د. درّيّة كمال فرحات
البلاغة العربيّة علم من علوم اللّغة العربيّة، وتسهم في التّعبير عن مكنونات النّفس الإنسانيّة بعدّة سبل، ومنها تراسل الحواس. وهو شكل من أشكال بناء الصّورة الذي يعتمد على نقل مدركات حاسّة من الحواس إلى مدركات حاسّة أخرى، ويلجأ الشّاعر عبر تراسل الحواس إلى التّوسع في الخيال وخلق صورة مميزة ومؤثّرة لإثارة الدّهشة في المتلقي. ويؤدّي التّراسل في الشّعر مهمّة تضمين الشّاعر صوره شعورًا أعمق، لأنّه يكون أقدرَ على تحقيق عمق أكبر للحياة وفيض المشاعر التي تكمن في نفسه.
وتجدر الإشارة إلى أنّ تراسل الحواس برز في الشّعر العربيّ القديم ولعلّ أبز مثال على ذلك ما ورد في شعر الشّاعر العباسي بشار بن برد الذي استخدم حاسّة السّمع للتّعبير عن الجمال فيقول:
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا تهذي فقلت لهم الأذن كالعين توفي القلب ما كان
فيظهر هذا التّراسل عبر التّبادل بين وظيفتي السّمع والبصر. وبات تراسل الحواس من السّمات البارزة في الشّعر الحديث، حيث تعبّر اللّغة الشّعريّة عن كثير من الجوانب العقليّة والانفعاليّة والإيحائيّة، وتبادل الحواس يسهم في جعل دهشة الشّعر أكثر مقبوليّة عند المتلقي، عبر تبادل وظائف الحواس، يقول محمد غنيمي هلال “فتعطي المسموعات ألوانًا وتصير المشمومات أنغامًا وتصبح المرئيات عاطرة”.
وانطلاقًا من هذه المرئيات العاطرة نبحر في ديوان الشّاعرة دروين سعد للكشف عن تراسل الحواس لديها، ويمكن أن نجزم اهتمام الشّاعرة في ديوانها بحقل معجميّ يعبّر عن الحواس، فمفرداتها تنتمي إلى السمع والبصر واللمس والتذوّق والشّمّ.
فالشّاعرة مزجت الحواس وأدّى ذلك إلى كسر الحواجز الموجودة بينها، وتجاوز حدود المعاني لإشراك المتلقي في تجربة الشاعرة التي عاشتها خلال خلق العمل الأدبي المقروء. وتجربة الشّاعرة تنطلق في التّعبير عن الكلمة المعبّرة، وفي نصّها الأوّل الموسوم باحتراق تعبير عن القصيدة التي تنشدها، حيث تقول:
كيف تحوّل العطر إلى حبال
استدارت حول عنق الكلمة
فتمزج الشّاعرة هنا بين العطر/حاسة الشّم وبين المجسّد والملموس: الحبال/استدارة/ عنق. فتشابكت المشاهد مع الرّائحة، وامتزجت معًا، لترسم الحصار المعقود على الكلمة، وتناغمت الاستدارة مع العنق معبّرة عن الصّورة المحمّلة بانفعالات وأفكار ومناخ شعوريّ جديد. ووتتابع الشّاعرة في التّعبير عن صراعها في البحث عن الكلمة فتشعر وكأنّها تورطت:
إن لمست الّليل
سأتورّط في حماقات الحلم،
وفي ملامسة اللّيل متابعة لهذه التّمازج بين الحواس، بين اللّمس ورؤية اللّيل أي السّواد، ولعلّ الشّاعرة هنا في صراع نفسيّ داخليّ، للوصول إلى قصيدتها، لهذا تكون كالشّمعة التي تحترق، ومع ذلك تبقى كلماتها غير صالحة:
و كلماتي لا تصلح أن ترسم
ملامح قصيدة
وتبرز في نص “عطر بونابارت” المفردات الدّالة على الحواس: أتذوّق/ طعم/ سمعت/ همسات/ يصغين/ فحيح/ أقضم/ يدسّ/ عطرًا/ ريقي… وغيرها من المفردات. إنّ انتشار هذه الشّبكة المعجميّة في النّصّ يحمل مجموعة من العلاقات التي ينظّمها الذّهن كي يستطيع فهم تلك المعلومات المتشابكة ضمن إطار الحقل الدّلالي، ومع انتشار هذه المفردات نرى الشّاعرة تعقد بينها علاقات لغويّة لا تجانس ولا تقارب منطقيّ بينها فهي متعارضة، فتقول:
مددت لساني لأتذوّق
طعم الدّهشة التي اعترتني،
فأصبح للدّهشة طعم يسيطر عليها، ومع التّذوّق للطّعام باللّسان نراها تتذوّق إحساس الدّهشة، وتقول في القصيدة أيضًا:
كنّ يصغين إلى فحيح الشّهوة
فيما كنت أقضم تفّاحتي
تربط الشّاعرة بين أفكار لا رابط بينها فتوفر فضاءً شعريًّا لا تحقّقه الأفكار المتجانسة، وتشير الشّاعرة في قصيدتها هذه إلى فضاء عالم أدم وحواء وحكاية الشّهوة والتّفاحة، وتترك للمتلقي أن يربط بين حلمها ونساء الحيّ والجار والنّاطور وعطر بونابرت. وكأنّ هواجس المرسل في النّص قد تحوّلت إلى حلم متقطع الأوصال ليعبّر عن السلطة والشّهوات.
ومن الهواجس التي تسيطر على الكاتبة في ديوانها ما له علاقة بالكلمة والكتابة، وقد تكررت هذه الفكرة في أكثر من قصيدة، وفي نصّها “لا حبر عندي اليوم”، تقول:
لا حبر عندي اليوم، لأشدّ ما تراخى على مطارف
القصيدة،
تركتها تكتب نفسها بما توافر من ضوضاء ووجع…
ولم تكن دروين سعد بعيدة من تراسل الحواس في هذا النّص لتعبّر عن القصيدة المهملة من قبلها، بعد أن حلّت اللّعنة على الأبجديّة:
وما شئت أن أوقظها…
لعنةٌ حلّت على الأبجديّة،
وشحّت الرّغبة…
غرابٌ، فوق السطور يحوم،
يصغي إلى خرير الضوء،
يعلك الحروف، يمزّقها، يقتات من دمي، يلوّث
ورقتي،
يحجب العطر ويغلق الممرّ…
من الملاحظ هنا أنّ الشّاعرة اعتمدت تحوّلات البصريّ إلى السّمعيّ والسّمعيّ إلى بصريّ، فتداخلت الحواس، ففي وصفها للغراب جعلته يسمع خرير الضّوء، والضّوء يُرى ولا يسمع، وظهر تراسل الحواس في حجب العطر، فبات العطر ماديًّا يمكن حجب الطّرقات عليه، إنّ تداخل الحواس المعتمد يعبّر هنا عن النّفس الإنسانيّة، ويتجلّى ذلك عبر المخيّلة التي تعود بالمتعة في الأعمال الفنيّة.
إنّ تراسل الحواس أو تبادلها فنّ يحقّق دهشة الشّعر عند المتلقي، ويبرز ذلك من خلال تغيير وظيفة حاسة ما بوظيفة أخرى، وقد برز ذلك جليًّا في ديوان شاعرتنا دورين سعد، فصرنا نسمع بعينينا أو بلساننا أو بيدنا، أو نتذوّق بعيننا أو بأذنينا وهكذا، وهذا التّراسل يشكّل نوعًا من أنواع الصّورة الشّعريّة، ومن خلال التّوسّع في الخيال وخلق صور مؤثّرة.
والمتصفح لديوان الشّاعرة يقع على الكثير من العبارات التي اعتمدت فيها الشّاعرة على تراسل الحواس وتبادله، واترك للمتلقي اكتشاف الدّلالة والبعد الجمالي فيها، واسمح لنفسي أن أقول له إنّه سيجد أنّ الشّاعرة تعيش حالة القلق مع القصيدة والكلمة، تبحث عنها وتنشدها، وتعبّر عن ارتباطها العاطفي بالأب والأم، ولا تنسى تصوير العلاقة مع الآخر/ الحبيب.
وسأترك القارئ ومخيّلته مع بعض هذه العبارات التي احتوت تراسل الحواس من عدّة قصائد للشّاعرة في الدّيوان:
فدموعهم التي سقطت في حنجرة الّليل،
كانت بلا صوت…
وينشر الشّذا لمعانه فوق أريج الحقول…
فأصغي إلى همس قبلات
ما زال صداها يتردّد في أغنية
من دون كلمات…
حين ينسج الضوء خيوطه
على ضوء الحلم .
أضف تعليق