تمثلات الأنا في ديوان “معراج المعصية” للمثنّى الشيخ عطية..

.

عبد الجليل حمودي

يصادف أن تقرأ ديوانا من الشعر فيمر بك دون أن يخط في ذاتك أثرا ويصادف أن يكون حظك عظيما فتقرأ ديوانا فيرغمك على إعادة قراءته ليعيش معك وبداخلك يدغدغ فيك شيئا ما هناك في أقاصي الذات وهو ما أفلح فيه ديوان “معراج المعصية” بي للشاعر السوري المهاجر المثنى الشيخ عطية. إنه ديوان يلقي بك منذ العنوان في غيابات المعنى. يقذف بك في تعرّجات العوالم المختلفة التي قد لا يجمع بينها سوى أنها محض خيال ومنتج إبداعي يقف على ذرى الإبداع.
جاء ديوان “معراج المعصية” في 130 صفحة ضمت 21 قصيدة جزّأها الشاعر إلى أقسام فسمّى كل قسم مقاما إذ نجد: مقام النور ومقام التحولات ومقام المثنّوي ولم تنفلت من هذه المقامات إلا القصيدة الأولى “لا فتحة لا كسرة في سرير الحب” فكأنها فاتحة الديوان تأبى الانصهار في مقاماته تعلن عن المبادئ العامة فلا مقام يأويها ولا قسم يقيّد مبناها ومعناها.
وإذا رمنا العروج إلى درجات الديوان والارتحال في مقاماته البنيوية والدلالية فلا بد لنا أن نيمّم وجوهنا شطر العنوان فنلفاه منحوتا من لفظتين تجمعهما رابطة الإضافة فوردت لفظة ” معراج” مضافا لمضاف إليه هو ” المعصية”. هذه الإضافية لا تخفي تناقضا في الدلالة الأولية. تحيل لفظة العروج إلى السمو والانطلاق نحو الأعلى حيث الكمال والمطلق فتتحرر الروح من جسديّتها التي تشدّها إلى العالم السفلي بما في النعت من دلالة مكانية وقيمية أما لفظة المعصية فإنها استقرت في المفهوم الإنساني الجمعي دليلا على السقوط أو الانحراف عن الطريق السوي. لكن الانغماس في الدلالة بلبوسها الصوفي يجعل من التناقض يتلاشى هباءً بما أن المعصية قد تكون من صميم المعراج. إنها التمرّد على القيم البائدة التي تؤمن بها الجماعة. هذه الجماعة -كما ينظر إليها الفرد المؤمن بالصوفية نهجا في الحياة وصراطا للقيم – تكبّل الإنسان وتأسره بقيود العقل الجمعي الذي يأبى التطور والنمو ويستكين إلى الرضوخ للتقاليد والخضوع للمتعارف عليه وهكذا تتضخم الأنا فتفيض على الوجود نشدانا إلى الاكتمال في العالم العلوي والتوحّد فيه مما يؤثّر على تمثّلاتها في ذاتها وعلاقتها ببقية المكوّنات داخل الكون الشعري لديوان ” معراج المعصية” وهو ما سنحاول أن ندركه في قراءتنا السريعة هذه
إن المتأمّل في القصائد الإحدى والعشرين التي ضمّها الديوان لن يجد كبير عناء في ملاحظة هيمنة ضمير” الأنا” إذ لم تسلم من هذه الهيمنة سوى ثلاث قصائد هي ” المعجزة” و” الطريق” و”الشغف” بينما كان حضوره باهتا في ” الكيمياء” واندمج في ضمير “النحن” في “الصديق”. هيمنة شكلية تعاضدها هيمنة دلالية تنتقل معها من جغرافية القصائد إلى جيولوجيّتها في انشداد كلّي إلى الذات الشاعرة التي تهيمن على مسارات الكلام حيثما حلّت فهي الذات والموضوع في آن. إنّ الشاعر يستلهم تجربته الشعرية في هذه القصائد من تجارب أجداده الصوفيين يصهرها ليعتصر منها مكوّنا حداثيا يتأصل في القديم لكنه يرنو إلى حداثة لم تتأسس من قبل فتبرز أناه قوية صارمة تعيد ترتيب أشياء الكون على مزاجها يقول:
أعيد ترتيب استجابة عظامي لإغواء سراب الراحة من التعب
أعيد صخرتي من قمة ما اكتمل
في وادي لا جدوى الأمل
إلى أكتافي
إنها صرخة القوة في وجه العالم تعلن من خلالها الأنا عن وجوديّتها رغم كل العبث المحيط بها مما يجعلها تعيش حيرة بمثابة اندهاش الفلاسفة عندما يقبضون على جذوة المعرفة فتنوس بين المتناقضيْن في أغلب الأحايين كأن تختار بين أن تكون هي المبتدأ أم المنتهى ” أرتدي ثياب الحيرة وأكون النقطة والسطر” وأن تجمع سكونا يطمئن الكون ووهجا يثور على السائد ” الليل والنهار في ذات الوقت” وأن تنتشر في الزمان فلا يحدّها بل تفيض عليه لتكتسب معرفة مطلقة:
أكونَ الكون والكان وما سوف يكون في ميقاتي
أكون أن أعرف ولا أعرف من أكون
تسببت هذه الحيرة في القلق الدائم للأنا لأنها تعيش حياة لا يدركها الآخرون بما أنّ قدرها أوجدها بينهم فاضطرت إلى تقسيمهم صنفين يتكون الأول من الأصول والفروع ( أبي – أمي- ابني) ترسم معهم علاقة سببية لوجودها سواء كانت تأصيلا ( الأب والأم) أو استمرارا (الابن) ومن الصديق الذي يشدّ الأزر في الأزمات خاصة ومن الصوفيين ( الحلاج-التبريزي-الرومي-ابن عربي) سراجا منيرا لدرب شاق طويل بحثا عن حقيقة مزاجها من تسنيم اليقين ومن الحبيبة سرا للوجود وملجأ للراحة من تعب السفر الدؤوب أما الصنف الثاني فيتّسم بالعدائية الدائمة ويتكوّن من القبيلة الواقفة سدّا بين الأنا والحبيبة الرافضة اكتمال السعادة بينهما ومن كل من يقف في وجه تحقيق الذات لآمالها فسمّتهم ” حاطبو ليل الضغينة”
حاطبو ليل الضغينة التعساء
لم يتورّعوا يا صديقي العجوز أن يقطعوا
شجرتك المورقة بلغة الكون
مثّلت هذه الحواجر عوائق أمام تحقيق الأنا لذاتها في وجود يتّسم باليقينية المطلقة مما اضطرها إلى الهروب أولا حيث الطبيعة بمختلف تشّكلاتها ورمزيتها من عنوان الهدوء (الأشجار في الربيع) والغضب (الأمواج الهائجة) والثورة (الرياح العاتية) ثم العروج ثانية إلى الأعلى حيث الكون الفسيح والدوران اللامتناهي ( للدوران دلالة خاصة في أدبيات الصوفية) وقد تكثفت في هذا الديوان الألفاظ الدالة على العروج فأحصينا أكثر من 11 لفظا ينتمي إلى الحقل الدلالي للعروج (الهروب/المضي/العبور/الصعود/الناقة/الراحلة/الرحلة/البراق/العروج/الجسر/الإسراء) مع الملاحظة أننا لم نعدّ تفريعات هذه الألفاظ مثل(معراجي/ اعرجي/عروج/عارجا). وذلك يدلّ على ذكاء الشاعر أولا في اختيار عنوان ديوانه «معراج المعصية” ويدلّ ثانيا على أنّ العروج اختيار واع من الأنا المنعتقة من قيود الجماعة المتحررة من عقلهم الجمعي فتحاول أن تجد كونا تعيش فيه بالمبادئ التي تحملها والقيم التي تؤمن بها. هذا الكون من سمته الإطلاقية في القيم الفاضلة واليقينية الدائمة حيث كما تقول الأنا “أتعدد متوحدا بأخلاقي” في “مملكة الحرية”
أطير محلقا أكثر في دوراني الصاعد
إلى شمس إغراقي في فيضان إغراقي
…..
لا ساعيا في معراجي إلا إلى
سدرة منتهاي في ذاتي
هكذا يتوحد العالم الذي تعرج إليه الأنا معها ليكونا عالما واحدا تندمج فيه فلا يكون غيرها إلّاها. من هنا جاءت المعصية عنوانا للتمرد على الجماعة حاطبي ليل الضغينة الواقفين حاجزا أمام الذات ووجوديتها.

أضف تعليق

إنشاء موقع إلكتروني أو مدونة على ووردبريس.كوم قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑