رأسان وثلاث أيدٍ..

–
أحمد الشيخ علي
–
كانت سعادته عظيمة وهو يتلقى النبأ الذي انتظره عشرين سنة أحالته على أعتاب الشيخوخة، فقد جاوز عامه الثالث والخمسين منذ شهور قاسية البرد.
زوجته التي تصغره بأربعة عشر عاما وشهرين عندما تزوجها، استقبلته هذا المساء لدى عودته إلى بيته، بفم انفجرت عليه ابتسامة مشوبة بقهقهة متقطعة وأنفاس مبهورة على غير ما اعتاد منها طوال خمس عشرة سنة من زواجهما الذي زاد على عقدين، قضياه معا يترقبان ما لم يتحقق أبدا، برغم محاولاتهما التي لم تقف عند زيارة الأطباء وتناول الأدوية وابتكار الوضعيات المناسبة وغير المناسبة في الأيام والليالي المحسوبة وغير المحسوبة، بل تعدى ذلك إلى طرق أبواب المشعوذين والسحرة، ووقوفهما عاريين بين يدي دجالين ملأوا جسديهما تعاويذ وطلاسم وعلامات ورموزا وكلمات مكتوبةً بالمقلوب منقّطة الأحرف وغير منقّطتها.
كان هو يحلم بكل ما أوتي من قوة وسعة خيال، وكانت هي تمني النفس بأن تنهي هذا السجال القدري بما يجعلها تغمض عينيها من دون سلسلة التعاويذ والأذكار المدنسة التي عليها أن ترددها من دون أن تخطئ بالعد، وهي تكرر عباراتها غير المفهومة، فإذا زل لسانها وأخطأت العد الذي تستعين عليه بسبحة أطول منها، سلكت في خيطها خمسة آلاف خرزة مختلفة الألوان والأحجام، تفصل بين كل جمهرة منها بعقدة أو خرقة، فهناك ما تديره على طهر منها، وهناك ما تطقطق بخرزاته وهي تشد رأسها بوشاح أحمر، اعتادت أن تتخذه لافتة لأيامها الخمسة التي لا تتخلى فيها عن ثوبها الخارجي حتى وهي في مخدعها مع زوجها، الذي صار يعرف كل إشارة أو نظرة أو حركة أو طرفة عين تصدر عنها.
عقدان طويلان جمعاهما حتى صارا يشبهان بعضهما بعضا، بدءا كما يبدأ الأزواج غالبا، كانت النجوم تتلألأ في عينيهما، والفراشات وعصافير الكناريا لا تكف عن الرفيف والغناء فوقهما، بينما ينجدلان في حبهما الذي لا يتوقف، في ليل أو نهار، طالما وجدا فرصة لإغلاق الأبواب وإسدال الستائر على النوافذ التي يمكن أن تشي بموسيقاهما المحلومة.
كانا يقترحان أسماءً تروق لهما، ويجعلانها تتوهج في ألسنتهما وهما يناديان بها أو يزناها مع اسميهما.
مضى عام والأسماء تكثر. عامان والأسماء تعلن عن نفسها. ثلاثة أعوام والحب يجدد قاموسهما. خمسة أعوام مضت وليس من اسم يشاركهما وحدتهما.
لم ينته العام الخامس من زواجهما إلا وقد بدأت سنوات العته الذي اشتعل في أطراف بيتهما وصير حياتهما رمادا. كان البيت أشبه بفم وحش عملاق ينهش وجودهما فيه، ويديم مضغهما بلا رحمة، كلما مر الشهر وظهر الوشاح الأحمر، معلنا رسالته المشؤومة بضياع الحرث والبذار. ومن دون أن يتفقا على ما انتهيا إليه، وجدا نفسيهما ينزويان في سريرهما ظهرا لظهر، وكأنهما يتحاشيان أرقهما من دون اتفاق مسبق. ولم يمض طويل وقت حتى صار لكل منهما شرشفه الخاص، ولتمر الأيام الخمسة تتبعها أيام خمسة وأيام خمسة أخرى. ومن دون أن يذكر أحد منهما كيف جرى ذلك، صارا ينامان في سريرين منفصلين. كانا ينسلخان من جسديهما، ويستسلمان لكل أمل مهما كان بعيدا ومستحيلا، زرعا ماءيهما في قوارير طبية، كما زرعا روحيهما في قبور الأولياء والصالحين، وقفا طويلا يسكبان توسلاتهما على ضفاف الأنهار، ويوقدان الشموع في محاريب الكنائس ويقدمان النذور والقرابين، ويتصدقان بما في أيديهما وجيوبهما، من أجل أن يأذن القدر ومقدِّره بما صار غاية وهوسا ونشدانا مستعرا يطهو قلبيهما، ويجعل محاجر عيونهما تفور بالدم والدمع والعمى الوشيك.
أعوام ثقيلة جرت نفسها على وجهيهما وجسديهما، ومن دون تخطيط راحا يقلّبان حياتيهما بحثا عن طرق متقاطعة يمكن أن تجمع بينهما وتقودهما مغمضي العينين إلى كسرة من فرح، أو رشفة من حنان، تشققت شفتا روحيهما ولم تترطبا به منذ زمن بعيد. كان كل منهما يشد لحافه على جسده الراجف من الخذلان في غرفته، وعلى سريره، ولا يسعه أن يزيح ذلك الستار الثقيل الذي جعل منهما موظفين يؤدي كل منهما عمله في تلك المؤسسة الصغيرة التي يديرانها، ويخدمان فيها، ويشغلان جميع المناصب، وإن تطلب الأمر يصيران مراجعين، ومراقبين، وتائهين، وعابري سبيل…
كل واحد منهما يراجع جدوله، ويؤدي وظيفته كما تقتضي المواعيد التي حددها لهما الأطباء، أو علماء الفلك، والجدات، وكتب المجربات والنصائح، يلتقيان في غرفتهما القديمة تحت جنح الظلام، ومن دون أن يضاء مصباح أو توقد شمعة، يتلمسان جسديهما بصمت، وينسلان بعد أن ينتهي شوطهما، وفي رأس كليهما يصطرع الأمل واللاجدوى.
ليس هناك من خطأ أبدا، عشرات التقارير ومئات الفحوصات وآلاف التجارب تؤكد سلامتهما، وكلاهما مؤهل تماما، ولكن لا أحد يعرف على وجه الظن أو اليقين سببا لهذا الأمر الذي يقود إلى اليأس.
منذ سنواتهما المبكرة، وبعد أن علما أنهما جديران بحياة مثمرة، تعاهدا على الحب، وبعد أن خذلهما قدرهما طويلا تكاشفا وكل منهما يؤثر الآخر على نفسه، ولكنهما انتهيا إلى مصيرهما هذا، ومرت غيومهما من دون مطر.
كان كل منهما رهين الآخر، ومن دون أن يعرفا سببا لذلك. فليس في حياتهما الآن ما يغري بالمضي قُدما، ولكنهما يمضيان ولا يحيدان عن مضيهما في ضياعهما المديد.
…
لم يصدق ما سمعه من كلمات مبعثرة رآها تتقافز من بين شفتي زوجته ممزوجة بدموعها التي بدت ملونة ومضيئة، وأنفاسها التي لا تكاد تلتقطها، وهي تضع يدا على صدرها، بينما تتحرك يدها الأخرى بحركة دائرية على بطنها.
كانت ترتجف وهي تلقي خطابها المتعثر، وكان هو يقف مثل تمثال صغير، تغير لونه مرارا، بين الأحمر والأصفر والأشحب، وترقرقت عيناه بدموع سخينة وارتجفت شفتاه، وراح يبلع ريقه مرارا مع الهواء الذي يسحبه من فمه، ويقول كلاما لم يخرج، ولا يسمع منه سوى حشرجة مصحوبة بسعلات صغيرة متقطعة، قبل أن يهتز مرتعدا، ولولا أنه تشبث متكئا على الجدار ومنضدة مدخل بيته لكان متفككا مثل دمية خزفية على البلاط.
لا يعلم كم مضى عليه من وقت وهو يستعيد مع زوجته النبأ السعيد الذي ألقت به عليه، كانا يخفان وهما يجلسان قبالة بعضهما، فيحملهما النسيم الذي يمر عبر النافذة، وبدءا يشمان عطر الحديقة التي نسياها منذ دهر حتى صارت قطعة من غابة برية تشتبك نباتاتها وتتسلق الجدران وسيقان الأشجار ومشبكات النوافذ.
تعرفا على الألوان التي تحيط بهما، وكان أكثرها حضورا الأخضر المشوب بحمرة تهمس بها المصابيح التي أضاءاها بعد سنوات الظلمة.
إنها سعادة لا تعدلها سعادة أبدا، لقد انتصرا أخيرا على تعاستهما، وهاهما يلتقيان، على أمل كادا يكفران به، طوال سنوات عديدة قضياها في رحيل أبدي، إلى أعماق اليأس والحرمان والألم والعجز.
بالكاد مضت أشهر الترقب، وحان موعد الحقيقة، وعليهما أن يعرفا ما الذي ينتظران قدومه، بعد انتظارهما الطويل.
كانت تفكر بكل ما يمكن ولا يمكن، وكان هو يستعيد الأسماء التي ادخرها لهذه اللحظة، بينما أمسك يدها بين يديه متحسسا ارتعاشتها غير المنتظمة، برودتها التي لا تنتمي إلى جسد حيّ أبدا.
دقائق قليلة احتاجها الطبيب ليقرأ بعينيه الماهرتين ما كان ينظر إليه في الشاشة التي تظهر صورا متحركة ومتقلبة أشبه ما تكون بصور الطبقات الجوية، بينما كان يحرك جهازا صغيرا على بطن المرأة التي راحت تغوص بعينيها في المجهول، وهي تنظر إلى تلك الشاشة الغامضة. بينما مر الزمن عليها حتى تلبستها الشيخوخة، وعض بشرتها العجز. ولما حركت رأسها نحو زوجها وجدته هو الآخر غارقا في غياهب الشاشة تلك، وقد غادرت عيناه محجريهما، وتدلى فكه حتى بلغ سرته. كانا يشعران أن عمرهما كله يستعاد ويستنزف في تلك الدقائق القليلة. ولما التقت عيونهما، اضطرب الرجل، وبتردد وجه سؤاله إلى الطبيب:
– ماذا لدينا يا دكتور؟
لم يعره الطبيب بالا، واستمر في قراءة الشاشة دقيقة أخرى، قبل أن يقول ببرود، ومن دون أن يظهر أي تعبير عاطفي:
أرى رأسين وثلاث أيد…
***
