا تزوير الكتب
سعاد سليمان

مصر هي البلاد الوحيدة في العالم التي يتم فيها تزوير الكتب علي مرأي ومسمع من الجميع، اجهزة الدولة والناشرين والكتاب، ونوقشت الظاهرة علي مدي العشرين عاما الماضية، وصرخ الناشرون با اعتبارهم هم الجهة الوحيدة المتضررة للتصدي لهذه الكارثة كما يسمونها، ولم تستطع اي جهة التصدي لهذا السوق الجديد الفريد الذي اصبح يتسع ويتمدد في طول مصر وعرضها.
هل تنهي ظاهرة تزوير الكتب في مصر صناعة النشر أم أنها أعادت للقراءة مجدها القديم في الستنيات؟
عمارة يعقوبيان وخيط البداية
احدث النجاح المدوي والساحق لرواية عمارة يعقوبيان عام 2000 للكاتب المصري علاء الاسواني هزة عنيفة في عالم الادب في مصر، فقد حظيت الرواية بدعاية غير مسبوقة في تاريخ الادب المصري والعربي، لم يحظ بها حتي اديب نوبل نجيب محفوظ، ولا يوسف السباعي الذي شغل منصب وزير الثقافة في السبعنيات، إذ استيقظ المصريون علي طوابير امام المكتبات ليس لشراء خبز او سلعة غذائية مما ندر وجوده، ولكن لشراء رواية يعقوبيان بعد ان تبني الكتابة عنها الاعلام المرئي والمسموع والمكتوب، كتب عنها كل الصحفيين في مصر علي مختلف تخصصاتهم السياسية والاجتماعية والادبية حتي كتاب الرياضة ومحرري صفحات الحوادث، وفجأة ظهر عند باعة الجرائد علي كل ارصفة شوراع مصر نسخ ” مضروبة” أي مزورة باللغة المصرية، مزورة في مكاتب تصوير منطقة بين السريات الموجودة خلف مبني جامعة القاهرة العريقة، وهي منطقة متخصصة في تصوير مذكرات الطلبة باسعار زهيدة، وجاءت نسخة عمارة يعقوبيان المزورة مطابقة تماما للنسخة الاصلية، ولكنها تباع بربع الثمن أو أقل، فإذا بيعت في مكتبة مدبولي مثلا بخمسين جنيه، فإنها تباع عند عم محروس علي بعد مائة خطوة من المكتبة بعشرة جنيهات، ولا يمكن ان تفرق بينها وبين النسخة الاصلية بداية من الغلاف والتنسق والورق والصفحات الداخلية، لدرجة انه عندما نفذت النسخ لدي بعض المكتبات ، لجئت لشراءها من باعة الارصفة بعشرة جنيهات واعادت بيعها علي انها نسخة اصلية.
التزوير متقن والفاعل مجهول
من صاحب الفكرة؟ من قدم التمويل؟ من أين جاءت ماكينات تصوير بهذه الجودة والدقة يمكنها اعادة تصنيع الكتاب في اقل من عشر دقائق؟ كيف ينتشر كتاب ما في يوم وليلة ويصير مؤلفه نجما بمجرد تداوله علي ارصفة الباعة، لا احد يعرف سوي اصحاب السوق والموزعين والبائعين ولن تستطيع ان تجبرهم علي البوح او كشف السر الحربي المتداول بينهم، واذا كان صناع هذا السوق مجهولون إلا أن تنامي وتمدد وانتشاره معلوم ومعلوم علي رؤوس الاشهاد.
جاء بعد عمارة يعقوبيان ذات الفتح الاعظم لهذه الظاهرة، كل اعمال الدكتور احمد خالد توفيق ” العراب ” كما يطلق عليه عشاقه ومريدوه وتلاميذه وقرائه، والذي احدث حالة غريبة وجديدة ومختلفة بين المبدع والكاتب إذ أنه الكاتب الوحيد في مصر الذي سافر القراء من كل محافظات مصر لحضور جنازته وتوديعه علي غير المعتاد مع كل ادباء مصر بما فيهم نجيب محفوظ.
من يقف خلف نوعية الاعمال التي يتم تزويرها، كيف يتم اختيارها، من العناوين المتدوالة في هذا السوق يبدو أن هناك شخص ما مثقف وعلي درجة عالية من الذكاء والاطلاع، يدعم تحليلي هذا نوعية المطروح علي الارصفة، تمثل هذا الذكاء في اعادة طرح الرواية الممنوعة في مصر ” اولاد حارتنا للكبير نجيب محفوظ، ويعي المسئول عن الاختيار قيمة جائزة مثل ” البوكر ” العربية فيظهر فور اعلان الروايات الفائزة باقل من 24 ساعة نسخ مزورة من هذه الروايات، حتي الروايات العالمية التي احدثت ضجة، ستجد فورا شفرة دافنشي لدان بروان، ثم كل اعماله مترجمة وايضا بالانجليزية، كتاب السر باللغتين العربية والانجليزية، اعمال جورج اوريل، بعدما ذاع صيتها كروايات ضد الديكتاتورية، ومنذ لحظة نشوب المعركة حول رواية ” عزازيل” بين الكاتب يوسف زيدان والكنيسة المصرية، غرقت الارصفة بنسخ الرواية بسعر لا يتعدي العشرون جنيها علي الاكثر.
نجوم من الرصيف إلي السينما
مع مرور الايام اصبح لهذا السوق غير المعترف به سطوة، ومن ارصفته تبدأ نجومية وانتشار الكاتب حتي لو لم تعترف به الجرائد الادبية الرسمية، والكتاب الكبار اجيال السبعنيات والثمانينات، الذين انقسموا في موقفهم حيال الظاهرة فمن يري انها خير واعادت الشباب المصري للقرءاة بعدما هجرها زمنا طويلا، وان ذلك يبشر باستمرار تدفق القراء الذين عندما يملون هذا الادب الغث من وجهة نظرهم سيبحثون عن الابداع الرصين، ويعترض اخرون بأن من يتعود علي قراءة الادب السيء لن يبحث عن الجيد، ومازالت المعركة محتدمة والسوق في ازدهار فاق كل التوقعات، ومنه خرجت نجومية احمد مراد صاحب النصيب الاكبر في تدوال اعماله تراب الماس، الفيل الازرق، واصبح مراد جواد رابح فكل ما يكتبه يتلقفه السوق فالبيع مضمون خاصة بعد تحويل رواية الفيل الازرق إلي فيلم سينمائي، ونشطت الايدي الخفية وظهرت رواية باعت اكثر من مليون لكاتب غير معروف اطلاقا اسمه محمد صادق، وروايته ” هيبتا” التي تحولت بفعل الانتشار في هذا السوق إلي مسرحية وفيلم حظي باقبال شديد، رغم أن الرواية متوسطة القيمة بل اقل من المتوسط ولكنها تناسب قراء تحت سن العشرين الذين يشكلون المستهلك الاعظم لهذا النوع من الادب وايضا مستهدفون لارضاءهم من هذا السوق.
دور الانترنت في دعم ظاهرة التزوير
ظهر في سوق تزوير الكتب مؤلفات لكتاب لم يُطبع لهم كتاب واحد ورقي، فقط كتب المؤلف رواية ووضعها في جروبات علي الفيس بوك ومواقع اخري، التقط العقل المدير لهذا السوق الكتاب وتحديدا كتاب المؤلف الشاب حسن الجندي المتخصص في نوع جديد من ادب الرعب يقوم علي التراث المصري الفرعوني والعربي، وطبعت الرواية بغير معرفة من الكاتب الذي صار نجما بين عشية وضحاها، تسابقت دور النشر علي اعمال حسن الجندي، وبمجرد ظهور كتاب جديد يصدر بالتوازي علي ارصفة الباعة، ولا احد يعرف متي واين وكيف يتم ذلك، حدث الامر نفسه مع الكاتبة المصرية سعودية نور عبد المجيد التي تحظي بجماهيرية كبيرة في هذا السوق، رغم أن اعمالها الثلاثة الاولي مجهولة ولم نعرف عنها شيئا ولكن مع تدوال روايتها ” اريد رجلا” ثم انا شهيرة انا الخائن ” التي تحولت لمسلسل تلفزيوني، وجدت لها قدما راسخة في هذا العالم، ولا يقتصر كتاب السوق علي الادباء المصريين ، فنجد ايضا اعمال الكاتبة التونسية خولة حمدي متوفرة بكثرة، بداية من رواية ” في قلبي انثي عبرية ” ” غربة الياسمين” ، أن تبقي، أين المفر، ورغم أن نجوم هذا السوق بعيد عن اهتمام الاعلام الرسمي التقليدي، لكنه صنع حالة خاصة، بجانب كتاب شباب بعيدين عن النقد والاهتمام بتقييم اعمالهم، ضم السوق اعمال الكاتب المشاغب ابراهيم عيسي، وفي محاولة لتحدي احتكار كبري دور النشر لاعمال نجيب محفوظ، فقد طرح السوق خمس مجلدات تضم الاعمال الكاملة لنجيب محفوظ بسعر 400 جنيه بينما تباع في المكتبة الكبري ب 4000 جنيه، خاصة ان دار النشر محتكرة اعمال نجيب محفوظ دفعت مليون جنيه له من اجل الحصول علي حق النشر حصري.
التزوير حلم الكتاب
لم يعد غريبا و مدهشا أن تجد بعض الادباء الذين يحلمون بالانتشار والشهرة ان يحمل روايته ويذهب إلي بائع الكتب المزورة يطلب منه ببساطة تزوير روايته، بالطبع البعض وليس الجميع، وكم رايت من فرحة وشعور بالفخر عندما اخبر بعض الكتاب أني رأيت تم تزويرها وتباع علي الارصفة، فيذكر لي عدد المحافظات التي اكرمته سوق التزوير بطرحها، والملفت أنه كان من المتصور ان هناك شخص او مجموعة عمل تختار الكتب المرشحة للتزوير والتداول، ولكني اكتشفت انه تختلف من محافظة لاخري، بينما لم تحظي رواية ” اوراق شمعون المصري” للكاتب اسامة الشاذلي التي تباع بمائة واربعين جنيها واشتريتها من اكشاك شارع النبي دانيال في الاسكندرية باربعين جنيها، لم تحظي برضا مزوري القاهرة، ولكن تلقفها اباطرة سوق التزوير في الاسكندرية ومثلها رواية ” اولاد الناس” للكاتبة ريم بسيوني ، وعلي ذكر اكشاك شارع النبي دانيال فقد انتجت هذه الحالة تحولا كبيرا في نشاط سور الازبكية اشهر سوق لبيع الكتب المستعملة، والذي اضيف إلي نشاطه بل قد اصبح نشاطه الاكثر اهمية بيع الكتب المزورة، وتراجع بيع الكتب القديمة إلي الخلف كثيرا، وكذلك سوق النبي دانيال للكتب القديمة.
إلي متي ستصمد هذه الظاهرة ؟ لماذا لا يعترض الكاتب ويفرح بتزوير كتبه، هل تخسر دور النشر، ولماذا تصر علي رفع اسعار الكتب بشكل مبالغ فيه فيضطر القاريء للسعي إلي شراء المزور، هل ينتقم الكاتب من دور النشر التي يضطر احيانا أن يدفع لها ثمن نشر كتابه، ولا يحصل علي عائد بيع كتبه بما يستحق، لهذا الموضوع حديث أخر .
أضف تعليق