مراجعة نقدية للكتاب التذكاري الجماعي: «في عوالم الخيال الأدبي: مقاربات حول تجربة د. عبد السلام الشاذلي النقدية»..

.

بقلم: حكمت الحاج *

.

1.
ليس من السهل أن يتم الاحتفاء بناقد. فالناقد، في العادة، يقف في الظل، مهمته الأساسية أن يضيء النصوص لا أن يستأثر بالضوء لنفسه. لكن حين يمتد مشروع نقدي على مدى نصف قرن، ويترك أثره في تشكيل أسئلة الأدب العربي، وفي تطوير أدوات القراءة النقدية، يصبح الاحتفاء به ضرورة معرفية لا مجرد مجاملة ثقافية. من هذا الأفق يمكن قراءة الكتاب الجماعي «في عوالم الخيال الأدبي: مقاربات حول تجربة د. عبد السلام الشاذلي النقدية» الذي صدر عن منشورات كناية سنة 2026 بإعداد وتحرير وتقديم الشاعر والناقد حكمت الحاج، على أنه عمل ينبع من الضرورة.
لا يندرج هذا العمل ضمن الكتب التذكارية التقليدية التي تكتفي بجمع شهادات احتفالية حول شخصية ثقافية بارزة، بل ينتمي إلى نمط من الكتب النقدية الجماعية التي تسعى إلى إعادة مساءلة مشروع فكري كامل من خلال قراءات متعددة الزوايا. فالكتاب لا يكتفي بتكريم الدكتور عبد السلام الشاذلي، بل يحاول أن يعيد وضع تجربته داخل خريطة النقد العربي الحديث، وأن يفحص الأسئلة المنهجية والفكرية التي انبثقت عنها هذه التجربة.
تتمثل أهمية هذا الكتاب في أنه يعالج مشروع الشاذلي بوصفه نسقاً نقدياً متكاملاً، لا مجرد مجموعة من الدراسات المتفرقة. فقد اشتغل الشاذلي، عبر كتبه الأساسية، على عدد من المحاور التي شكلت في مجموعها رؤية نقدية واضحة المعالم، من بينها:
. تحليل شخصية المثقف في الرواية العربية
. دراسة العلاقة بين التجريب والتغريب في الأدب الحديث
. تحليل صورة المدينة في الشعر العربي المعاصر
. تأصيل مناهج البحث الأدبي في الثقافة العربية
وقد سعت الدراسات المضمّنة في هذا الكتاب إلى قراءة هذه المحاور من زوايا مختلفة، تجمع بين التحليل التاريخي والمنهجي والنصي. وبهذا المعنى يتحول الكتاب إلى فضاء حواري تتقاطع فيه أصوات نقدية متعددة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: الاعتراف بأن مشروع د. عبد السلام الشاذلي يمثل محاولة جادة لإعادة التفكير في علاقة الأدب العربي بسياقه الحضاري.
من الناحية البنيوية، يتوزع الكتاب على سلسلة من الدراسات والشهادات التي كتبها باحثون ونقاد من أقطار عربية مختلفة. وهذا التنوع الجغرافي والثقافي يضفي على الكتاب طابعاً حوارياً واضحاً، إذ لا يقدم قراءة واحدة للمشروع النقدي للشاذلي، بل يقدم مجموعة من القراءات التي تتكامل أحياناً وتتباين أحياناً أخرى.

# المدخل إلى الكتاب: نصف قرن من النقد
يفتتح الكتاب بنصٍّ للناقد العراقي حكمت الحاج يحمل عنوان «د. عبد السلام الشاذلي ونصف قرن من النقد»، وهو في الأصل كلمة ألقيت في مستهل ندوة تكريمية نظمت ضمن فعاليات “فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات”، غير أن هذا النص يتجاوز طابعه الاحتفالي ليصبح مدخلاً نظرياً لفهم المشروع النقدي للشاذلي.
ينطلق الحاج من فكرة أساسية مفادها أن الشاذلي لم يكن مجرد ناقد يشرح النصوص أو يفسرها، بل كان مفكراً يحاول أن يقرأ الأدب العربي في علاقته بالبنية الحضارية للمجتمع. فالأدب، في نظر الشاذلي، ليس ظاهرة جمالية معزولة، بل هو تعبير عن توترات ثقافية وفكرية تعيشها المجتمعات.
ومن هنا تأتي أهمية بعض كتبه الأساسية، وفي مقدمتها كتاب «شخصية المثقف في الرواية العربية الحديثة» الذي حاول فيه أن يتتبع تمثيلات المثقف داخل السرد العربي الحديث. في هذا الكتاب لا يكتفي الشاذلي بتحليل الشخصيات الروائية من منظور فني، بل يتعامل معها باعتبارها مؤشراً على أزمة الوعي في المجتمع العربي. فالروائي، حين يخلق شخصية المثقف، لا يقدم نموذجاً فردياً فحسب، بل يعكس عبر هذه الشخصية توتراً حضارياً أوسع يتعلق بعلاقة المعرفة بالسلطة، وعلاقة الفكر بالواقع الاجتماعي.
يتوقف الحاج أيضاً عند كتاب آخر مهم في مسار الشاذلي، وهو «الأسس النظرية في مناهج البحث الأدبي». هذا الكتاب يمثل محاولة مبكرة لتأصيل المناهج النقدية الحديثة في الثقافة العربية، إذ يسعى فيه الشاذلي إلى تحليل السياقات الفكرية التي نشأت فيها هذه المناهج، بدلاً من الاكتفاء بنقلها أو تطبيقها بشكل آلي.
ومن خلال هذه القراءة يتضح أن المشروع النقدي للشاذلي يقوم على فكرة مركزية يمكن تلخيصها في أن الأدب جزء من التاريخ الثقافي للمجتمع. ولذلك لا يمكن فهم النصوص الأدبية إلا إذا وضعت داخل السياقات الاجتماعية والفكرية التي أنتجتها.

# شهادة الناقد المحتفى به عن نفسه
بعد هذا المدخل يأتي نص بعنوان «شهادة على عصر» كتبه الدكتور عبد السلام الشاذلي نفسه. وهذه الشهادة تمثل وثيقة فكرية مهمة لأنها تتيح للقارئ أن يطل على الخلفيات الثقافية التي تشكل فيها هذا المشروع النقدي.
يبدأ الشاذلي شهادته باستعادة طفولته في قرية مصرية صغيرة في دلتا النيل، حيث كان العالم الثقافي محدوداً، لكن وجود مكتبة عائلية غنية بكتب التراث العربي والإسلامي لعب دوراً حاسماً في تكوينه الفكري المبكر. فقد تعرّف من خلال هذه المكتبة إلى مؤلفات كبار المفكرين مثل الغزالي وابن خلدون ومحمد عبده والأفغاني، وهي نصوص أسست مبكراً حساً تاريخياً لديه.
لكن التأثير الأكبر في تكوينه الثقافي جاء من احتكاكه بالأدب العربي الحديث، خاصة أعمال طه حسين ونجيب محفوظ. ففي كتاب «الأيام» اكتشف الشاذلي صورة الريف المصري الفقير وما يختزنه من صراعات اجتماعية، بينما كشفت له رواية «زقاق المدق» عالماً حضرياً جديداً يفيض بالتناقضات.
مع انتقاله إلى القاهرة للدراسة في كلية الآداب، وجد نفسه في قلب الحياة الثقافية المصرية في زمنها الذهبي. وهناك تتلمذ على يد عدد من كبار الأساتذة مثل شكري عياد وعبد العزيز الأهواني وسهير القلماوي. وقد لعب هؤلاء دوراً أساسياً في توجيه اهتمامه نحو النقد الأدبي.
تكشف هذه الشهادة أن المشروع النقدي للشاذلي لم ينشأ في عزلة أكاديمية، بل تشكل داخل شبكة واسعة من العلاقات الثقافية والفكرية. فقد كان الشاذلي جزءاً من جيل من المثقفين العرب الذين عاشوا لحظة تاريخية حاسمة، لحظة انتقال الثقافة العربية من تقاليدها الكلاسيكية إلى فضاءات الحداثة الفكرية.

# المشروع النقدي بين التأصيل والتجديد
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى الدراسة التي كتبها الدكتور مصطفى عطية جمعة بعنوان «المشروع النقدي للدكتور عبد السلام الشاذلي: المعالم والمنهجيات والقضايا». وتعد هذه الدراسة من أكثر فصول الكتاب عمقاً من الناحية المنهجية.
يرى الباحث أن أهم ما يميز تجربة الشاذلي هو تكاملها الفكري. فالشاذلي لم يتعامل مع النقد بوصفه مجموعة من التقنيات التحليلية، بل بوصفه رؤية شاملة للأدب في علاقته بالتاريخ والثقافة.
ومن هنا تأتي أهمية كتابه حول مناهج البحث الأدبي، حيث يحاول فيه أن يربط تطور المناهج النقدية بالتحولات الفكرية التي عرفها العالم العربي منذ عصر النهضة. فالناقد، في نظر الشاذلي، لا يستطيع أن يفهم المناهج النقدية الحديثة ما لم يدرس السياقات الفكرية التي نشأت فيها.
في هذا السياق يتوقف الشاذلي عند عدد من التيارات الفكرية التي أثرت في الثقافة العربية الحديثة، مثل حركة الإصلاح الديني التي قادها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وكذلك التيارات الليبرالية التي ظهرت في مصر في نهاية القرن التاسع عشر.
ومن خلال تحليل هذه التيارات يوضح الشاذلي أن النهضة الأدبية العربية لم تكن مجرد استجابة لتأثيرات الغرب، بل كانت نتيجة تفاعل معقد بين عوامل داخلية وخارجية.
ويواصل د. مصطفى عطية مبحثه قائلا إن ما يميز قراءة الشاذلي لتاريخ النقد العربي هو أنها لا تنظر إلى هذا التاريخ بوصفه سلسلة من المدارس أو المناهج فحسب، بل بوصفه جزءاً من تاريخ الفكر العربي الحديث.
فحين يدرس الشاذلي أعمال نقاد مثل العقاد وطه حسين وسلامة موسى، فإنه لا يكتفي بتحليل آرائهم النقدية، بل يحاول أن يفهم الخلفيات الفكرية التي شكلت هذه الآراء. فالعقاد، مثلاً، تأثر بالتحليل النفسي وبالرومانسية الإنجليزية، بينما تأثر طه حسين بالفكر العقلاني الفرنسي وبالمنهج الديكارتي في الشك.
لكن الشاذلي لا يتعامل مع هذه التأثيرات الغربية بوصفها ظاهرة سلبية بالضرورة، بل يرى أنها جزء طبيعي من عملية التفاعل الثقافي بين الحضارات. غير أنه يحذر في الوقت نفسه من الوقوع في الاستلاب الثقافي الذي يجعل الفكر العربي مجرد صدى للفكر الغربي.
ومن هنا تتبلور إحدى الأفكار المركزية في مشروعه النقدي، وهي ضرورة بناء نقد أدبي عربي يستفيد من المناهج الحديثة دون أن يفقد ارتباطه بالسياق الثقافي العربي.

2.
إذا كان القسم الأول من الكتاب قد انشغل بتأطير المشروع النقدي لعبد السلام الشاذلي من حيث سياقه التاريخي ومساره الفكري، فإن القسم الثاني ينتقل إلى مستوى آخر من القراءة؛ مستوى يركز على تفكيك المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها هذا المشروع، وتحليل الطريقة التي اشتغل بها الشاذلي على قضايا مثل النص الأدبي، وشخصية المثقف، والمنهج النقدي.
وتتجلى هذه النقلة المنهجية من خلال مجموعة من الدراسات التي كتبها نقاد وباحثون عرب، حاول كل واحد منهم أن يضيء جانباً من جوانب هذا المشروع.

# النقد بوصفه ممارسة ثقافية
مساهمة د. عبد الرؤوف النويهي

يبدأ هذا القسم بنص قصير نسبياً لعبد الرؤوف محمد النويهي يحمل عنوان «كلمة»، لكنه يتجاوز طبيعته الاحتفالية ليصبح مدخلاً فكرياً مهماً لفهم طبيعة المشروع النقدي للشاذلي.
يركز النويهي على فكرة أساسية مفادها أن الشاذلي يمثل نموذجاً للناقد الذي جمع بين الدقة الأكاديمية والانخراط الثقافي. فالنقد، في نظر الشاذلي، لا يمكن أن يظل نشاطاً جامعياً محصوراً داخل جدران المؤسسات الأكاديمية، بل ينبغي أن يكون جزءاً من الحياة الثقافية العامة.
ومن هنا يشير النويهي إلى أن الشاذلي كان حاضراً في المشهد الثقافي العربي عبر مشاركاته في الندوات والمؤتمرات والحوارات الفكرية، وهو ما جعله قادراً على أن يقرأ الأدب العربي من داخل حركته الحية، لا من خارجها.
هذه الملاحظة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف عن بعد مهم في المشروع النقدي للشاذلي، وهو أن النقد لديه ليس مجرد تقنية تحليلية، بل هو موقف ثقافي. فالناقد، في هذا التصور، ليس مراقباً محايداً للنصوص، بل مشارك في النقاش الثقافي الذي يحيط بها.

# النص الأدبي بين البوح والكشف
تأملات د. لطفي زكري النقدية

تنتقل القراءة بعد ذلك إلى دراسة مطولة كتبها الناقد التونسي الدكتور لطفي زكري بعنوان «كيف ينبغي للنصوص الأدبية أن تلقي بأفلاذ أكبادها؟»، وهي عبارة لافتة تعكس طبيعة السؤال الذي يحكم هذه الدراسة.
يرى زكري أن المشروع النقدي للشاذلي يقوم على تصور خاص للنص الأدبي، فالنص في نظره ليس بنية مغلقة يمكن تحليلها عبر مجموعة من الأدوات الشكلية، بل هو كيان معرفي مركب يحتوي على طبقات متعددة من الدلالة.
ولهذا السبب يرفض الشاذلي القراءة النقدية التي تكتفي بوصف البنية اللغوية للنص، ويصر على ضرورة الكشف عن العلاقات الخفية التي تربط النص بسياقه الثقافي والتاريخي.
ومن هنا تأتي الاستعارة التي استخدمها زكري في عنوان دراسته: فالنص الأدبي، كما يرى الشاذلي، لا يبوح بأسراره بسهولة، بل يحتاج إلى قراءة عميقة قادرة على استخراج «أفلاذ أكباده»، أي طبقاته الدلالية الأكثر عمقاً.
هذه الفكرة تعيدنا إلى إحدى السمات الأساسية في المشروع النقدي للشاذلي، وهي الجمع بين التحليل الجمالي والتحليل الحضاري. فالأدب، في هذا التصور، ليس مجرد لعبة لغوية، بل هو تعبير عن رؤية الإنسان للعالم.
ولذلك فإن القراءة النقدية لا تكتمل إلا إذا استطاعت أن تربط بين جماليات النص وبين الأسئلة الفكرية التي يطرحها.

# المثقف داخل الرواية العربية
قراءة عبد الجليل حمودي

تأتي دراسة الناقد التونسي عبد الجليل حمودي بعنوان «بنى البداية والنهاية» لتقدم قراءة تطبيقية لأحد أهم كتب الشاذلي، وهو كتاب «شخصية المثقف في الرواية العربية الحديثة».
يركز حمودي في دراسته على العلاقة بين بنية السرد الروائي وبين تمثيل شخصية المثقف داخل الرواية. فالشاذلي يرى أن الرواية العربية الحديثة لم تكتف بتصوير المجتمع، بل قدمت أيضاً صورة معقدة للمثقف ودوره داخل هذا المجتمع.
ومن خلال تحليل عدد من الروايات العربية، يبين حمودي أن المثقف يظهر في السرد العربي غالباً بوصفه شخصية تعيش حالة من التوتر المستمر. فهو من جهة يحمل مشروعاً فكرياً يسعى إلى تغيير الواقع، لكنه من جهة أخرى يجد نفسه عاجزاً عن تحقيق هذا المشروع في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية القائمة.
هذا التوتر هو ما يجعل شخصية المثقف واحدة من أكثر الشخصيات تعقيداً في الرواية العربية الحديثة. ولذلك فإن دراسة الشاذلي لهذه الشخصية لم تكن مجرد تحليل أدبي، بل كانت أيضاً محاولة لفهم أزمة المثقف العربي في العصر الحديث.
يرى حمودي أن أهمية هذه الدراسة تكمن في أنها تربط بين تحليل السرد الروائي وبين دراسة التحولات الفكرية في المجتمع العربي. فالرواية، في نظر الشاذلي، ليست مجرد فن سردي، بل هي أيضاً وثيقة ثقافية تعكس التحولات التي يعيشها المجتمع.

# التراث والحداثة في النقد العربي
مداخلة د. كريمة براح

تقدم الدكتورة كريمة براح في دراستها «نقد النقد في كتاب الرؤى النقدية المعاصرة لجدل التراث والإبداع» قراءة منهجية لأحد الجوانب المركزية في المشروع النقدي للشاذلي، وهو موقفه من العلاقة بين التراث والحداثة.
تبدأ الباحثة الجزائربة بتحديد الإشكالية الأساسية التي يطرحها هذا الموضوع في الثقافة العربية الحديثة. فمنذ بداية النهضة العربية في القرن التاسع عشر، ظل المثقفون العرب يتجادلون حول الطريقة التي ينبغي التعامل بها مع التراث.
فهل يجب العودة إلى التراث بوصفه المصدر الأساسي للهوية الثقافية؟ أم ينبغي تجاوزه والانفتاح الكامل على الحداثة الغربية؟
يرى الشاذلي أن هذا السؤال صيغ في كثير من الأحيان بطريقة تبسيطية، لأنه يفترض وجود تعارض مطلق بين التراث والحداثة. لكن الواقع، في نظره، أكثر تعقيداً من ذلك.
فالتراث ليس كتلة واحدة جامدة، بل هو فضاء متعدد الطبقات يحتوي على عناصر مختلفة يمكن إعادة قراءتها في ضوء الأسئلة المعاصرة.
ومن هنا فإن مهمة النقد الأدبي ليست الدفاع عن التراث أو مهاجمته، بل إعادة تفسيره بطريقة تسمح بربطه بالأسئلة التي يطرحها الحاضر.
تؤكد براح أن هذا الموقف النقدي يمثل أحد الجوانب الأكثر أهمية في مشروع الشاذلي، لأنه يحاول أن يتجاوز الثنائية التقليدية بين الأصالة والمعاصرة.
من خلال هذه الدراسات يتضح أن المشروع النقدي للشاذلي يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية، يمكن تلخيصها في ثلاث أفكار رئيسية:
أولاً، الأدب جزء من التاريخ الثقافي للمجتمع، ولذلك لا يمكن فهمه بمعزل عن السياقات الفكرية والاجتماعية التي أنتجته.
ثانياً، المناهج النقدية ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي تعبير عن رؤى فلسفية وثقافية ينبغي فهمها قبل تطبيقها.
ثالثاً، العلاقة بين التراث والحداثة ليست علاقة صراع بسيط، بل هي علاقة جدلية معقدة تحتاج إلى قراءة تاريخية عميقة.
هذه المبادئ هي التي تمنح المشروع النقدي للشاذلي تماسكه الداخلي، وهي أيضاً التي تجعل قراءته للأدب العربي قراءة تتجاوز حدود التحليل النصي الضيق.

3.
إذا كان القسمان السابقان من هذه القراءة قد انشغلا أولاً بوضع الكتاب في سياقه الفكري، ثم بتحليل بعض مفاهيمه المركزية مثل النص الأدبي، وشخصية المثقف، والعلاقة بين التراث والحداثة، فإن القسم الثالث من الكتاب يمثل مرحلة أكثر تركيباً، حيث تنتقل الدراسات إلى تحليل بعض القضايا المتخصصة في مشروع عبد السلام الشاذلي، سواء من حيث مناهج البحث الأدبي أو من حيث تجليات هذا المشروع في قراءة الشعر والرواية.
في هذه المرحلة يتضح أن الكتاب الجماعي لم يكن يهدف فقط إلى قراءة أعمال الشاذلي، بل إلى اختبار قدرة هذا المشروع النقدي على تفسير ظواهر أدبية مختلفة. ومن هنا جاءت الدراسات التي تناولت كتبه الأساسية من زوايا منهجية متعددة.

# المناهج النقدية بين التأصيل والتطبيق
مداخلة حيزية فضة

تتناول الباحثة الجزائرية حيزية فضة في دراستها المعنونة «الأسس النظرية في مناهج البحث الأدبي عند الدكتور عبد السلام الشاذلي» أحد أهم كتب الشاذلي وأكثرها تأثيراً في الدراسات الأدبية العربية.
تنطلق الدراسة من ملاحظة أساسية مفادها أن الشاذلي لم يتعامل مع المناهج النقدية الحديثة بوصفها أدوات جاهزة يمكن نقلها إلى الثقافة العربية، بل تعامل معها بوصفها نتاجاً لتاريخ فكري معين. ولذلك فإن فهم هذه المناهج يقتضي العودة إلى السياقات الفلسفية والثقافية التي نشأت فيها.
وتشير الباحثة إلى أن كتاب الشاذلي حول المناهج النقدية يتميز بثلاث خصائص أساسية:
الخاصية الأولى هي النزعة الموسوعية. فالكتاب لا يقتصر على عرض منهج نقدي واحد، بل يقدم قراءة واسعة لتطور المناهج الأدبية الحديثة منذ القرن التاسع عشر، مروراً بالمنهج التاريخي والنفسي والاجتماعي، وصولاً إلى المناهج البنيوية والسيميولوجية.
أما الخاصية الثانية فهي البعد التاريخي. فالشاذلي لا يعرض المناهج النقدية بطريقة وصفية، بل يحاول أن يربط ظهورها بالتحولات الفكرية التي عرفتها أوروبا والعالم العربي.
أما الخاصية الثالثة فهي النزعة المقارنة. فالشاذلي يقارن باستمرار بين المناهج الغربية وبين إمكانات تطبيقها في الثقافة العربية، محاولاً أن يحدد الحدود التي يمكن أن تنجح فيها هذه المناهج، والحدود التي ينبغي إعادة التفكير فيها.
ومن خلال هذا التحليل ترى الباحثة أن كتاب الشاذلي يمثل محاولة جادة لبناء وعي نقدي عربي بالمناهج الحديثة، بدلاً من الاكتفاء بتلقيها بصورة ميكانيكية.

# المناص في الكتاب النقدي
مداخلة الدكتورة منى برهومي

تقدم الباحثة الجزائرية منى برهومي في دراستها قراءة مختلفة لكتاب الشاذلي «شخصية المثقف في الرواية العربية الحديثة»، إذ تركز على ما يسمى في الدراسات السيميولوجية بـ المناص، أي العناصر النصية التي تحيط بالنص مثل العنوان والمقدمة والتنظيم الداخلي للفصول.
تبدو هذه المقاربة للوهلة الأولى بعيدة عن التحليل التقليدي للمحتوى، لكنها تكشف عن جانب مهم في المشروع النقدي للشاذلي، وهو الطريقة التي يبني بها خطابه النقدي.
تلاحظ الباحثة أن الشاذلي لم يكتب كتابه بطريقة وصفية تقليدية، بل صاغه وفق بنية منهجية دقيقة تبدأ بتحديد الإطار التاريخي للرواية العربية، ثم تنتقل إلى تحليل النماذج الروائية، قبل أن تصل إلى استخلاص النتائج العامة.
هذه البنية ليست مجرد تنظيم شكلي للكتاب، بل تعكس تصوراً منهجياً واضحاً لطبيعة البحث الأدبي. فالناقد، في نظر الشاذلي، لا ينبغي أن يبدأ بالنتائج، بل يجب أن يصل إليها عبر مسار تحليلي يتدرج من العام إلى الخاص.
ومن خلال هذا التحليل ترى برهومي أن كتاب الشاذلي حول شخصية المثقف لا يمثل مجرد دراسة أدبية، بل يمثل أيضاً نموذجاً للكتابة النقدية المنهجية.

# المثقف بوصفه مرآة للتاريخ
مداخلة هايدي فاروق

تتناول الكاتبة والإعلامية المصرية هايدي فاروق في دراستها المعنونة «المثقف شاهد على عصره» البعد التاريخي في قراءة الشاذلي لشخصية المثقف داخل الرواية العربية.
تنطلق الدراسة من فكرة مفادها أن المثقف في الرواية العربية لا يظهر فقط بوصفه شخصية فردية، بل بوصفه رمزاً لتحولات المجتمع. ولذلك فإن دراسة هذه الشخصية يمكن أن تكشف عن الكثير من التوترات الفكرية والسياسية التي عاشها العالم العربي في القرن العشرين.
تشير الباحثة إلى أن الشاذلي كان حريصاً على قراءة الرواية العربية في سياقها التاريخي. فالشخصيات الروائية التي تناولها في دراسته، مثل شخصيات نجيب محفوظ ويحيى حقي وغيرهما، تعكس مراحل مختلفة من تطور المجتمع العربي.
في بعض الروايات يظهر المثقف بوصفه شخصية إصلاحية تسعى إلى تغيير المجتمع، بينما يظهر في روايات أخرى بوصفه شخصية مأزومة تعاني من الاغتراب والعجز.
هذا التباين لا يعكس اختلاف الرؤى الروائية فقط، بل يعكس أيضاً التحولات التي عاشها المثقف العربي نفسه، بين مرحلة الأمل في التغيير ومرحلة الإحباط بعد فشل المشاريع النهضوية الكبرى.
ومن هنا ترى الباحثة أن قراءة الشاذلي لشخصية المثقف تمثل في الواقع محاولة لفهم تاريخ الوعي العربي الحديث.

# التجريب والتغريب في الشعر العربي
قراءة نبيل شوفان

في دراسته المعنونة «جدل التجريب والتغريب وأثره في تطور الشعر العربي» يتناول نبيل شوفان أحد كتب الشاذلي المهمة وهو كتاب «التغريب والتجريب في الأدب العربي المعاصر».
تتمحور هذه الدراسة حول العلاقة المعقدة بين التجديد الشعري والتأثيرات الغربية في الأدب العربي الحديث.
يرى شوفان أن الشاذلي لم يكن من النقاد الذين يرفضون الحداثة الغربية رفضاً مطلقاً، لكنه كان في الوقت نفسه حذراً من الوقوع في ما سماه بعض المفكرين الاستلاب الثقافي.
فالتجريب في الشعر العربي، كما يرى الشاذلي، ظاهرة طبيعية في تطور الأدب. فكل أدب حي لا بد أن يبحث عن أشكال جديدة للتعبير.
لكن المشكلة تظهر عندما يتحول التجريب إلى تقليد أعمى للنماذج الغربية دون مراعاة الخصوصية الثقافية للغة العربية.
ومن هنا حاول الشاذلي أن يميز بين نوعين من التجريب:
الأول هو التجريب الخلاق الذي ينطلق من داخل اللغة العربية وتراثها الشعري.
والثاني هو التجريب المقلد الذي يعتمد على استنساخ النماذج الغربية دون فهم عميق لها.
وترى دراسة شوفان أن هذا التمييز يمثل أحد الجوانب الأكثر أهمية في المشروع النقدي للشاذلي، لأنه يحاول أن يوازن بين الانفتاح على الحداثة والحفاظ على الخصوصية الثقافية.
ومن بين الدراسات التي تميزت بطابعها التطبيقي الواضح في هذا الكتاب تأتي مساهمة الناقد والشاعر السوري نبيل شوفان، التي تناول فيها كتاب عبد السلام الشاذلي «التغريب والتجريب في الأدب العربي المعاصر» بوصفه مدخلاً لفهم التحولات الجمالية التي عرفها الشعر العربي الحديث. لا يتوقف شوفان عند العرض النظري لمفهومي التجريب والتغريب، بل يمضي إلى اختبارهما داخل النصوص الشعرية ذاتها، مستكشفاً الكيفية التي تشكل بها الحس الحداثي في الشعر العربي تحت ضغط التأثيرات الثقافية الغربية. فيتناول بالتطبيق النقدي مجموعة شعرية بعنوان “انستغرام” للشاعر حكمت الحاج مستلهما قراءتها مما ورد في كتاب د. عبد السلام الشاذلي ” التغريب والتجربب” من مفاهيم تتعلق بالتجريب في الكتابة الشعرية العربية المعاصرة ومدى علاقة ذلك بالتغريب بمعنى إلى أي مدى يكون هذا التجريب الشعري له علاقة بالفكر الغربي في الوقت الذي يجب عليه أن يكون عربيا أصيلا.
ومن خلال هذه المقاربة التطبيقية يبيّن شوفان أن الشاذلي لم يكن معنياً بإدانة التجريب أو تمجيده، بل كان يسعى إلى تفكيك شروطه التاريخية والثقافية، والتمييز بين تجريب ينبع من دينامية اللغة العربية نفسها وتجريب آخر يقوم على محاكاة شكلية للنماذج الغربية. وهنا تتجلى أهمية قراءة شوفان، إذ تُظهر أن الشاذلي لم يكن ناقداً محافظاً يرفض الحداثة الشعرية، بل ناقداً يسعى إلى فهمها من الداخل وإعادة ربطها بالبنية الثقافية العربية.

# الظاهراتية في تحليل الرواية
قراءة ناصر اسطمبول

تختتم دراسات الكتاب ببحث للدكتور ناصر اسطمبول بعنوان «ظاهراتية المكوّن النسقي لشخصية المثقف في الرواية العربية الحديثة».
تتميز هذه الدراسة بطابعها الفلسفي الواضح، إذ تحاول أن تقرأ مشروع الشاذلي من خلال بعض المفاهيم الظاهراتية التي تركز على تجربة الإنسان في العالم.
يرى الباحث أن قراءة الشاذلي للرواية العربية تكشف عن وجود نسق ثقافي عميق يتحكم في تمثيل شخصية المثقف داخل السرد العربي.
هذا النسق يظهر في عدد من السمات المتكررة مثل الشعور بالاغتراب، والصراع مع السلطة، والتوتر بين الفكر والواقع.
ومن خلال تحليل هذه السمات يحاول الباحث أن يبين أن الرواية العربية الحديثة لم تكن مجرد شكل أدبي جديد، بل كانت أيضاً تعبيراً عن أزمة حضارية يعيشها المجتمع العربي.
ومن هنا فإن دراسة الشاذلي لشخصية المثقف يمكن قراءتها بوصفها محاولة لفهم هذه الأزمة.
يرى الدكتور ناصر اسطمبول إن الأزمة يمكن النظر إليها من زاوية مختلفة، إذ تتخذ منحىً فلسفياً واضحاً في مقاربتها لمشروع الشاذلي النقدي. ففي دراسته المعنونة «ظاهراتية المكوّن النسقي لشخصية المثقف في الرواية العربية الحديثة» يحاول اسطمبول أن يقرأ أعمال الشاذلي من خلال منظور ظاهراتي يركز على التجربة الإنسانية التي تكمن وراء تمثيلات المثقف في السرد العربي. يرى الباحث أن الشاذلي لم يدرس المثقف الروائي بوصفه شخصية سردية فحسب، بل بوصفه بنية دلالية تكشف عن توترات الوعي العربي بين الفكر والواقع، وبين الطموح التنويري وحدود الفعل التاريخي. ومن هذا المنطلق يقترح اسطمبول قراءة فلسفية للمشروع النقدي للشاذلي، مفادها أن هذا المشروع يمثل محاولة لفهم الرواية العربية باعتبارها فضاءً تتجسد فيه أزمة المثقف في العالم العربي الحديث. وهكذا تتحول دراسة اسطمبول إلى تأمل فلسفي في البعد الإنساني والمعرفي للنقد الأدبي، وتضيف بعداً تأويلياً جديداً إلى القراءات الأخرى التي احتواها الكتاب.

# خاتمة: موقع الشاذلي في النقد العربي الحديث
بعد قراءة الفصول المختلفة لهذا الكتاب يمكن القول إن «في عوالم الخيال الأدبي» لا يقدم مجرد تكريم لناقد عربي بارز، بل يقدم أيضاً محاولة لإعادة قراءة أحد المشاريع النقدية المهمة في الثقافة العربية المعاصرة.
فالمشروع النقدي لعبد السلام الشاذلي يتميز بعدة خصائص تجعله جديراً بالاهتمام.
أول هذه الخصائص هو النزعة التاريخية في قراءة الأدب. فالشاذلي ينظر إلى النصوص الأدبية بوصفها جزءاً من تاريخ المجتمع، لا مجرد نصوص جمالية معزولة.
الخاصية الثانية هي الاهتمام بالمناهج النقدية، حيث حاول الشاذلي أن يقدم قراءة عربية واعية لهذه المناهج بدلاً من الاكتفاء بتلقيها.
أما الخاصية الثالثة فهي الانشغال بقضية المثقف، وهي قضية مركزية في الفكر العربي الحديث.
من خلال هذه الخصائص يمكن القول إن مشروع الشاذلي يمثل محاولة لبناء نقد أدبي عربي حديث يجمع بين التحليل الجمالي والوعي التاريخي. وهذا ما يجعل الكتاب الجماعي الذي بين أيدينا أكثر من مجرد عمل احتفالي، بل يجعله وثيقة نقدية مهمة تساهم في إعادة تقييم موقع الشاذلي داخل تاريخ النقد العربي المعاصر.

هامش:/
* في عوالم الخيال الأدبي: مقاربات حول تجربة د. عبد السلام الشاذلي النقدية، كتاب تذكاري جماعي، من إعداد وإشراف وتقديم حكمت الحاج، منشورات كناية 2026

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑